·         الحكومة اعتدت على موارد القطاع المصرفي واستحوذت على 35% ·         90% نسبة الفقر في البلاد و70% نسبة العطالة ·         الحكومة لا تدعم المحروقات بل حققت ارباحا قدرت في الميزانية بـ 5 مليارات جنيه

  • ·         الحكومة تفتقر للرؤية والارادة السياسية والسند الشعبي لهكذا اجراءات
  • ·         وزير الخارجية يعترف ان السودان استوفى معايير الدول الفقيرة جدا

 

 

مقدمة : اشتغلت الساحة السياسية والاقتصادية مؤخرا بجدل مثير حول قرارات رفع الدعم عن المحروقات.. ولان الشارع ما عاد يحتمل المزيد من الزيادات التي باتت لا تستأذن احداً في الاعلان عن نفسها اعتبارا من فئات النقل التي زادت في الظروف العاديةبنسبة  25% وفي اوقات الذروة الى 50%  وليس انتهاء باسعار الأدوية حيث غابت الرقابة تماما تعبيرا عن رفع الدعم عن الادوية الذي اكتمل دون ضجة رغم الأنين, كان لا بد لنا والحال هكذا ان نجلس الى خبراء الاقتصاد لتحليل الموقف فكانت محطتنا مع الخبير الاقتصادي والمصرفي الاستاذ حسن ساتي فالي حيثيات الحوار:

* كيف تشخص الوضع الاقتصادي اليوم حيث لا بديل اقتصادي سوى زيادة اسعار مشتقات البترول؟

** الاقتصاد السوداني اليوم يعاني من ازمة حادة جدا وعميقة جدا وقد طالت كافة القطاعات الاقتصادية والاجتماعية وبلغت ذروتها في الميزانية العامة للعام 2013 ويحاول وزير المالية ان ينقذها من الانهيار, والسياسات التي تتبناها الحكومة لمعالجة ازماتها هي معالجات جزئية تتعلق فقط بسد عجز الميزانية وليست مصوبة للمعالجات الكلية واجتثاث الازمة من جذورها وستكون نتيجتها الحتمية مزيداً من التدهور للاقتصاد السوداني ومزيداً من التضخم وارتفاع الاسعار ومزيداً من البطالة والمزيد من الفقر والفقراء وسيعاني المواطنون من مثل هذه المعالجات الجزئية، واليوم معالجة ازمة الاقتصاد السوداني اكبر من الحكومة التي اوصلت الناس بعد عقدين من الزمان الى طريق مسدود وهي للاسف لا تملك الآن أي رؤية للخروج من هذه الازمة فالحكومة وسياساتها سبب رئيس لهذه الازمة واستفحالها لدرجة تهديد الامن الاجتماعي.

* توالت ازمات كثيرة على الاقتصاد ما طبيعة هذه الازمة؟

** هي من اخطر انواع الازمات فالركود التصخمي علاجه صعب جدا ويحتاج الى موارد مالية كبيرة وارادة سياسة قوية جدا ومسنودة شعبيا أي ان يكون الشعب مقتنعا بهذه السياسات ولديه القناعة بمصداقية الحكومة وشفافيتها في مثل هذه المعالجات وهذا ما تفتقر اليه الحكومة اليوم.. فسياساتها ضعيفة وارادتها ضعيفة ومبرراتها ضعيفة.. والميزانية نفسها منذ اجازتها كانت تعاني من خلل كبير جدا حيث لا تغطي الايرادات سوى 50% من المصروفات الجارية وهذا يعني: لا توجد موارد اضافية للتنمية.. وسابقا كانت الحكومة تغطي عجز الميزانية من القروض والاستثمارات والصكوك المحلية مثل شهامة وبهذا فقد اعتدت الدولة حتى على موارد النظام المصرفي وتجاوز حجم الاعتداء 35% والآن مثل هذه الموارد غير موجودة فلا استثمارات ولا قروض حيث احجم المستثمرون بسبب التدهور الاقتصادي والركود التضخمي والاضطرابات الامنية والسياسية.

* رغم ان السودان ليست لديه مواقف سياسية مناوئة للمجتمع الدولي حتى تمنع منه القروض؟

** السودان فشل في تسديد القروض  التي منحت له بل واصبح يطالب المجتمع الدولي باعفائه من الديون ومثل هذه الخطوة من شأنها ان تعرقل منح المزيد من القروض الجديدة فماذا ستكون نظرة العالم الى السودان ووزير الخارجية يخاطب المجتمع الدولي مطالبا اعفاءه من الديون لانه استوفى شروط الدولة الفقيرة جدا ونحن اليوم فعلا افقر دولة في افريقيا وافشل دولة وافسد دولة..

* اذن الحكومة حجمت التنمية وعرقلت الدعم المصرفي لها؟

** الموارد الضخمة التي توفرت للحكومة من خلال التدفقات البترولية لم توظف للتنمية ولا لتأهيل المشروعات ولا لانشاء مشروعات جديدة بل ان القطاع المصرفي الذي كان عليه حسب سياسات بنك السودان ان يوظف 70% للاستثمار في  القطاع الزراعي  والقطاعات الاستراتيجية غير ان ما ناله القطاع الزراعي والصناعي لا يتعدى 20% من جملة اعتمادات المصارف.. وبسبب ضعف التمويل توقفت الزراعة واغلقت المصانع ابوابها.. فالحكومة لم تولِ اي اهتمام للتنمية بل صرفت اكثر من 75% من الميزانية على الاجهزة السيادية والامنية والشرطية والدفاع وما تبقى يوزع على ما  تبقى من مسؤوليات الدولة فخدمات التعليم والصحة لا تنال اكثر من 5% والسودان في ثمانينيات القرن الماضي كان يصرف على التعليم 15% من الميزانية.. والان لا هم لهم سوى سحب اموال من الاقتصاد لسد عجز الميزانية التي تصرف على اجهزة وهياكل النظام  السياسية والسيادية والان الاقتصاد مرشح للمزيد من الانهيار والتدهور..

* اين مشروعات  النهضة الزراعية حيث انفقت اموال طائلة عليها بحكم رعاية النائب الاول لها؟

** لا توجد نهضة زراعية اطلاقا ولو كانت موجودة لما استوردنا غذاء بـ 3 مليارات دولار وكان من الممكن انتاجها محليا بل وتصدير الفوائض.. النهضة الزراعية عاجزة عن فتح قنوات الري ولنا ان نتساءل اين تذهب الاموال الضخمة التي تنفق على خطط النهضة الزراعية؟ وحصاد النهضة الزراعية في الجزيرة الان ان المزارعين يفقدون محاصيلهم اما عطشا او غرقا وكل المصانع المرتبطة بالزراعة متوقفة لارتفاع تكاليف العملية الزراعية..

* وماذا عن اجراءات الحكومة المرتقبة برفع الدعم عن المحروقات؟

** اولا لا يوجد دعم هذا تضليل للرأي العام ومحاولة لتبرير زيادة الاسعار فميزانية 2013م تتحدث عن ارباح البترول بما يزيد عن 5 مليارات جنيه فمشتقات البترول ساهمت في الميزانية بهذا المبلغ كيف تكون مدعومة.. انها محاولة لزيادة الاسعار وهذا لا يحل المشكلة.. فالازمة اكبر من هذه الاجراءات.. الحكومة العاجزة تنتج ميزانية عاجزة والحكومة المأزومة تنتج ميزانية مأزومة.. والوضع السياسي المضطرب ينتج ميزانية مضطربة.. وهذا هو حالنا الان للاسف ولا سبيل لاجتثاث الازمة من جذورها في ظل النظام السياسي السائد الان بل ومستحيل ايضا وفي اعتقادي ان أي اصلاح اقتصادي يتطلب  اصلاحاً سياسياً وعنوانه ذهاب هذا النظام وسياساته وافكاره وممارساته.. فوجود النظام سيقودنا الى تدهور اكثر سياسيا واقتصاديا وستنفجر الاوضاع اكثر..

* ما الاثار المترتبة على استمرار الوضعية الاقتصادية الحالية؟

** اثار مدمرة وبشعة.. فنسبة الفقر الان تقترب من 90% فدخول الناس تضاءلت جدا وبالحساب الدخل القومي في 2010م كان 160مليار جنيه ومع وجود البترول وهو الان اقل بعد فقدان الجنوب والبترول وهناك تقديرات باحتكار هذه الثروة في يد 10% من الناس حيث يستحوذون على 80% فيما تتوزع الـ20% على 90% من الناس!!

* الحكومة قدمت الميزانية باعتبارها جسر العبور من صدمة الانفصال بعد ان تجاوزنا ذلك في العام 2012م؟

** نحن لم نعبر بعد.. فلا زلنا نعاني من صدمة الانفصال.. والحكومة لم تستعد لهذا اليوم الاسود وهي تعلم انها مقبلة على انفصال بتاريخ التاسع من يوليو فهي لم تستعد لفقدان هذا المورد الهائل الذي يساوي90% من الصادرات و66% من ايرادات الميزانية ولم تستغل الحكومة الموارد البترولية الضخمة في التنمية وقد تجاوزت اكثر من مائة مليار دولار بما فيها تحويلات المغتربين والمشروعات الاستثمارية غير انها لم تستثمر في الاقتصاد بل في سلع استهلاكية مستوردة من الخارج ولسد العجز في المصروفات الجارية والدليل على ذلك انه في العام 1999م كانت قيمة كل السلع ا لمستوردة 1,5مليار دولار.. وصادراتنا البترولية على قلتها غطت الفجوة التجارية وبلغت السلع المستوردة في السنوات الاخيرة 10مليارات دولار وكان البترول حاضرا لتغطية العجز وبعد ان فقدنا البترول والمستثمرين والمقرضين اصبح الميزان التجاري مكشوفا..

* اين خطط الحكومة التنموية خلال هذه الفترة؟

** كان للحكومة خطة خمسية اعقبت خطة عشرية (انتهت في العام 2003) وكان للخطة  الخمسية اهداف كمية وتوفرت لها موارد لم تتوفر للخطة العشرية بل وكانت كفيلة بتنفيذها غير انها فشلت، بل ان الحكومة بددت مواردها ولم تحافظ الحكومة على  الوضع الاقتصادي الذي كان سائدا قبل الخطة.. بمعنى ان الوضع الاقتصادي اصبح اسوأ من ما كان قبل الخطة.. حددت الخطة انتاج 2مليون طن من السكر و2مليون طن من القمح وفائض من الذرة والدخن باكثر من 7ملايين طن للتصدير وان تكون صادراتنا غير البترولية 4 مليارات دولار وبنهاية الخطة انخفض انتاجنا من السكر من 750 الف طن الي اقل من 500 الف طن أي بنسبة 30% وجملة صادراتنا غير البترولية لم تتجاوز 500 مليون دولار أي حققنا فقط 12% تقريبا من الهدف المخطط له! وهددت السياسات الحكومية الامن الغذائي القومي اذ ان فاتورة الغذاء كانت في العام 2000 حوالي 270مليون دولار ارتفعت في السنوات الاخيرة الي 3 مليارات دولار والسبب ان الحكومة لم تستثمر في الزراعة فالمشاريع الكبرى انهارت وانتاجيتها تدنت لادنى مستوى يمكن تخيله فانتاج الجزيرة وصل الي 25% من انتاجيته في التسعينيات من القرن العشرين كما تعطلت المصانع وتوقفت عن العمل فهناك اكثر من 60% من المصانع متوقفة عن العمل وما تبقى تعمل بطاقة  انتاجية تعمل بـ 30% حسب تقرير رسمي ولهذا نحن نستورد حتى الالبان والاجبان واللبن المجفف والبسكويت وزيوت الطعام وهذه كارثة حيث كان السودان من الدول المصدرة للزيوت وللحبوب الزيتية.

* هذه صورة قاتمة للاقتصاد وهياكله كيف تسير الامور اذن؟

** حدث تطور لم يكن في الحسبان بل ولم يكن ضمن برامج الخطة الخمسية ولم يكن للدولة يد فيه وذلك التطور هو انتشار التعدين الاهلي للذهب حيث انطلق عشرات الآلاف ينقبون عن الذهب ساهموا في توفير ملياري دولار للميزانية وذلك عبر مجهود شعبي صرف وهو رقم غير متوقع والذهب موجود في كل مكان في السودان ولو توفر الامن لتمكن التعدين الاهلي فقط ان يضخ اكثر من عشرة مليارات دولار ولكن هل يمكن للحكومة ان توفر هذا الامن المفقود..!

* الحكومة تبذل مساع من اجل انقاذ الميزانية والاصلاح الاقتصادي؟

** هم الان لا يستطيعون القيام باية معالجات اقتصادية ولإصلاح الاقتصاد السوداني واعادته لمساره الصحيح نحتاج الي رؤية جديدة وبرنامج يركز على الانتاج والانتاجية ويحرك القطاعات الانتاجية الكبيرة في الاقتصاد مع الاستخدام والتوظيف السليم لكل الموارد المتاحة في البلاد بما في ذلك موارد القطاع الخاص والمصرفي وموارد الميزانية وخاصة في القطاع الزراعي والحيواني والصناعي وفي مجال البحوث الزراعية لرفع الانتاجية وهذا كله لا بد ان يكون وفق ادارة حسنة للاقتصاد..

* اذن يجب ان تذهب الميزانية التنموية الى المناطق المهمشة والريف حيث مناطق الانتاج الحقيقي؟

** المهم هو الاستثمار في مشروعات منتجة وحقيقية مرتبطة بالناس وبالاقتصاد والتنمية من اجل تحريك الاقتصاد في أي منطقة في السودان وبعدالة تزيل الغبن السياسي وخاصة في المجال الزراعي والحيواني والذهب وغيره بل وتأهيل المشاريع الكبيرة مثل الجزيرة والرهد ومشاريع النيل الابيض والسوكي وتنمية القطاع المطري وتحريك المصانع المغلقة وهي تبلغ اكثر من 60%.

* ما الاسباب الحقيقية لاغلاق هذه المصانع لابوابها وتشريد العاملين؟

** تكاليف الانتاج.. ليس المدخلات وما يفرض عليها من ضرائب فحسب بل تكلفة الطاقة نفسها فالكهرباء اسعارها مرتفعة والوقود فالمحروقات التي يتحدثون عنها الان لزيادة اسعارها عندما نقارنها مثلا بمصر نجد ان سعر برميل الجازولين يعادل خمسين جنيها سودانيا فقط في حين سعره في الخرطوم اكثر من 370 جنيها وفي دارفور سعره يتجاوز الف جنيه ولهذا فانتاجنا لا يمكنه اطلاقا منافسة المنتج المصري ولو داخل الاسواق السودانية ولهذا فنحن نستورد من مصر الحلويات والشعيرية والمكرونة والمربى والزيوت  والصابون دون منافسة تذكر للمنتج المحلي بل مصانعنا مغلقة فاسحة المجال للآخرين للفوز بالسوق السوداني بالتزكية!. وللاسف الشديد الحكومة ليس لها ارادة سياسية للخروج من هذا النفق وتفكيرها لا يذهب ابعد من محاولة انقاذ الميزانية.

* الا يمكن للحكومة ان تتدبر امرها الى حين الميزانية الجديدة فتدعم ما تريد ان تدعم وترفع ما تريد ان ترفع الدعم عنه؟

** هذا ايضا يعتمد على الشعب والشارع فهو الذي يحدد ان تمضي الحكومة في هذا المشروع ام تتراجع ولكن في حال تطبيقه فلن يكون ذلك حلا بل مزيدا من التدهور الاقتصادي وتزايد نسبة العطالة والفقر والفقراء فنسبة البطالة 70% ومعظمهم شباب.. هذه الاجراءات ربما تحرك الشارع وتقود الي تغيير سلمي للاوضاع السياسية ربما.. واذا ارادت الحكومة فعلا تغيير الاوضاع الاقتصادية عليها ان ترحل بهدوء وتسلم البلاد الي حكومة قومية انتقالية وهذا افضل سيناريو مع التأكيد على اعادة الاموال المنهوبة والتي تقدر باكثر من 50 مليار دولار وتوفير الثقة وسط المغتربين لتدوير اموالهم في العملية الاقتصادية عبر النوافذ الرسمية.

* الحكومة تتحدث في اصلاحاتها عن ترشيد سياسات شراء الذهب فهناك من يتحدث عن شراء الحكومة للذهب باسعار اعلى للحصول على الدولار؟

نحن نخشى اكثر على تضييق الحكومة على المعدنين من الاهالي او ما يسمى التعدين الاهلي وهذا يساهم باكثر من ملياري دولار في الميزانية ولا ندري اين يذهب انتاج شركات التعدين بما تملك من آليات واستكشافات ومناطق امتياز واسعة جدا وانتاجها لا يكاد يذكر في الميزانية..