تحقيق: صالح عمار (1 – 2) على بعد امتار قليلة من مقرن النيلين، وفي مواجهة المجلس الوطني بامدرمان يطلُّ المجلس الآخر المكمل له، والمقام علي مبنًى يحتل مساحة واسعة، ويعمل فيه عشرات المديرين والسكرتارية والموظفين والعمال، بجانب نوابه.

ومع ان المجلس يحتوي في واجهته علي لافتة ضخمه مكتوبٌ عليها (مجلس الولايات) يمرُّ عليها الكثيرون يوميا، إلا ان هذا التوضيح نفسه يزيد الامرُّ غموضا، والمحصلة النهائية ان المبني اقرب لمكاتب الاجهزة الامنية في الاذهان من ان يكون مجلسا شعبيا يمثل عامة الشعب، يألفونه ويألفهم.

ومع اني علي قناعة كصحفي ومتابع للشأن العام ان المجلس غير معروف للجميع تقريبا بمن فيهم المهتمون والعاملون في الشأن العام، قررت مع ذلك اجراء استطلاع حول المجلس وسط عينات عشوائية من المواطنين، والسؤال الاساسي: هل سمعت بمجلس الولايات؟

وكانت الاجابات جميعها كما توقعت : لم نسمع بمجلس الولايات. بعد وصولي للرقم عشرة من من التقيتهم، والتاكد من ان اللاءات ستتكرر اوقفت استطلاع المواطنين من الشارع، وحولت السؤال لشرائح علي احتكاك بالشان العام، وبينهم صحفيون واعضاء في احزاب ومجموعات سياسية.

وهنا بدأت الكفة ترجح اجابة : نعم سمعنا بمجلس الولايات، مع ان اعداداً معتبره اجابت ايضا بلا .. لم نسمع بمجلس الولايات. وعلي من قالوا انهم سمعوا بمجلس الولايات طرحتُّ عددا من الاسئلة :

1 – اين يقع مقره؟

 2 – متى تأسس ؟

 3 – كيف يتم اختيار اعضائه؟ وكم عددهم؟

 4 – هل تعرف اسم اي عضو من اعضائه؟

5 – هل تعرف اسم العضو الذي يمثل منطقتك الجغرافية؟

 6 – ماهي مهام المجلس؟

7 – كمواطن ماهي الخدمة التي تتخيل انه يقدمها لك؟

 

لا اعرف .. من ينوب عني !!

اكثر من 90 % تقريبا من الاجابات علي الاسئلة التي طرحتها (التغيير) كانت خاطئة او نافية للمعرفة، بل وكان بعضها ساخرا او موغلا للغاية في التشويش والابتعاد عن الحقيقة.

علي سبيل المثال، الصحفي بصحيفة (الايام) نصرالدين الطيب قال انه سمع فقط بمجلس الولايات واجاب علي كل الاسئلة الاخري بلا، فيما تقول الصحفية بصحيفة (النيلان) الالكترونية ريم عباس التي تقيم علي مسافة قريبة من مبني المجلس بامدرمان ان المجلس في امدرمان “ولكن دون جزم”. وقالت مروة الجاك من مركز جسر الشبابي ان مهام المجلس تتمثل في “الاشراف علي مكاتب المحليات والبلديات”، ومتابعة اداء مناديب الولايات القادمين للبرلمان.

وعن توقعاته لدور المجلس يقول ناجي موسي، “الغرض من انشائه  مشاركة اوسع للمجتمع في إتخاذ القرارات، و لكن للأسف هو مثل كثير من أليات أتخاذ القرارات في السودان مجرد ديكور ومناصب جعلت من أجل ترضيات سياسية”، ويتابع موسي :  “فيما ينحصر أتخاذ القرار لدى مجموعة صغيرة”.

فيما يمكن من اجابات البعض استخلاص ان عدم الالمام بدور المؤسسات الحكومية حالة لاتقتصر علي مجلس الولايات لوحده، وإنما تتعداه لكل المنظومة الحكومية، مع فقدان الثقة فيها. يسرا مهدي، وهي ضمن من استطلعتهم علي موقع فيسبوك نموذج لهذا الافتراض :بالجد عن نفسي لا اعرف كتير مما خلف ابواب هذه الحكومة الا بالصدفة، فهم لايشركونا في شئ حتي مايخصنا”، وتضيف يسرا : “مثلا ماهي مهمة اللجنة الشعبيه للحي؟..في كل مصيبة لا يساعدونا، فقط يستخرجون شهادات سكن… ياخ والله قصة غريبة”، وفقا لنص حديثها.

ليس بعيداً عن ذلك، يقول عبدالقادر سعيداي المقيم بالمملكة العربية السعودية غاضباً : “يا اخي هي الدولة كلها ما بتقدم شيء للمواطن، مجلس الولايات ان وجد يعني حيقدم شنو اذا الحكومة ما بترحم ولا رحمة ربنا تخليها تنزل”.

فيما يرد علي طاهر، وهو خريج جامعي قبل خمس سنوات من كلية العلوم بجامعة النيلين، علي سؤال توقعاته عما يمكن ان يقدمه له المجلس كمواطن بحزم : “لا اتوقع منه اي خدمة”.

والحال بلاشك موضع استغراب، لمجلس من الناحية النظرية يُمثل الشعب والجمهور بصفة مباشرة، ومسؤول عن حماية حقوقهم ومصالحهم، ولهذه الغاية يحتل مبنىً ضخما بكامل طاقمه الوظيفي واعضائه، وستة من رؤساء اللجان الذين يحتلون مرتبة الوزراء ويتساوون معهم في المكانة والمخصصات.

معلومات عامه عن المجلس

جاء تأسيس مجلس الولايات كتنفيذ لمقررات اتفاقية نيفاشا في العام 2005م، وهي استنساخ للنظام البرلماني الامريكي القائم علي مجلسي: الشيوخ والنواب، حيث يقابل مجلس الولايات السوداني مجلس الشيوخ الامريكي، فيما يتشابه المجلس الوطني مع مجلس النواب.

وتقوم فكرة مجلس الولايات في ظل النظام الفيدرالي علي محاولة العدالة بين كل الولايات وضمان الحفاظ علي مصالحها، ولهذا يتم تمثيل الولايات بالتساوي بواقع نائبين من كل ولاية.

وفي المقابل تقوم تركيبة المجلس الوطني علي الثقل العددي للولايات حسب تقسيم الدوائر الانتخابية المرتكز علي التعداد السكاني، وبهذا المعيار تتفوق ولايات مثل الخرطوم، جنوب دارفور، الجزيرة في اعداد دوائرها علي بقية الولايات بسبب ثقلها السكاني.

 وفي حديثه لـ (التغيير) يقول الامين العام لمجلس الولايات، علي جرقندي النعيم ان المجلس عندما نشأ في العام 2005م كان عدد اعضائه 50 عضوا يمثلون 25 ولاية، واثنين من المراقبين يمثلون منطقة ابيي، لم يحضروا للاوضاع المعروفه في المنطقه. وبعد انفصال الجنوب اصبح الاعضاء ممثلين لـ 17 ولاية.

ويتم الاختيار لعضوية المجلس، بفتح باب الترشيح لجميع الاحزاب السياسية عبر مفوضية الانتخابات القومية بكل ولاية، والكلية الانتخابية لانتخاب العضوين هي المجلس التشريعي الولائي، وهو وحده الذي يقوم بانتخاب العضوين باشراف مفوضية الانتخابات.

 وابرز صلاحيات المجلس المنصوص عليها في الدستور، وفقا لعلي جرقندي النعيم هي  ابتدار التشريعات حول نظام الحكم اللامركزي او اي تشريعات ذات مصلحه للولايات، ويجيزها المجلس باغلبية الثلثين.

وهو معني ايضا بالاقرار والمصادقة علي قضاة المحكمة الدستورية؛ وهذا الدور قام به اكثر من مرة، وايضا هناك لجنة مشتركة بين المجلس الوطني ومجلس الولايات لمناقشة القوانين التي تمس الولايات، ومن اشهر القوانين التي اجازها قانون “الغاء وانشاء ولايات بدارفور”. والمجلس ايضا معني بالتحكيم في شؤون المشورة الشعبية بولايتي النيل الازرق وجنوب كردفان.

ولكن لماذا يظل المجلس بعيداً عن الاعلام والجمهور؟

يشنُّ عضو مجلس تشريعي ولاية البحر الاحمر، حامد ادريس سليمان هجوما حاداً علي مجلس الولايات ويعتبر وجوده لهدف الارضاء السياسي، وخلق وظائف لقيادات المؤتمر الوطني.

ويعتقد سليمان ان المجلس لايتماشي مع فكر الحكومة الانقاذية، وتورطت فيه عبر اتفاقية نيفاشا، وبعد انتهاء الاتفاقية حولته لمجلس “لتوظيف من ضاقت بهم مواعين الوزارات، مع افراغه من الصلاحيات والمهام الحقيقية” ، حسب تعبيره.

ويقول النائب عن جبهة الشرق حامد ادريس سليمان، ان اختيار اعضاء المجلس يتم “بطريقة فوقيه ولايعبر عن قواعد حقيقية”، ويتساءل سليمان : “المجلس التشريعي نفسه الذي ينتخب الاعضاء : كيف تم اختياره؟ وهل يمثل الجماهير اساسا”.

فيما يرى رئيس لجنة السلام والتواصل الخارجي، ميرغني المزمل، في حديثه لـ (التغيير) ان المشاكل التي عانى منها السودان اقتضت ان يكون هناك نظام حكم لامركزي توزع فيه السلطة والثروه بين الجميع.

ووفقا لمزمل، وهو احد قيادات الرعيل الاول للحركة الاسلامية السودانية، فإن اهمية وجود المجلس تكمن في انه الحافظ “لمصالح الولايات وضمان نجاح الحكم الفيدرالي”.

وفي اجابته علي سؤال (التغيير) عن : لماذا لايجد المجلس المتابعة من الجمهور؟، يقول الامين العام لمجلس الولايات علي جرقندي النعيم، ان السلطات والاختصاصات الممنوحه للمجلس بالدستور الحالي “لا تقربه من المواطن”.

ويرى النعيم،  ان المجلس بشكله الماثل حاليا علاقته بالمواطن غير مباشرة عدا حالات قليلة مثل فض النزاعات والمصالحات، ويختلف في علاقته بالمواطن عن المجلس الوطني مثلا، ويضيف النعيم : “المواطن يلتصق بالجسم الذي له علاقه مباشرة بمصالحه وحيثما كانت له مصلحة مباشرة باي جسم فهو يهتم به والعكس صحيح”.