معاوية محمد نور الوقت ليل . والكون ساج نائم. فما تسمع نأمة ولا ترى حركة، ولا تحس سوى الركود والإغفاء، والسكون الشامل، والظلام الصافي، والهدأة الناعسة .

ولقد تحس الحين بعد الحين حركة ضئيلة أو تسمع صوتا خافتا فيزداد إحساسك بذلك الصمت ويشتد تقديرك لذلك السكون، ويأخذك ذلك السحر، وتستولي على نفسك تلك الهدأة ويغمرك ذلك الصفاء. فتروح في عالم الأحلام والذكريات وتدلف إلى عوالم الفكر والعواطف المشجيات. وقد خيل إلي أن الحياة قد وقفت فجأة ، وأن الوجود قد أخلد إلى نومة هادئة ، ويعديني ذلك الشجو والسهوم فلا أستطيع أنا الآخر حركة أو قياما ، أظل أتبع حركة الماء الدافق أمامي حينا ، وحركة ما يجري في خواطري وأحاسيسي حينا آخر ، وأنا جالس على أحد المقاعد على ضفاف النيل الأزرق في مدينة الخرطوم، والنيل ينساب في مشيته هادئا كأنه صفحة المرآة المجلوة وعلى يميني في النهر بضع سفن بخارية وأمامي الخرطوم بحري وجزيرة توتي وعلى شمالي مدينة أمدرمان،  يخيم عليها الصمت ويكسوها ثوب رقيق ، ويخيل إلي أن ذلك الشجر الحاني بعضه على بعض والذي يظلل شارع الشاطئ ، وذلك النهر الهادئ بما فيه من قنطرة وأمامه من مدينة وجزيرة وما فوقه من سماء تحسبها لشدة زرقتها وانكفائها على حدود النيل أن السماء نيل وأن النيل سماء ، وأن الكل صورة يمكن أخذها ووضعها في إطار للتأمل فيها واستلهام الوحي منها ! ..

 

وخطرت سفينة من تلك السفن المرصوصة ، فحسبت لأول وهلة أنها لاشك طامسة أثر ذلك الجمال ، عابثة بذلك الهدوء الصامت متلفة لتلك الصورة الرائعة ، ولكنها لم تصنع شيئا من ذلك بل أعطت الصورة لونا ، وزادتها حياة وبشرا ، وما يخيل للرائي أنها سفينة تعبر نهرا ، وإنما كأنها قلم يرسم خطا على صفحة أو كأنها شهاب يشق عنان السماء في إتئاد وسرعة ! عجبا لمنظر النيل ليلا ! .. ليس بعده جمال ولا جلال ، وما يفوقه منظر من ما رأيت سحرا وروعة ، وما تستجيش الخواطر ولا يصفو الذهن ولا يتألف الفكر ولا تكثر الذكريات وتغمر النفس فيضا وحنينا مثلما تفيض النفس في حضرة النيل ، ويحن القلب ، ويحلو في كل ذلك الشجو والحنين .


ظللت الساعات وأنا مأخوذ بسحر ذلك المنظر ، في شبه صلاة روحية ، وخشوع فكري ، وجلالة تغمر النفس ، وتخلع على الحياة شعرا ، وتحيطها بالأطياف والأرواح ، وتملأها بأسرار النفوس وخفاياها ! وبالقدرة منظر كمنظر النيل على ابتعاث روافدها وزخر جميع تياراتها من حنين إلى المجهول، وشجو إلى الماضي ، وتطلع إلى المستقبل المنظور! 


لم يظهر لي النيل في تلك الليلة كالشيئ السائل المائي ، وإنما هو بالتماسك أشبه وإلى مادة كالزئبق أقرب فما تشهد شيئا من العنف أو من الإندفاق الظاهر ، وإنما تشاهد العمق البعيد متشحا بثوب الهدوء والسطحية البارزة وتشاهد العدو السريع ولا تلمح شيئا من آثاره ومظاهره، ولقد تسمع الوسوسة من حين لآخر بين نباتات المياه كأنما أشتدت بها الوحشة ، وكثر عليها الصمت والسكون! ولكن العالم غاف ، وللعالم حرمة عندها، فتنطلق في صوت خافت، وتهمس بدلا من أن تفصح ويعود الماء إلى سكونه ووحشته الجميلة والعين لا تفتأ تنظر إليه ولا تتعب من ذلك ولا تحس إعياءً ولا فتورا . ولقد يقع حجر في النهر وسط ذلك السكون فيكون للصوت الذي يحدثه موسيقية لا تعثر عليها عند أعاظم أرباب الموسيقى والفنون ! وأسأل أحيانا، من أين يا ترى تأتي هذه المياه وإلى أين هي ذاهبة؟ أهي لا تفتر من هذه الحركة الدائمة والدائرة التي تنتهي لتبتديء وتبتديء لتنتهي . إلى أين أيتها المياه ومن أين ؟ ألا تفترين ؟ ألا تسخطين ؟ ألا تنتابك عوامل الضجر والسأم؟ فألمحها تسخر بي وتشفق علي، وعلى شفتيها إبتسام، وفي نفسها مرارة وهي تهمس خوفا من أن تسمع ( هكذا، هكذا ، لقد نفذ القضاء ، أليس من الحماقة والضيق التأفف من ما لابد منه ولا محيد عنه ، ونحن أبناء الحياة ولا شيء هنالك غيرها ، أليس من الخير أن نتحملها ونكون عند ظنها ولا نفتر عنها ؟ بل نحياها في أناة ورضاء وابتسام وادع مرير ، ذلك أحجى وأحكم لو كنتم تعلمون).

 

وكذلك تذهب المياه معززة حديثها بالإبتئاس والإصطخاب، ونسيانها للشعور بالنفس ، وهزئها بشعور الملال والإعياء! والماء في جريه ووسوسته الدائمة يتخطى المدن والبلدان راكضا وادعا ، يمثل فلسفة الحياة وكيف يجب أن يكون إحتمالها والتغلب على شعور الملال ودواعي الإعياء والسخط.


ويأتي النيل الأبيض من الناحية الأخرى وهو أكثر زبدا وصخبا من النيل الأزرق ، قد ترى موجه المزبد وآذيه المصطفق يتكسر في عنف وشدة على الشاطئ حتى إذا ألتقى بالنيل الأزرق عند الخرطوم شد من أزره وأخذ يساعده وتكاتف الإثنان معا في مرحلة الحياة التي ليس لها أول ولا آخر ، وهكذا يسيران وقد صارا نيلا واحدا وقلت وحشتهما وزاد أنسهما ، فتلمح نجواهما وشعورهما بالرضاء الوادع ، والحكمة الهادئة ، وهما يندلفان في سير سريع ما سار الزمن وبقيت الحياة .. !


وهذا الجمال ما شأنه ؟ هذا الجمال الساهي الوادع الذي تستمرئه النفس لأول نظرة ويفرح له اللب ، وتجزل الروح ، ماله يميل بذهني إلى خواطر محزونة ، وصور مشجية ؟


هذه السفن التي تنبسط أمامي أجلها في خوف ولعل السبب موت خال لي غريقا في سفينة بخارية في النيل الأزرق . و (( توتي)) منبسطة هي الأخرى أمامي ، مالها تثير في نفسي شجوا حزينا ، وما لشجوها الكئيب الذي لم يبق له إلا أن يدمع ، وما هذه الوحشة المخيفة ، وما لرمالها الناصعة تبعث في نفسي شعور الأسى والذكريات الأليمة ؟ وإنني لأذكر توتي وأذكر أياما لي بها ، وأذكر زرعها وأذكر مجدها ، و أذكر تلك الخضرة ملء العين والبصر نهارا ، وهي الجلال والأطياف والخوف ليلا . وأذكر – ويا لشدة ما أذكر – أذكر أبي وأذكر بيت أبي ، أذكر ذلك البيت القائم وسط الزرع وحيدا لا أخ له ، كالشارة الموسومة وسط ذلك الزرع الحافل ! . أين كل ذلك اليوم ؟ لقد مات أبي واضمحل الزرع وتهدم البيت وما بقي منه سوى الجدران والتراب ، وصار مأوى حيوانات ضارية ، تسكنه الهوام ويعمره الخراب الماثل للعيان .


وهذا الشارع الجميل المنسق على ضفاف النيل الأزرق ماذا يترك في نفسي من إحساس ؟ لا تزال صورته التي رأيتها وأنا طفل بأمدرمان مرسومة أمام ناظري وهي صورة فيها من الحنين والشوق والقدم ما لا سبيل إلى وصفه . على أن ما يعني العالم بخواطر حالم مثلي ؟ وهؤلاء بعض الناس يتحدثون في شغب وقد خرجوا من دور السينما ، وربما كانت هنالك حفلة راقصة ! وفي البحر حيتان ، وفي الشجر أطيار نائمة ، وغير هؤلاء وأولئك من أعمال متباينة ، وحالات مختلفة . ماذا يعني كل هذا التناقض سوى طريق الحياة وشمولها وعدم معرفتها للسهولة ، بل هي الشدة وهي القوة الغازية ! تلك هي أمدرمان وادعة نائمة ، ومن يدري ما بداخلها من المتناقضات ومختلف مظاهر الحركة والسكون ، وشتى مظاهر العاطفة والشجون ! وإنني لأذكر النيل الأبيض وسفرتي فيه وأنا ما زلت صبيا حدثا ، كيف نسيت نفسي في مرح وبساطة وأنا على السفين ! كلها ذكريات قوية واضحة ، تتسلل إلى ذاكرتي من حيث لا أشعر أنني في حاجة إلى (بروست) آخر ليصف كل ما يجري في وعيي المستتر في تلك اللحظة من الزمان . إنها لتملأ مجلدا ضخما ولا تفنى ! وإنني لأذكر ليالي المدرسة ، وسماعي لذلك البوري الذي يهز كياني هزا ، ويلعج نفسي ويذكرها بمن مات من أهلي وأحبابي ! ولا أدري أي علاقة لذلك الصوت وتلك الذكريات المحزونة ، فلربما لأن خالي كان ضابطا ، وأن ذلك البوري يضرب لعشاء الضابط ، وخالي قد مات ! . وأنظر إلى يميني فأذكر ضواحي الخرطوم وأذكر بري بنوع خاص ، لا أذكر بري اليوم وإنما أذكر بري التي لم أرها بل سمعت عنها،  وأصغيت إلى أناشيد الفتيات وأغانيهن في مدحها ( بري الطراوة والزول حلاوة ) إن ذكر هذه الجملة ليمثل أمامي صورا من الماضي قوية ، حية كأشد ما تكون حياة وقوة ! يا لصور الماضي ويا لشجوه وحنينه ! أذكر شوقي إلى الماضي ، وأذكر حنيني إلى المجهول ، وأذكر شعور الإغتباط والجمال الفني الذي أشرف عليه عند مشاهدتي النيل في تلك الليلة ، فأقول يا للعجب ! أتراني أود أن أعيش الماضي والحاضر والمستقبل في ساعة واحدة ! يا لنهم الحياة ، وطبع الإنسان ، وعطش العواطف !


فأنا الآن أذكر كل هذا ، أذكر الليلة القمراء بأمدرمان وأنا صبي ألعب ، وأذكر مكاني من الخرطوم وجمالها الساهي ، وصفائها الصامت ، ورونقها وأحلامها وصمتها وما يحيط بها من ضوضاء ، وما يتصل باسمها من أسماء تاريخية ، وهالات وحروب ، وأذكر الحيتان في قعر النيل ، وأذكر الشجر في وقفته الكئيبة ، ووحشته الدامعة ، وأذكر عوالم أخرى شهدتها أو قرأت عنها .. وأذكر أبي وأذكر أختي التي فارقت هذه الحياة ، وأذكر هؤلاء الراقصين القاصفين ، وأذكر الجمال الماثل لعيني ، وأذكر غير هؤلاء أشياء كثيرة لا صلة بينها ولا قرابة عندها .. !

 

 فأسأل نفسي ماذا تعني كل هذه الأشياء ؟ وليس من مجيب .. سوى أننا في هذه الحياة وسنظل فيها إلى أبد الآبدين ، لا نعرف عنها شيئا يرتاح إليه الضمير ، ويسكن عنده الخاطر . وإذا أنا في هذه الخواطر المسائية أشعر برعشة في جسمي ، وأحس بدمعة في عيني .. فما أدري أهذه الدمعة شعور بجذل الحياة ، أم هي بكاء عليها؟  غير أنني أعرف أنني أذهب وأعمل بعد ذلك كما يذهب أناس كل يوم ويعملون ..