فايز السليك في الطرفة سأل طفلٌ  شقيٌ  والده عن معاني  العديد من المصطلحات السياسية، التي ظل يسمعها، وهي بالنسبة له عبارة عن أشياء هلامية، فأراد الأب تقريب المعاني باسقاطها على الواقع، وبالمناسبة كثيراً؛ ما تضحكني عبارات السسياسيين مثل قولهم  (تنزيلها على أرض الواقع)، لكن ليتها لو لم تتنزل، وظلت (طايرة في السما، أو معلقة في الهواء، لكان حالنا أفضل).

المهم شرح الأب المصطلحات وسمى نفسه (الرأسمالية)، أما أم الطفل  فقد أطلق عليها ( الحكومة)، وبعض الناس يطلقون على الزوجة ( وزارة الداخلية)، أما الابن صاحب الأسئلة العصية، والملحة فقد كان نصيبه أن حمل  اسم (الشعب) ، فيما أخذ  أخاه  الصغير اسم (المستقبل)،  ونالت مديرة البيت صفة (الطبقة العاملة)، أو الشغيلة.

وفي المساء ظل الطفل الشقي يفكر في طريقة أبيه التي بسطت له تلك المصطلحات، وفجأة، ومن غير ما مقدمات ، قرر الابن القيام بجولة تفقدية داخل المنزل،  فسمع أخيه يبكي، بعد أن تبلل ، وامتلأت  (البامبرز) حتى فاض،   ووجد أمه غارقة في سبات عميق، فاستغرب لعدم وجود الأب، فبحث عنه ليجده في احضان مديرة المنزل، وما أن اصبح الصبح حتى جاء لوالده ، ليقول له (لقد عرفت يا أبي كل السياسة)، ابتسم الأب وطلب منه التوضيح أكثر فقال (بينما كانت الحكومة غائبة والشعب نائم، والمستقبل مهمل ، كانت الرأسمالية تعبث بالطبقة العاملة).

واليوم ها هي الإنقاذ تترك الحبل على الغارب لرأسماليتها الطفيلية، التي اشترت كل ممتلكات الدولة ومؤسساتها العامة، ودمرت كل المشاريع المنتجة كمشروع الجزيرة والرهد والقضارف، ولم تكتف الرأسمالية الإسلامية بذلك، بل احتكرت في أزمنة القطط السمان وسياسات (الخصخصة) كل الأنشطة التجارية بما في ذلك أسواق الدرداقات التي تحتكرها منظمة معارج التابعة لأحد أخوان عمر البشير، لتطارد له الشرطة والمحليات المضروبة الصبيان واليتامى، وتحظر عليهم شراء درداقات، وتفرض الشروط بالعمل في درداقات الأسرة الحاكمة، أو اثرياء الغفلة ؛ وإلا سيكون المصير هو الملاحقة والجلد والضرب والسجن والغرامة.

وها هي الطبقة العاملة، والمزارعون، والبسطاء يدفعون ثمن تلك السياسات، وتجتهد الإنقاذ كل يوم في التضييق عليهم، واذلالهم بفرض الأتاوات والضرائب والرسوم حتى على (حطب الطلح)، ليلهب سعير الأسعار تلك الفقراء والمهمشين، في وقت تنتفخ فيه أوداج القطط السمان، وتتورم من أكل مال السحت، وامتصاص عرق الفقراء .

الحكومة هنا ليست غائبة كما في الطرفة، لكنها متورطة حتى النخاع في العبث  بالسواد الأعظم من السودانيين،  ومتواطئة كامل التواطؤ مع رأسماليتها الطفيلية، وهي رأسمالية غير منتجة، بل تعتمد في جمع ثرواتها الكبيرة على الطرق غير المشروعة بدءاً من نهب المال العام، والرشاوي والسرقات و (الكوميشنات)، وحتى غسيل الأموال والمخدرات وتجارة السلاح، مروراً بالنشاط التجاري الذي يعتمد على الربح السريع، من عمليات الاستيراد والتركيز على السلع الاستهلاكية وتحول كل السودان إلى مستهلك، لا منتج .

وهنا نشير إلى الإحصائيات الرسمية مع شكوكنا حول دقتها؛ و كشف آخر مسح للفقر في عام 2009 قبل انفصال الجنوب، أن 46% من سكان الشمال تحت خط الفقر 57,6% من سكان الريف, وكانت وزارة الرعاية الاجتماعية اوردت ان هناك مليوني عائلة فقيرة في السودان بينها 300 الف عائلة معدمة ولاتجد قوت يومها ويتزامن المسح مع ازمة اقتصادية حيث توقع محللون اقتصاديون تزايد معدلات الفقر بشكل لافت في السودان.  ولم يستبعد الخبير الاقتصادي حسن ساتي تجاوز معدلات الفقر لحاجز 95% في العام 2013 بسبب تراجع الزراعة وزحف سكان الريف الى المدن وتوسع نطاق النزاعات المسلحة.

حقاً عبثت بنا الطفيلية بتواطؤ حكومة البشير، فيما نحن غائبون أو مغيبون عن الفعل، ونصرخ، لكن دون أن يخرج صراخنا إلى الهواء الطلق، بل يظل صراخاً متكوماً، أما مستقبلنا، فهو  مظلم بعد هجرة الكفاءات ونزيف العقول المستمر . هي الإنقاذ،  وهل من  حكومة عبر تاريخنا أكثر فساداً منها ؟!، وهل من نظام طائش، لا مبالي، مثل نظام البشير ؟!.