د. جمعة كندة كومى  هذا المقال بمناسبة اليوم العالمى للشعوب الاصيلة والذى يصادف 9 أغسطس كل عام. والمقال والذى يأتى فى جزءين. المقال قدم فى دار مجلس كيقا الذى اشتهر بدار النوبة يوم السبت 7 سبتمبر 2013.

فى الحلقة الاولى ركزنا على ماهية الشعوب الاصيلة، وموضوع الاحتفال لهذا العام واهم الخطابات التى وجهت الى الشعوب الاصيلة بهذه المناسبة. ووعدنا ان نتناول فى هذه الحلقة الثانية حقوق الشعوب الاصيلة والشراكات الداعمه لها، مغزى ومضمون الاحتفال لشعوب اصيلة التى لم يعترف بها بعد، بما فيها الشعوب الاصيلة فى السودان.

– حقوق الشعوب الاصيلة والشراكات الداعمة

في 13/9/2007 اعتمدت الجمعيه العامة للامم الامتحدة وثيقة ” اعلان حقوق الشعوب الاصيلة” والتي اعدته مجموعة عمل حول الشعوب الاصيلة. وتأتي هذه الخطوة لاحساس المجتمع الدولى بعدم استعداد العديد من الانظمة والدول في الاعتراف بحقوق شعوبها الاصيلة. واليوم يتم استخدام “الاعلان ” خاصة المادة 33 من الاعلان بواسطة العديد من الدول لتعريف شعوبها الاصيلة ولتحسين اوضاعها والاعتراف بحقوقها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والبيئية.

وتنص الماده 27 من الاعلان علي الاتي:

“تقوم الدول جنباً ال جنب مع الشعوب الاصيلة المعنية بوضع وتنفيذ عملية عادلة ومستقلة ومحايدة ومفتوحة وشفافة تمنح الشعوب الاصيلة الاعتراف الواجب بقوانينها وتقاليدها وعاداتها ونظمها الخاصة بحيازة الاراضي، وذلك اعترافاً واقراراً بحقوق الشعوب الاصيلة المتعلقة باراضيها واقاليمها ومواردها، بما في ذلك الاراضي والاقاليم والموارد التي كانت تمتلكها بصفة تقليدية او كانت تشغلها او تستخدمها بخلاف ذلك، وللشعوب الاصيلة الحق في ان  تشارك في هذه العملية “.

وفى دورتها رقم  181 قام المجلس التنفيذى لليونسكو باجازة وثيقة تقنية دولية لحماية ثقافات ولغات السكان الاصليين واللغات المهددة بالاندثار قسرا. واهم ما جاء فيها الاحكام الاتية:

(1) الحق فى الحصول على التعليم باللغة الام فى المدارس الحكومية عندما يعرب اعضاء الاقلية المعنية عن رغبتهم فى ذالك (2) الحق فى انشاء وادارة المدارس المخصصة للاقليات اللغوية (3) استخدام لغات الاقليات فى الاجراءات القضائية والادارية او اتاحة خدمة الترجمة الفورية، (4) عدم ممارسة التمييز لاسباب لغوية فيما يتصل بحق العمل والتعليم والمشاركة فى الحياة الثقافية و الحياة العامة،(5) حق الفرد فى صون لغته بوصفه شرطا فى المشاركة فى الحياة الثقافية، (6) الالتزام بعدم حرمان الاطفال من حقهم فى استخدام لغتهم.

هنالك عدة منظمات غير حكومية وهيئات دولية واقليمية تمثل وتدافع عن الشعوب الاصيلة، من خلال انشطة وبرامج تطل من خلالها الشعوب الاصيلة لتعبر عن وجودها ولحشد الدعم المعنوى والمادى والسياسى على المستوى الوطنى والدولى:

1) المنتدي الدائم للامم المتحدة لموضاعات الشعوب الاصيلة، 2) ألية خبراء الامم المتحدة حول حقوق الشعوب الاصيلة، 3) المفوضية الافريقية حول حقوق الانسان والشعوب، 4) مركز دراسات الشعوب الاصيلة، 5) اللجنة التنسيقية للشعوب الاصيلة في افريقيا، 6) مجموعة عمل الدولية لشؤون الشعوب الاصيلة.

ومن اجل تعزيز حقوق الشعوب الاصيلة قامت هذة المنظمات وغيرها من الهيئات والمؤسسات الاكاديمية بعمل شراكات مع الشعوب الاصيلة من خلال برامج خاصة فى مجال الثقافة واللغات، ومن اهم هذه الشراكات:

 

4. المغزى والمضمون لشعوب اصيلة التى لم يعترف بها بعد

انه امر غير مقبول البته ان تحتفل العديد من دول العالم فى جميع القارات بشعوبها الاصيلة، بينما ما تزال شعوبنا الاصيلة هنا فى السودان بلا اعتراف بحقوقها المضمنة فى المواثيق الدولية المذكورة اعلاه. يجب ان تعرف الشعوب الاصيلة فى السودان ان بداية الاعتراف يبدا بالشعوب الاصيلة نفسها، وذلك عندما تمارس وتعتز وتتمسك بلغاتها وثقافاتها وقيمها وهوياتها. ان مجرد الاحتفال بهذا اليوم هو الخطوة الاولى نحو الاعتراف بالذات، ويجب ان يعقب ذلك خطوات عملية لمطالبة الدولة  بالاعتراف بحقوق جميع الشعوب الاصيلة فى السودان.

بالرغم من عدم وجود اعتراف صريح من دولة السودان حتي الان  بشعوبها الاصيلة الإ ان ذلك ليس شرطاً لأهلية الشعوب الاصيلة في ان تكون اصيلة. اذ ان العملية تبدأ بالاعتراف الذاتي من الشعب المعنى نفسه، وهذا ما ظلت تعلنها الشعوب الاصيلة فى السودان منذ فترة ماقبل واثناء فترة  الاستعمار مروراً بفترة الاستقلال حتي يومنا هذا.

فعلى سبيل المثال،  فان المتتبع  للخطاب والفعل السياسي لشعب النوبة، يلاحظ ارتفاع وتيرة الاعتراف الذاتي للنوبة بانهم ضمن شعوب افريقيا الاصيلة .ولقد بدأ بعض اعضاء المجتمع  الدولى والمؤسسات المعنية بقضايا وحقوق الشعوب الاصيلة يتعاملون مع شعب النوبة باعتبارهم ضمن الشعوب الاصيلة في السودان. فعلي سبيل المثال لا الحصر فقد تم ادراج شعب النوبة ضمن الشعوب الاصيلة في موسوعة ويكيبيديا ذات الشهرة الواسعة رغم انها لاتحمل اي دلالات قانونية ملزمة لاية جهة. ويندرج النوبة ضمن الشعوب الاصيلة في قارة افريقيا في مجموعة الشعوب الاصيلة في شمال افريقيا وتضم القائمة الشعوب الآتية:

1- البربر او الامازيق في المغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر.

2- الدينكا في جنوب السودان .

3- النوير في جنوب السودان.

4 حراتين في المغرب وموريتانيا.

5- النوبة في جنوب كردفان السودان.

6- الشلك في جنوب السودان.

7- الطوارق في جنوب الجزائر وليبيا والمغرب.

8- النوبيون في السودان.

بالطبع هذه القائمة لاتعني ان الشعوب الاخرى (التي تعرَف نفسها ذاتياً – بانها شعوب اصيلة )  ليست شعوباً اصيلة، ولكن عليها ان تبذل مافي وسعها للتعريف بنفسها وانتزاع حق الاعتراف الدولى بها،  ووضع اسمها في قائمة الشعوب الاصيلة في مختلف المنظمات والمنتديات التي تعنى بالشعوب الاصيلة وحقوقها.

ونحن نحتفل باليوم العالمى للشعوب الاصيلة نلفت النظر الى حقيقة مهمة للغاية: إن تحسين حقوق الشعوب الاصيلة ليست عملية قانونية ولكنها عملية نضال سياسي وثقافى في الاساس. ولنزع حقوقها لابد للشعوب الاصيلة ان تمر بمراحل  عديدة من النضال السياسي والثقافى مستثمرة الظروف الدولية الايجابية بعد اعلان الامم المتحدة لحقوق الشعوب الاصيلة لعام 2007 والتي تشجع فيها “بتنظيم الشعوب الاصيلة نفسها من اجل تحسين اوضاعها علي المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.  ومن اجل وضع حد لجميع اشكال التمييز والقمع حيثما وجدت، واقتناعاً منها بان سيطرة الشعوب الاصيلة علي التطورات التي تمسها وتمس اراضيها واقاليمها ومواردها ستمكنها من الحفاظ علي مؤسساتها وثقافاتها وتقاليدها وتعززها، ومن تعزيز تنميتها وفقاً لتطلعاتها واحتياجاتها ” علي اعتبار ان جميع الشعوب تساهم في تنوع وثراء الحضارات والثقافات التي تشكل تراث الانسانية المشترك.

 

5. ختاماً، نتوجه بالتهاني لكل الشعوب الأصلية في السودان من اقصى الغرب حيث الفور الى اقصى الشرق حيث البجة ومن اقصى الشمال حيث النوبة الى اقصى الجنوب حيث نوبة الجبال والفونج وغيرهم. وتمتد تهانينا الى كل الشعوب الاصيلة فى كل دول العالم ونتمنى أن تتسارع عجلة التاريخ لتنال هذه الشعوب الأصيلة اعترافا بوجودها وحقوقها السياسية والثقافية والاقتصادية. ونأمل ان يشمل احتفال العام القادم كل الشعوب السودانية الاصيلة التى ما زالت تمارس وتعتز وتتمسك بلغاتها وثقافاتها وقيمها وهوياتها، رغم الاقصاء والتهميش وعدم الاعتراف باصالتنا وحقنا فى العيش بكرامة فى وطن جدود وجدود جدود جدود اجدادنا، بل بوجودنا فى الحياة بالاساس. وسيكون للاحتفال معنى ودلالات اعمق لو شاركت فيها كل شعوب السودان الاصيلة منها والتى اكتسبت حقها فى المواطنة بعد الشعوب الاصيلة. الدلالة الاكبر هى الاعتراف المتبادل بحقوقنا رغم التباين  فى لغاتنا وادياننا وثقافاتنا وتاريخنا البعيد.