أبوذر علي الأمين يس رغم تطاول المدة والتوقعات المتصاعدة وردود الافعال على تنوعها لم يحدث أي تغيير على آخر حكومة أعلنها الرئيس البشير. بل المؤشرات الآن تدفع بقراءة أخرى!، بدلاً من أن يغير الرئيس البشير الاسماء الكبيرة والوزراء، يبدو أن المسار الآن يتجه للتخلص من الرئيس البشير نفسه، وأن هذا التخطيط قد قطع شوطاً معتبراً عنوانه الجديد هو رفع الدعم وبرضى الرئيس البشير ذاته.

ما يدعو للاستغراب هو أن رفع الدعم هذه المرة ليس المقصود به زيادة معاناة الشعب السوداني، بل توظيفه وبوتيرة عالية لبلوغ هدف ابعاد الرئيس البشير من الحكم في زمن وجيز لا يسمح لأي ترتيبات أو استدراكات أن تعوق ذلك الهدف الذي نضج على النار العالمية والاقليمية ولم يبق غير الحكومة والشعب السوداني وهو ما ستكمله خطة رفع الدعم. 

هناك أكثر من مؤشر يوضح أن رفع الدعم هذه المرة يمثل رأس الرمح لخطة ابعاد الرئيس بل وأكثر من ذلك كل الحلفاء الذين كان سيعتمد عليهم الرئيس في تغييره الذي لم ير النور بعد. ونلاحظ كذلك أن رفع الدعم كان خلفية اساسية لإعلان رئيس البرلمان احمد ابراهيم الطاهر الاستقالة عن منصبه وصاحب ذلك تكهنات قوية بأن القادم لرئاسة البرلمان هو علي عثمان محمد طه النائب الأول الحالي!!.

على عكس الاتهامات التي كانت تُكال لقوى المعارضة على تنوعها (سياسية ومسلحة) بأنها تستند على الاجنبي وتنفذ أجندته، وكان بالطبع أعلى صوت في هذا الصدد هو صوت نافع على نافع الرجل الذي صمت طويلا مؤخراً!!؟. أما الذي يجري الآن هو أن الذين يملكون زمام العلاقات الخارجية بعد أن ضمنوا التكتل الداخلي فيما بينهم سعوا وبنجاح لتهييج المناخ الاقليمي والدولي ضد الرئيس البشير. فابعادة من نيجيريا كان مؤشراً لم تبرز فيه بوضوح أدوار أطراف معارضة سودانية ولا أخرى دولية بل كان يبدو نيجيرياً خالصاً إلا من بعض دعم جاء كردة فعل مؤيدة للموقف والاجراء النيجيري. ثم تكررت وبقوة مع رحلة الرئيس لإيران التي أبرزت موقفاً سعودياً غير مسبوق أو معتاد، ولكن الذي كان يمسك بزمام الأمر ليس السلطات السعودية، بل أيدي داخلية أرادت ونجحت في افشال رحلة الرئيس وتصويره عالمياً بأنه غير مرغوب فيه ومن داخل حكومته ذاتها. وكان قرار الرئيس البشير الاخير والذي اشتهر بـ “ياعوض اقفل البلف” هو القشة التي حولت الرأي والموقف الدولي ضده وبقوة، ومن قتها انطلقت خطط الفرقاء القدامى والمتحالفون الجدد، لتوجه جل طاقاتها ضد الرئيس وتخطط لإبعاده وبعين مفتوحة نحو مآلات تنتهي عندها وحدها فقط ولها، وبعدها لكل حدث حديث أو تفاوض. ولكن كيف سيتم ابعاد الرئيس ومن وكيف سيأتي القادم الجديد؟.

استقالة رئيس البرلمان الطاهر وانتخاب أو تعيين علي عثمان مكانه تعني أن الرئيس إما تم اجباره على التنحي على أحسن الفروض. أو أن الذي سيحدث هو اختفاء الرئيس أو اغتياله. عندها سيستلم مقاليد الرئاسة لمدة ستين يوماً هو على عثمان رئيس البرلمان، وبصفته الرئيس المؤقت سيشرف على الانتخابات الرئاسية المفترضة بعد شهرين من اختفاء أو اغتيال الرئيس. ولكن أن تتخيلوا شكل تلك الانتخابات والنهايات التي ستنتهي إليها.

الواضح أن المجموعة المتحالفة ضد الرئيس قد اكتملت واضحت أهدافها واضحة وواحدة. أن السلطة لن تذهب لـ “بغاث الطير” بعد أكثر من عقدين وهم حداتها وقادتها. بل خطة رفع الدعم ستكون أرضية قوية ليس لابعاد الرئيس البشير، بل لتشويه صورة القوة السياسية التي يعول عليها الرئيس في دعمه عند ابعاد الحلفاء الجدد. لذلك ولأول مرة تشرع الحكومة ممثلة في وزارة المالية في لقاءات منفردة مع احزاب بعينها، يتم بعد تلك اللقاءات التلميح والترويج وحتى الاشاعة بأن هناك قبولاً كبيراً لإجراءت رفع الدعم من قبل هذه الاحزاب التي يهمل وبدرجة كبيرة موقفها المعلن. أو أن تكون هناك مواقف واتفاقات غير معلنة بين ممثلي وزارة المالية وتلك الاحزاب وهذا ما نستبعده. الخطة اذا تتضمن – ومع سبق الاصرار والترصد – ابعاد هذه الاحزاب بالتزامن مع ابعاد الرئيس كونها دعمت القرار الخطأ للرئيس البشير أو كما هو متوقع عندما تثور الجماهير ضد اجراءات رفع الدعم. فالخطة تقتضي ضرب الرئيس البشير وتحالفه بحيث لا يكون لهم أثر أثناء فترة الستين يوماً لرئيس البرلمان القادم الذي سيكون هو الرئيس المؤقت.

سيتم فتح الطريق أمام التجمعات الجماهيرية والتظاهرات، خاصة بعد التجربة التي اقامها حزب الامة بساحة مسجد الخليفة بأمدرمان والتي تشير مصادر مطلعة انها تمت باشراف الجهات الامنية بعد شد وجذب كان ضمن التخطيط لتلك الليلة، والتي ستكون واحدة من حجج السماح بالتجمعات أولاً ثم المظاهرات أخيراً بعد صدور قرارات رفع الدعم. بعدها بلوغ  النهاية والهدف المنشود.

هل سيسبق قرارات رفع الدعم تغيير رئيس البرلمان؟، ربما ولكن ذلك ليس ضمن توقعاتنا، لكنه لن يؤثر على أصل الخطة، خاصة وأن الاسلاميين جميعاً يعرفون أن رئيس البرلمان كان ومازال وسيظل على ارتباط عالٍ بعلي عثمان ومنذ أن كانوا طلاباً بالجامعة. وعلى ذلك لن تكون هناك مشكلة في تنفيذ الخطة وبلوغ أهدافها ببقاء الطاهر رئيساً للبرلمان. ومعلوم أن الطاهر أعلن في يونيو العام 2012م أنه يعتزم الاستقالة  من رئاسة البرلمان هو ونائباة ورؤساء اللجان، بحسب سودان تربيون 20 يونيو 2012م ” … قررنا في الهيئة النيابية للوطني أن نخلي مواقعنا طوعاً وأن نضعها أمام السلطة السياسية تقليلاً للمصروفات والاستفادة من قدرات آخرين بالمجلس”. ولكن كان التبرير الذي قدمه الطاهر لهذه الخطوة هو الاهم والاكثر دلالة وارتباطاً بقرارات رفع الدعم كونه كان قد برر  لذلك بـ “…ان الأوضاع الاقتصادية المتأزمة التى يعيشها السودان حاليا “رب ضارة نافعة” ، ومن شانها سد الباب امام المطالبات والضغوطات للمشاركة في السلطة من بعض الجهات من ما كان يشكل ضغطا على الدولة ومتخذى القرار … كثير من الجهات تريد أن تزيد من نصيبها في المشاركة دون النظر للآثار، فرب ضارة نافعة، بعد هذا لن نستجيب لأي طلبات للاستوزار” انتهي الاقتباس عن سودان تربيون.

الواضح اذاً أن الخطة تريد أن تستبعد البشير وتبقي على الحلفاء الجدد وتضمن وعلى خلفية الأزمة الاقتصادية مساحة الاستوزار محدودة وكرت جديد للمساومة السياسية خاصة وأن الخطة في نسختها الاخيرة ستستهدف قوى سياسية يعول عليها البشير في التغيير الذي لم ير النور بعد.

لقد خلف انقلاب قوش وود ابراهيم والذي انتهي بتبرئتهم واطلاق سراحهم الكثير من الغبار. ورغم ذلك ستجد أن الكل كان يعلم بأمر الانقلاب والكل لهم فيه يد بصورة أو أخرى. ولكن مهما يكن من أمر ذلك الانقلاب فالواضح أنه كان جزءاً من ترتيب يكتمل الان فالجيش بات منقسماً وكذلك الامن ومن الصعب التكهن بالطرف الاقوى خاصة بعد اطلاق سراح الجميع، بل الصورة ستكون في ذهنك كالتالي: انتصر الرئيس باجراءات الاعتقال والمحاكمة، ولكن لم يكن ذلك حاسماً فعاد مضطراً لاطلاق سراحهم والعفو عنهم.

الارض تمور وستلد لكم جديداً ولكن هل سيكون جديداً بذهاب البشير وبقاء بقية العقد الفريد أم بقاء البشير وذهاب كل العقد الفريد؟. الرؤية هنا مازالت صعبة وغبار الانقلاب الاخير لم ينقشع بعد وهناك موجة غبار أعنف اخرى ستنطلق مع اعلان قرارات رفع الدعم.