تحقيق : صالح عمار مبنىً ضخم في قلب العاصمة، وطاقم كامل من المديرين والموظفين والعمال الذين يساعدون 36 نائبا في اداء مهامهم، ورئيس للمجلس يتساوى مع شاغلي اعلي المناصب الدستورية، وستة من رؤساء اللجان بمرتبة الوزراء.

وميزانيات لتغطية نفقات هذا الحشد، ورتبهم الوظيفية، ومهامهم وسفرياتهم، تدفعها وزارة المالية للمجلس باعتباره ممثلا للشعب، والشعب لم يسمع بمجلسه ولايعرف ماذا يجري في دهاليزه.

تلك هي حكاية “مجلس الولايات” الذي تجولت (التغيير) بين ردهاته، علي امل ان تحل ولو القليل من شفرة الغموض.

العلاقة بين عضو المجلس وولايته .. النصوص غائبة

تتضح المزيد من الحقائق اذا تتبعنا كيفية تكوين المجلس من القاعدة، وطريقة انتخاب اعضائه.

عضو المجلس التشريعي لولاية البحر الاحمر حامد ادريس سليمان يقول انه حضر جلسة انتخاب ممثلي الولاية الاثنين بمجلس الولايات قبل ثلاثة اعوام، حيث تم انتخابهم خلال دقائق معدوده، عبر طرح اسمائهم من رئيس المجلس واستخدام الاغلبية المطلقه لحزب المؤتمر الوطني في المجلس لتمرير الترشيح، دون اي نقاش حول “اهليتهم ومراجعة سجل ادائهم وماقدموه من خدمات لانسان الولاية”، وفقا لتعبيره.

ويقول سليمان، انه منذ انتخاب العضوين قبل ثلاث سنوات لم يقوموا بتنوير المجلس التشريعي للبحر الاحمر الذي قام بانتخابهم، عن اداء مجلس الولايات “ومداولاته وما انجزوه لاهالي الولاية”.

واوضح سليمان ان ولايته لديها الكثير من القضايا التي تضررت فيها مصالحها من المركز، ويضرب مثلا لذلك قضية المياه التي تم الغاء مشروعها دون اي مبررات مقنعة، وقضية الملح والجبس والنزاع الدائر حولها بين الولاية والمركز، وقضية الغابات.

وبينما اقرَّ عدد من اعضاء مجلس الولايات في حديثهم لـ (التغيير) بأنه لاتوجد اي علاقة واضحة لهم بولاياتهم التي انتخبتهم، يقول رئيس لجنة السلام والتواصل الخارجي، ميرغني المزمل، ان العلاقة الدستورية بين الاعضاء وولاياتهم غير مقننة ولكنهم من “الناحية العملية علي التصاق بولاياتهم”.

ويوضح الامين العام للمجلس، علي جرقندي النعيم ، الامر بقوله : “الدستور لم يرسم علاقه بين عضو المجلس وولايته ولاحتي بالمجلس التشريعي الولائي الذي قام بانتخابه”، ويضيف النعيم ،  “لاتربط عضو مجلس الولايات اي علاقة قانونية بالمجلس التشريعي ولايرفع له اي تقارير، رغم انه يجوز للمجلس الولائي اعفاء عضو مجلس الولايات الذي قام بانتخابه”.

مشكلات من العيار الثقيل

يعتقد كثيرون من من استطلعتهم (التغيير) ان المجالس والوزارات باتت عبارة عن مؤسسات صورية، وعالةً علي الميزانية العامه، دون عائد يذكر.

ويمضي استاذ العلوم السياسية بجامعة الزعيم الازهري د.ادم محمد احمد في نفس الاتجاه، حيث يرى انه لاضرورة لوجود “مجلس الولايات في الدول الفقيرة التي تعيش ازمات اقتصادية مثل السودان “، ويعتقد ان مصالح المواطنين وحقوقهم يمكن تحقيقها عبر المجلس الوطني اذا “توفرت الشروط المناسبة ومن ضمنها ديمقراطية نظام الحكم”.

في الاتجاه الآخر، يؤكد رئيس اللجنة القانونية بمجلس الولايات عمر سليمان، وهو الوالي السابق لولاية جنوب كردفان، ان هناك اهمية قصوى لوجود المجلس ويقول : “اذا كنا قد اخترنا النظام الفيدرالي كنظام حكم فلابد من وجود المجلس”.

ويطرح منسوبو المجلس عددا من المشاكل التي تعوق اداءه، ومن ضمنها كما يقول المستشار القانوني لمجلس الولايات، طارق مجذوب، وجود جسم تنفيذي تتداخل اختصاصاته مع مجلس الولايات وهو (المجلس الاعلي للحكم اللامركزي).

ويرى مجذوب، ان هناك ازدواجية في الصلاحيات التنسيقية بين مجلسه، والمجلس الاعلي للحكم اللامركزي المنشأ بموجب مرسوم رئاسي، حيث يطرق هذا المجلس قضايا هي من اختصاصات مجلس الولايات، وهذا يؤدي “لاهدار الوقت والموارد، مع الاشارة الي ان امين المجلس برتبة وزير”، يقول مجذوب.

ويضرب المستشار القانوني لمجلس الولايات، طارق مجذوب، مثلا بمؤتمرين قام المجلس الاعلي للحكم اللامركزي بتنظيمهما وهما : “مؤتمر الاداء الفعلي للمحليات، ومؤتمر تطوير تجربة الحكم اللامركزي”، وهي مواضيع تدخل ضمن اهتمامات وانشطة مجلس الولايات.

ويقول مجذوب معلقا علي انشطة المجلس الاعلي للحكم اللامركزي، ان هناك احساسا بان قوة الدفع القديمهة التي كان “يتمتع بها ديوان الحكم الاتحادي ماتزال موجودة”، في إشارة لديوان الحكم الاتحادي الذين كان يتمتع بصلاحيات واسعة لسنين طويلة قبل اتفاق نيفاشا.

اما الامين العام للمجلس، علي جرقندي النعيم، فيحيل الامر لعدم وضوح النصوص المتعلقه بتكوين المجلس نفسه وصلاحياته: “بشكل عام اختصاصات المجلس يشوبها الغموض، وتقبل التأويل، وتحتمل اكثر من تفسير”، وفقا لتعبيره.

قيادات بالمجلس : حقوق الولايات ضائعة

يوجه رئيس لجنة السلام والتواصل الخارجي، ميرغني المزمل، انتقادات لعدم وضوح النصوص في عدد من المهام المتعلقة بمجلس الولايات.

ويضرب المزمل مثلاً لذلك بحقوق الولايات في المشاريع القومية الموجودة علي اراضيها، كمصانع السكر، التي ليس “للولايات نصيب واضح منها”.

 كما ان الولايات تتضرر من المركز في عدد من القضايا بينها النسيج الاجتماعي، الاراضي والعلاقة هنا غير واضحة وهي تهم مجلس الولايات “ولكن صلاحياته بخصوصها غير واضحه”، والحديث لمزمل.

كما ان حقوق الولايات في مالية المركز ونصيبها من الدخل القومي معدوم، وفيما عدا مفوضية تخصيص الايرادات فان حق مجلس الولايات في الرقابة المالية معدوم.

اضافة الي ان تقديم الولاة لتقاريرهم للمجلس ترك اختياريا وليس عليهم إلزام، والحديث لمزمل.

ويطرح الامين العام للمجلس، علي جرقندي النعيم، مشكلة ضعف الميزانية المخصصة للمجلس ويقول انها “تسير اعمال المجلس التقليدية، واعماله وانشطته الاخرى التي تقتضي لقاءات وسفر وغيرها بصعوبه”.

ولم يتسنَ لـ (التغيير) الحصول علي ميزانية تسيير المجلس المالية، رغم طلبها ذلك من ادارة المجلس (مع الإشارة لتعاونها وتسهيلها لمهمة هذا التحقيق، والوصول للمعلومات الاخرى).

ويرى النعيم ان الدولة اذا كانت تتبني النظام اللامركزي الفيدرالي فلابد ان تعيد النظر في وضعية هذا المجلس من حيث الاختصاصات الدستورية، ومن حيث “اعادة بناء علاقاته مع الاجهزه الاخرى، وخاصة المجلس الوطني”.

ويتفق ميرغني المزمل مع الراي الداعي لاعادة النظر في المجلس الوطني وهيكلته، ويبرر ذلك بوجود “مجلس تشريعي في كل ولايه بكامل هيكلته”، ويحمل مقترح المزمل بين اسطره دعوةً لتقليص صلاحيات المجلس الوطني.

اما عضو المجلس التشريعي لولاية البحر الاحمر والقيادي في جبهة الشرق، حامد ادريس سليمان، فهو لا يرى ان هناك املاً في اصلاح مجلس الولايات ولاغيره من المجالس والمؤسسات الحكومية، والحل عنده يكمن في معادلة ونظام جديد يحلُّ مكان النظام الحالي ويجنب السودان “خطورة الوصول لقاع الهاوية التي يسير اليها بخطى ثابته”، والحديث لسليمان.

تبقي ان نشير إلي ان اجل المجلس ينتهي في العام 2015م، ويتم انتخاب مجلس جديد بعد اجراء الانتخابات، وتشكيل المجالس الولائية.