عبدالغني كرم الله مدخل فطري:  أعطوا أعينكم حظها من العبادة (حديث شريف)!! صبية صغار، في زي الصاقعة، في طريقهم للبيوت، بعد عناء دراسي، في مدرسة ببري المحس، أظنهم حفظوا قصيدة للتجاني يوسف بشير، ولكنهم خانوه بعد حين،

حين همت طائرة ضخمة، على جنبهم اليسار، أعلى قليلا، وهي تشرع في الهبوط في مطار الخرطوم، وقد أرخت صلبها الضخم، المحمل بالهدايا والاسرار والحقائب، ورحالة تلصصوا على سحر المدينة، وأناس قادمين بعد وعثاء غربة طالت، في بلاد الضباب أو الصحراء، من نوافذ صغيرة، ترى بيوت العاصمة تحتها كأنها علب كبيرت صغيرة، والأحياء تتلاصق، من عل، من خوف، أو حميمية، تجلي سر الحياة الأبدي، والمعيشة في أسراب، للطيور، وقطيع للحيوانات وبني آدم.

أنزلت الطائرة قدميها البلاستيكة، من بطنها، وتراخى صلبها للأسفل ببطء محكم، كي يلامس أرض الوطن قبيل رأسها بثوان، والصبية في طريقهم لحي (امتداد ناصر) يراقبونها بعيونهم المفتوحة، وهي رويدا رويدا شرعت في النزول  على دربها المعبد، طريق طويل، عريض، من أول المطار، حيث بري،  ولجنوبه البعيد، حيث الجريف.

وحين اصبحت قربهم، وهي على علو 300 متر عن الارض، قال أحد الصبية:

عليك الله ار بي جي سفن ما بجيها الواضة؟.

ضحكوا، جميعا، وصبى آخر، صوب يده نحوها كأنها كلاشنكوف، كي يرديها قتيلة، وهو يصيح طاخ طاخ.

واحد صرخ: والله دوكشا تخليها زي نثار الفلين..

ضحكوا، ومضوا في سبيلهم، كل إلى بيته، وكأنهم لم يرتكبوا طامة كبرى، (والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس)، في الخاطر تبدأ الجريمة، وينبع العنف، بل الإثم عندهم، لم يحاك في خواطرهم المسكينة، الفقيرة، بل علا، أصبح صراخ، وقول فصيح، وهو في طريقه، لاحقا، كي يكون واقعا ملموسا، وداميا في سوح بلادي الجريجة.

بلادي في خطر، بال الغد، في خطر، تسير نحو هواية من تربية العنف، أي غد يرسمه هؤلاء الحكام من خلال هذه الضلوع الغضة البريئة؟ ويكتمل المشهد الحزين لهولاء الصبية، حين يجدون السلطة تحارب المعارضة، وتسن السيف للأقاليم الجائعة، المنسية، وترى السلطة بيد العسكر، لأكثر من عقدين من الزمان، فأي تربية هذه؟..

هذا مشهد حي، ليس وليد خيالي، بل رأيته، وسمعته، من صبية مروا قربي، تحسرت، بل وقفت، وهززت رأسي أسى، أي بؤس هذا؟ وأي تربية هذه؟ غرستها الأنقاذ في نفوس الصبية، وإي إلتوا تم في نبع خلقهم وإبداعهم، وعطائهم المستقبلي، وأي سيف حاد غرس في مخيلتهم، فأدماها سخطا على طبيعة مسالمة، وعداء مع مخلوقات جميلة، وطائرات محلقة، بل سخط على الحياة برمتها، ولكن كيف يجنى هؤلاء الصبية من الشوك العنب؟ فقد ساهمت مناهج الدولة المتسلطة، وثقافتها العدوانية في بناء عقول تحن للفتك والعنف منذ نعومة أظافرها، والنحت على الصغر، كالنحت على الصخر، ولم يكن هناك بناء ديمقراطي في المدرسة، أو الشارع، أو البيت، أو السلطة، ومؤسساتها…

لامست الطائرة إطارتها الخلفية الأرض، ثم أرخت بوزها، حتى لامست الإطارات الأمامية الأرض، وجرت مسرعة لمستقر لها في المطار، كي تفرغ حمولتها، وينزل الناس من متنها لأرض الوطن بعد غياب، طال، أم قصر، فلا شئ يعدل الوطن، “هب جنة الخلد الوطن”، لا شئ يعدل السودان، ولم تختار لك الإرادة القديمة هذا الوطن مزاحا، أو صدفة، بل مناط بك، قيادته، مثل كل الشعوب التي تحضرت “وأنت تقطف ثمارها”، فلوا أراد العقل القديم خلقك بسمت آخر، ولون آخر، وبلاد أخرى، لفعل، ولكنها ضريبة الوطن، ولو كنت بعيدا عنه، أو في قلب أحزانه العميقة..

خان الصبية الصغار، قصيدة حشرت في مناهجهم، كيتيم بين لئام، للتجاني يوسف بشير، قصيدة يحفظونها ضامرة، بين صراخ قصائد العنف، ومناهج الجور، والتهجم، وصناعة (عدو خارجي)، متوهم، وهم لا يعرفون أن أعظم عدو بداخلهم (ألد أعدائك نفسك)، ولو انتصرت عليها، لأضاء السلام العالمي الكون، ولرعت الخراف مع الذئاب، أن تربية السلام تبدأ من الرحم، بل قبل ذلك..

ان الطبيعة صديقة عطوفة، وهي محكومة بقانون طبيعي صارم، شاعري، يتوخى الإصغاء إليه، واستنباطه، وتأمله، واستلال قواه لتوظيفها، ورفد الحياة ورفاهتيها وجمالها..

هؤلاء الصبية الضحايا “ببوق مهوس يجفل من صفير الصافر”، بدل أن يتأملوا الطائرة، وقوتها، ونفث هواء في مؤخرتها يجعلها أسرع من الصقر، وأقوى من جبل، وفي باطنها أهل، ودواء، وعطور، وأردية، وألوان، وقد ألغت الطائرة المسافة، والوقت، فصار السفر متعة بدل (وعثاء سفر، لها دعاء شهير)، لم يسعفم خيالهم “المريض غصبا عنهم”، سوى في تدميرها، فأي شوك “زرعته الإنقاذ”، في خلد هؤلاء، وكيف يجني الشعب “عنبا”، من هذه الغابة الشائكة بين ضلوعهم الغضة؟..

وصل أحد الصبية، بعد حين، إلى دارهم، ووجد البيت في طرب وحبور، وهناك أكياس فارغة، جديدة، ترقص في أركان الدار مع النسيم،  وهو الصبي الذي رفع يده مثل كلاشنكوف، هناك أثار زائر غريب للدار، فرحة تعم الدار، هناك كرة قدم جميلة، تحملها أخته الصغرى، وهي تجري نحوه، وركلتها نحوه، فتلاعب بها مثل ميسي، فرحا، وبهجة، ولسان حالة يتعجب ماذا جرى، ومن حضر؟.

(حالي جا، حالي جاء، وجاب ليك كووورة وهدوم)، ونطقت الخاء حاءا، بلجنتها المحببة..

أن خاله وصل من فرنسا، قبيل قليل، وجلب معه هدايا عظيمة، لهم، ركض الصبي لأحضان خاله سعيدا جزلا،  أنها نفس الطائرة التي أطلق عليها ناره، (وقتل خاله في خياله المريض)، وضاعت كرة القدم التي ابهجته منذ لحيظات، نحن أعداء أنفسنا، بالجهل، والخيال المريض في بناء الوطن، وكل ذلك من صنع فقهاء وأدعياء فكر، برروا لهذه العصابة فعلها، وسلطتها، وديممومتها الغريبة ليوم الناس هذا، وهي ضد الحياة، وضد الفطرة، وضد الخلق السوي الإنساني، قبل الإسلامي..

أن تربية الجمال، والخلق تبدأ قبيل الرحم، في أم حنونة، وأب فاضل، ومجتمع يدرك ثقافة السلام، وثقافة الأحترام، وثقافة التعدد، ويدرك سر وجوده، ورسالته الحياتية العظيمة، ويدرك علاقته بالكون، والمجتمع، ومع نفسه..

أن علاقته مع الكون، أقدم من وجوده الحسي، بل أن روحه كانت تحلق في الشموس، قبيل أن تنفتق لنثار من كواكب، تزين السماء حوله، ليلا، ونهارا، وتمد غدده بطيب الأشعة، التي تفجر انزيمات الحياة، وهرمونات العيش، فكن رفقيا بالسماء كلها، فهي مسخرة باطن، وظاهر لك أيها الإنسان المحفوظ..

ولكن الفكر العاق، عبر التاريخ، حرم بني آدم، حين سن المدن، والأسورة، حتى خرايط السيد سايكس بيكو، التي فصلت أسرة الإنسان، عن بعضه، لطمع، ومصالح، وعرف مصطنع أناني، ضيق…

أن حاسة البصر (في هؤلاء الصبية، وما أكثر أمثالهم)، أصابها عطب الرؤية، ولم تلاحظ الفكر الخلاق الذي شيدت منه الحياة حولهم، فقد رأى انشتاين مثلهم، ولكنه رأى ذكاء خلاق، مضمر في العناصر، وفي البناء الطبيعي “الفيزيائي”، للحياة، جعله يعلن بأن في خفاء الطبيعة شاعر عظيم، عصى الوصف، عسير الفهم (وأن دينه هو أعجابه بهذه القوى)، فكانت حاسة بصره رسولة لإيمانه العملي العظيم، بل صرخ بأن (المادة قوى، وذبذبة)، ليس إلا، فألتقى التصور الديني مع العملي البحت، في قراءة عجائب المادة، والكون المطلسم..

كما أن عين “نيوتين”، في تأمله الخلاق لتفاحة حمراء، سقطت من غصن، ثم تدحرجت تحت قديمه، سببا لصياغة قانون الجاذبية الأرضية الشهير، هو قانون “عجوز”، ولد مع الحياة، قبل نيتوت بأماد تخرج عن التصور،  وكان طاغ الفعل، قبل أن يخلق نيوتن، ولكن (أعطوا اعينكم حظها من العبادة)، هي من سولت له براعة هذا الاكتشاف، لشئ قديم، أقدم من حفر البحر، بل الأرض الذي يجري عليها البحر، فما أكثر الاختراعات التي تحوم حولنا، وتصرخ بلسان مبين، ونحن في عماء عنها، ولو عرفها لعرجبنا بها لحياة الرفاهية والسلام، والمجد (لا ترموا اللؤلؤ تحت أقدام الخنازير)، وقيل بأن الحمير، تفضل العلف على الماس، ليتنا ندرك عظمة الكون حولنا، ونوقره، في كل خطو، عسى أن يبوح لنا بسره، وقوانينه، وقواه..

أن ثقافة (الإبصار)، هي ثقافة عريقة، فأعظم القصائد التي خضبت الفؤاد، كانت من عيون، كعيون جوته، وريلكه، والحلاج، بسبب بصرهم، وبصيرتهم، وجعلتهم من كبار المبدعين، عبر ما أثارته ثقافة البصر، في نفوسهم من جيشان خواطر من سحر الحياة، وذكاء الطبيعة، فأشرقت نفوسهم، وطابت، فإنسابت قرائحهم السوية، شعرا، وإلهما، وإبداعا..

ولكن لم هؤلاء الصبية، لم لم يروا في الطائرة سوى فريسة لأحقادهم، وقوى التدمير فيهم؟ لأن العين مجرد حاسة، ولكن قوى الفكر وعاطفة الحب هي من تحلل معطياتها، وتترجمها لرد فعل جميل، أو بهات، أو معاد، (فكل إناء بما فيه ينضح)، أن نظرية “المؤامرة”، التي تتفشى في عالمنا العربي، والإسلامي، والأفريقي، والسوداني، نظرية مغرضة، تطعن “الظل”، دوما وتجافى الفيل، وهي هاجس الأنظمة المستبدة، التي تربي الأجيال عليها، كي تصرف النظر عن الفاعل الحقيقي للظلم، والدمار، في البلاد والنفوس.

أن التربية الجمالية، تقوم على حسن ظن عظيم، بالنفس، والمجمتع، والكون، وهم أصدقاء ولو في لبوس أعداء، حتى مكر الطبيعة في الزلزال، والفيضان، تدرس، وتوظف لخير البلاد والعباد، وللحق للزمان والمكان عيون مبصرة، حاذقة، فلم تصطدم الارض بالشمس، ولا القمر بزحل، بل عيون الزمان تمضي بنا حثيثا، في تطور بلا حول منا أو قوى، عبر ملايين السنين، حتى دخل العقل البشري (وهو نفسه هبة من تلكم القوى الذكية)، كي يرفد التطور، ويسرع به، نحو أفاق بعيدة، لا يسبر سرها..

ولكن للأسف (طمست عيون هؤلاء الصبية)، عن روية الجمال، والسحر والسر (في طائرة ركاب مدنية)، فلم يروها فيها سوى هدفا لتمارين العنف في قلوبهم، والطائرة الضحية، تحمل في بطنها هدايا، وألعاب لهم، ولجيرانهم، ولبلداهم، بل فيها خطيب أخت، ودواء لجد، وقلوب تحن للأهل، والفرح، والجمال..

أللهم أرني الأشياء كما هي، مع هؤلاء الصبية، حتى نرى جمال سحرك، فينا، وفيما حولنا من الأشياء والأحياء، ونكتشف أغوار نيتك، وأفاق سعيك، ونرفع أشرعة الحب، مع دفق نسيمك الذكي، كي نرحل بعيدا بعيدا في نهر الفهم والحب، بلا حول منا، سوى الاستسلام الذكي لدفق نسيمك “في كل تجلياته”، مع أشرعة الذكاء، كي نرتاد قلب التطور، كله، وجمعيه، حيث لا منتهى، بل شد الرحال، نحو الأفاق الأجمل، والأعمق..

ما اوسع الجمال، وما أصغر الرؤية، وما أضيق العين، حين لا ترى سعي العشب، وبركات النسيم، وسحر الحياة، وجمالها الأبدي..