رشا عوض السيدة جويس باندا رئيسة جمهورية ملاوي الدولة الأفريقية الفقيرة جدا، عندما صعدت إلى السلطة في عام 2012 ووجدت أزمة اقتصادية كبيرة في انتظارها، خفضت مرتبها بنسبة 30%،

وألغت الحوافز والبدلات  والمخصصات التي يتمتع بها الوزراء والمسئولون الكبار، وخفضت أعداد البعثات الدبلوماسية والقنصليات، وباعت خمسة وثلاثين عربة مارسيدس يستعملها أعضاء حكومتها، كما باعت طائرة رئاسية تكلف صيانتها 300 الف دولار سنويا  للاستفادة من سعرها في اولويات مقدمة على رفاهية الرؤساء ، وقالت السيدة جويس باندا بحزم في مقابلة صحفية “ان ركاب الدرجة الاولى والدرجة السياحية يصلون إلى المحطة المقصودة في ذات الوقت والرفقة في السفر ممتعة!”.

الحكومات التي تحترم شعوبها تبدأ السياسات التقشفية من أعلى قبل ان تمد يدها إلى رغيف الخبز وجرعة الدواء! حتى تكتسب هذه السياسات المشروعية المنطقية والأخلاقية.

إن الأزمة الاقتصادية التي تطوق السودان الآن تحتاج إلى تشريح دقيق يضع الأزمة في سياقها الموضوعي، بعيدا عن السياق التضليلي الذي اجتهد الخطاب الحكومي والإعلام الرسمي وشبه الرسمي في الترويج له على خلفية قضية ما يسمى بـ (رفع الدعم)، حيث يركز هذا الخطاب على ربط الأزمة الاقتصادية بانفصال الجنوب الذي ادى إلى فقدان عائدات النفط وهذا عذر أقبح من الذنب لأن السودان لا يقع في صحراء الربع الخالي حتى يكون النفط إكسير حياته، ويختزل هذا الخطاب حل مشكلة عجز الميزانية فيما يسمى بـ (رفع الدعم عن المحروقات والقمح) وهذا الدعم ما هو إلا فرية لتجميل وجه الحكومة إذ أن المواطن السوداني في الغالب  يشتري السلع بأكثر من سعرها الحقيقي، والمفارقات الدالة على ذلك كثيرة جدا ، فعلى سبيل المثال لا الحصر أسعار البنزين والجازولين والسكر والاسمنت في السودان هي الأغلى على مستوى العالم رغم ان السودان دولة منتجة لهذه السلع، وأسعار الفواكه والخضروات واللحوم والالبان التي يتم انتاجها  في السودان أغلى من السلع المستوردة، لأن تكاليف الإنتاج في السودان مرتفعة جدا  بسبب (رفع الدعم) الذي اكتمل منذ منتصف التسعينيات، وبسبب ترسانة الجبايات التي تخنق المزارعين والرعاة والتجار. هذا الخطاب الذي يروج لأكذوبة الدعم  يهدف الى تصوير الازمة كظرف طارئ يمكن تفاديه بإجراء واحد هو رفع هذا الدعم المزعوم  وزيادة أسعار السلع المرتفعة أصلا ، في حين ان الأزمة الاقتصادية في البلاد مزمنة، لان الاقتصاد السوداني يعاني من خلل هيكلي وبنيوي مزمن، والمعالجات الجذرية لهذا الخلل لا بد أن تكون هيكلية وبنيوية، ومثل هذه المعالجات تتطلب خططا وبرامج اقتصادية وتنموية مدروسة يضعها خبراء ومختصون، ولا يمكن التخطيط للمستقبل الاقتصادي والتنموي  بكفاءة دون نقد السياسات الاقتصادية والأداء الاقتصادي الحالي وتشريح عيوبه وإشكالاته، وعلى رأسها تدني الإنتاج والإنتاجية، انهيار أكبر وأهم المشاريع الزراعية وعلى رأسها مشروع الجزيرة، انهيار الصناعة ، البيئة الطاردة للاستثمار، الزيادة المطردة في اختلال التوازن التنموي بين المركز والأطراف وبين المدن والأرياف، انهيار القطاع المطري التقليدي الذي يعتمد عليه 65% من السكان في معيشتهم، انخفاض مؤشرات التنمية البشرية في البلاد إلى أدنى المستويات على مستوى العالم بسبب عدم وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه الرعاية الصحية الأولية ورعاية الأمومة والطفولة ومحو الأمية وتحقيق مجانية وإلزامية التعليم الأساسي (باختصار تحقيق الأهداف التنموية للألفية والتي يجب ان تكون أنجزت بحلول عام 2015)، معضلة الديون، تشوهات النظام المصرفي.. وإلى آخر مظاهر الأزمة الاقتصادية والتنموية في البلاد والتي لا يمكن التصدي لمعالجتها إلا بحزمة متكاملة من الإصلاحات الاقتصادية المقترنة بحزمة متكاملة من الإصلاحات السياسية، 

وهذا ما يرغب الخطاب الحكومي في تفاديه والقفز فوقه ، ومن ثم الحديث عن الحلول الإسعافية المؤقتة وكأنها حلول استراتيجية، والحديث عن إمكانية تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي في ظل النظام الحاكم حاليا دون مجرد الإشارة إلى الإصلاح السياسي، وهذا دليل دامغ على عدم أهلية هذا النظام لتحقيق نجاحات حتى في الحلول الإسعافية العاجلة ناهيك عن الحلول الاستراتيجية الشاملة، ففي المأزق الراهن المتمثل في شح السيولة النقدية في خزينة الدولة سواء من العملات المحلية أو من العملة الصعبة نتيجة لضعف الصادرات الناتج عن انهيار القطاعات المنتجة وفقدان عائدات النفط، وعجز الموازنة نتيجة لأن مصروفات الحكومة تفوق إيراداتها ، وبالتالي العجز عن ادارة الدولة واستحالة توجيه جنيه واحد إلى مشاريع التنمية، الحل الإسعافي لتجاوز هذا المأزق يتمثل في (خفض الإنفاق الحكومي) عبر حزمة من الإجراءات يجب ان يتصدرها في الحالة السودانية تقليص الصرف السيادي والإداري والسياسي وقبل ذلك الصرف الأمني والعسكري الذي يلتهم 70% من الميزانية، حيث يبدأ  هذا التقليص بإعادة النظر في جهاز الدولة المتضخم بصورة ورمية تستنزف أموالا طائلة في حين ان هذا الجهاز المرهق لمالية الدولة أثبت على الدوام عدم الجدوى السياسية والإدارية والخدمية والتنموية ، فلا يوجد أي مبرر منطقي للاحتفاظ به سوى الترضيات السياسية والتمكين الاقتصادي والوجاهة الاجتماعية لأهل الولاء للنظام الحاكم! ما هي حاجة السودان لوجود ثماني عشرة ولاية لكل منها والي ونائب والي ومعتمد، ومجلس وزراء ومجلس تشريعي وعدد من المحليات وبالتالي جيش جرار من الدستوريين والموظفين الكبار الذين تنفق عليهم الحكومة إنفاق من لا يخشى الفقر ابتداء من المرتبات الكبيرة  مرورا بالحوافز والبدلات والنثريات التي تفوق المرتب الأساسي، والسيارات الفارهة بسائقيها ووقودها المجاني وصولا إلى امبراطوريات الفساد والمحسوبية التي تدر على كبار المسؤولين أموالا تفوق مرتباتهم ومخصصاتهم أضعافا مضاعفة!! هذا بالإضافة إلى الطامة الكبرى ممثلة في الحكومة الاتحادية وجيشها الجرار من الوزراء ومجلسها الوطني ومؤسسة الرئاسة وما أدراك ما هي!.  

والمأساة الملهاة أن حكومة المؤتمر الوطني عندما تتحدث عن تخفيض الإنفاق الحكومي لا تتذكر الجيوش الجرارة من الدستوريين وجهاز الدولة المترهل عديم الجدوى وتتجه مباشرة إلى المواطن المسحوق بوطأة الفقر الذي يتحصل على دخل بائس لا يسد رمقه ولا يحفظ كرامته الإنسانية، تتجه إلى هذا المواطن لتضاعف عليه أعباء المعيشة بزيادة الأسعار المغلفة بأكذوبة (رفع الدعم)! وبزيادة الضرائب والرسوم والجبايات.

وتجدر الإشارة هنا إلى أننا لو سلمنا جدلا بأن حكومة المؤتمر الوطني تدعم المحروقات وبعض السلع، فإن رفع الدعم ما هو إلا بند واحد فقط من (حزمة تخفيض الإنفاق الحكومي)، وهو بند محدود العائد إذا لم تطبق الحزمة كاملة، وبما أن النظام الحاكم هو نظام الحزب الواحد المحتكر للسلطة وجهاز الدولة ويكاد يكون المستفيد الوحيد من (عدم تخفيض الإنفاق الحكومي) لان غالبية المناصب الكبيرة من ولاة ووزراء اتحاديين وولائيين وغالبية نواب المجالس التشريعية من منسوبيه، فمن غير المتوقع ان يقرر الحزب الحاكم طوعا واختيارا تسريح منسوبيه امتثالا للسياسات التقشفية  وبالتالي لن يتم اي تخفيض حقيقي لإنفاق الحكومة وسوف تظل الأزمة قائمة ويكتوي المواطن بنارها بارتفاع الأسعار و بالتدهور المستمر لنوعية الحياة المتدهورة أصلا.    

لو تركنا الجوانب الأخلاقية والإنسانية جانبا، باعتبارها مسقطة تماما من حسابات المؤتمر الوطني وحكومته، وناقشنا موضوع رفع الأسعار من حيث الجدوى الاقتصادية لاقتصاد منهار كالاقتصاد السوداني، نجد ان هذه السياسة التي ستسحق المواطن لن تجدي فتيلا في معالجة الأزمة الاقتصادية بشكل استراتيجي، لأن تحرير الأسعار وتخفيض الإنفاق الحكومي وتخفيض قيمة العملة الوطنية الى آخر هذه الحزمة التي تعرف بـ (روشتة صندوق النقد الدولي) هي خطوة الهدف منها أن تصبح الدولة مؤهلة لنيل القروض التنموية الميسرة، لأن الأموال التي توفرها هذه الحزمة ضئيلة جدا إذا ما قورنت بالمبالغ المطلوبة لتحريك عجلة التنمية في البلاد، فالاقتصاد لا يتعافى إلا بازدهار المشاريع المنتجة، وبما ان السودان ضاعت منه فرصة الاستفادة من عائدات البترول على مدى عشر سنوات في تأهيل قاعدته الانتاجية، حيث تبددت هذه العائدات (التي لا يعرف أحد على وجه الدقة حجمها الحقيقي ولكنها في أقل التقديرات لا تقل عن خمسين مليار دولار) تبددت في الفساد والصرف السياسي والأمني والعسكري واستيراد الكماليات، فبدلا من أن تكون عائدات النفط نعمة على السودان تحولت إلى نقمة لان الاتكاء الكسول على هذه العائدات ادى الى إهمال الزراعة والصناعة فتحول اقتصاد البلاد إلى اقتصاد (ريعي بامتياز)، وبعد ان فقدت 70% من عائدات النفط بانفصال الجنوب، لم يبق من خيار لتمويل التنمية وإعادة تأهيل المشاريع الزراعية الكبيرة التي دمرتها السياسات الاقتصادية  الخاطئة ودمرها الفساد وسوء الإدارة  وعلى رأسها مشروع الجزيرة، وإنشاء مشاريع البنية التحتية والتنمية الريفية في المناطق المهمشة، إلا اللجوء إلى  الاقتراض من المؤسسات العالمية والدول المانحة، وجذب الاستثمارات الأجنبية الكبيرة، وفي الحالة السودانية لن تكفي (روشتة صندوق النقد الدولي) في تأهيل البلاد لتلقي القروض، لأن الجهات المانحة أصبحت تربط  أهلية الدولة للحصول على القروض التنموية وإعفائها من الديون ربطا محكما بدرجة استيفائها لشروط الحكم الراشد القائم على أساس المشاركة والمساءلة والمحاسبة والشفافية وسيادة حكم القانون، ومعلوم ان السودان ظل ولسنوات متعاقبة مصنفا كأكثر دول العالم فسادا وفشلا وقمعا لحرية التعبير وإهدارا لقيم الحكم الراشد، إضافة إلى ان رئيسه مطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، وسجله سيء جدا في مجال حقوق الإنسان، ومثقل بإدانات متواترة من مجلس الامن الدولي على خلفية الحروب الأهلية الدائرة، وما دام الحال كذلك فلن يعفى السودان من ديونه وسوف يحرم من الحصول على القروض التنموية الميسرة، ولذات الأسباب أضف إليها الحروب المشتعلة في الجنوب الجديد ودارفور سوف يفشل السودان في جذب الاستثمارات الكبيرة.

هذه الحقائق الموضوعية تؤكد أن حل الأزمة الاقتصادية مستحيل ما لم تحل الأزمة السياسية حلا شاملا وجذريا، حلا ينتج نظاما جديدا يحقق السلام والمصالحة الوطنية  والتحول الديمقراطي ويطرد شبح الحرب، ويعيد الهيكلة السياسية والاقتصادية والإدارية للدولة السودانية بصورة تناسب إمكانيات البلاد، وعلى النحو الذي يجعل التنمية بمعناها الشامل هي الهدف، وليس الترضيات، نظاماً يجعل السودان منفتحا على العالم، ويبني علاقاته الخارجية على أساس المصالح الوطنية الموضوعية لا على أساس الأوهام الآيدولوجية.

ولا جدوى لأي حديث عن إصلاحات في ظل النظام القائم لأنه غير قابل للإصلاح نهائيا، يجب ان لا نضيع وقتنا في أحاديث عن ان على الحكومة ان تحارب الفساد لان الفساد مكون بنيوي للنظام، والتستر على المفسدين وحمايتهم شرط لازم لتماسك النظام وبقائه لان الفساد ليس طارئا استثنائيا بل هو جزء من طبيعة النظام الحاكم، لن يقتدي البشير بجويس باندا، ولن يوافق المؤتمر الوطني على إصلاحات تمس غنائمه، ولا يستقيم عقلا انتظار حلول لازمة اقتصادية معقدة من النظام الذي خلقها، ومن حزب حاكم تعاني مرجعيته الفكرية من فقر مدقع في الرؤى الاقتصادية والتنموية. وقصارى معرفته وخبرته الاقتصادية هي فنون الجباية والسمسرة والانشطة الطفيلية وغسيل الأموال. نكرر لا حل سوى إسقاطهم!.