دارفور: التغيير إعادة تنظيم قوات الجنجويد في هذا التقرير سوف نقوم بتقصي الدور الذي رسمته حكومة الخرطوم لقوات الجنجويد في مرحلة ما قبل انتخابات عام 2010م وذلك الذي أعقب الانتخابات.

فقبل الانتخابات، كانت حكومة الخرطوم تقوم بتزويد قوات الجنجويد بالسلاح والعتاد دون تدخل في تنظيمها مع توجييها لشن ضربات بعينها لأهداف بعينها. إلا أن حكومة الخرطوم قامت بتغيير سياساتها هذه بعد عام 2010م فعمدت إلى إعادة تنظيم قوات الجنجويد لتأخذ صفةً رسمية. يعكس كل هذا سياسات حكومة الخرطوم إزاء القبائل العربية غير السودانية التي استقدمتها من تشاد مقابل سياساتها إزاء القبائل العربية السودانية (مع ما يجمع الإثنتين من وشائج قربى وعلاقات).

بمجرد إعلان توجيه تهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد الرئيس عمر البشير من قبل محكمة الجنايات الدولية بلاهاي (4/3/2009م)، تم طرد 13 منظمة دولية مع تقييد نشاط ما تبقى منها. متزامناً مع ذلك، قامت الحكومة السودانية بإعادة تنظيم قوات الجنجويد بطريقة جعلتها تصبح جزءاً من القوات النظامية (الجيش والأمن والبوليس). فقد تم تنظيم قوات الجنجويد تحت أربع مجموعات، الأولى وهي الأهم صار اسمها “قوات حرس الحدود” بينما حملت اسماً مغايراً باللغة الإنكليزية هو Border Intelligence Guards. وقد منحها ازدواج الاسم صلاحيات عسكرية وأمنية في آنٍ. من عرب الرزيقات، شكل عرب قبيلة المحاميد (ذات الأصل التشادي) غالبية هذه القوة، بينما اشترك معهم بعض الرزيقات من أولاد جنوب (أي ذوي الأصل السوداني). لهذا كان من الطبيعي أن يرأس هذه القوة أحد أبناء المحاميد التشاديين (حامد محمد حمدان الملقب “حِمِدْتي”)، بينما أصبح نائبه من رزيقات أولاد جنوب (محمد عبدالله شرارة الملقب “دكروم”). وكلا القبيلتين من الرزيقات الأبالة، أي الذين يربون الإبل مقابل الرزيقات البقارة، أي الذين يربون البقر، وهؤلاء يعيشون في جنوب دارفور. تم تسليح هذه المجموعة بالعربات ذات الدفع الرباعي، والقذائف بعيدة المدى (المدفع الرباعي، 30-40 كلم)، الدوشكا (عيار 60 و65 ملم)، ثم جميع أنواع الأسلحة الأخرى مثل الآر بي جي، والكلاشنيكوف. وقد قامت الحكومة، إمعاناً منها في تقوية وتدعيم هذه المجموعة، بتتبيعها إلى القوات المسلحة. فقد أصبحت لها مكاتب في جميع الحاميات بدارفور تحمل اسمها، وبالتالي تساوت من حيث القوة مع الجيش من جانب ومع الأمن من الجانب الآخر، بينما فاقت قوات الشرطة في جميع الجوانب.

من جانب آخر، قامت حكومة الخرطوم بتأسيس قوة أخرى من الجنجويد أسمتها “قوة الشرطة الظاعنة”، وهي مجرد تحوير لغوي لقوة أقدم تأسيساً وهي “قوات المراحيل” التي تصاحب العرب الرحل في ظعنهم شمالاً وجنوباً، وقم أسستها حكومة الصادق المهدي إبان الفترة الديموقراطية (1986م – 1989م). وقد عُرفت هذه القوة بلقب “أبو طيرة” نسبةً إلى طائر مرسوم في الزي العسكري التمويهي camouflage. وهذا الزي هو أصلاً لقوات الاحتياطي المركزي، وهي القوة التي تم تتبيع الشرطة الظاعنة لها، أي أن الشرطة الظاعنة أصبحت رسمياً تتبع لقوات الشرطة. انحصرت عضوية هذه القوة في القبائل العربية البقارية، أي التي تربي الأبقار (التعايشة، بني هِلْبة، الهبّانية، ورزيقات الضعين). وهذه هي نفسها مجموعات الجنجويد التي شاركت في حرق القرى وتشريد أهلها منذ 2002م إلى 2004م. وقد تم تنصيب علي كوشيب المطلوب من محكمة الجنايات الدولية لاتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور تصل إلى حد الإبادة. تم تسليح هذه المجموعة بالعربات ذات الدفع الرباعي، وبالدوشكات فضلاً عن الكلاشنيكوف. وقد أوكلت لهذه القوات، بجانب حماية تحركات العرب الرحل، مهمة حماية المواكب الحكومية والتجارية التي تطوف بين مدن وقرى الإقليم. وقد تركز نشاطها بصورة أساسية في مناطق التماس، خاصةً تلك التي تقع في جنوب دارفور متاخمة لحدود جنوب السودان.

كما قامت حكومة الخرطوم بتنظيم ما تبقى من الجنجويد في مجموعة ثالثة تقل حجماً من حيث العدد والعدة والعتاد. فقد تم دمج مجموعات صغيرة متفرقة من الجنجويد في قوات الدفاع الشعبي Popular Defense Forces (PDF). انحصرت عضوية هذه القوة في القبائل العربية صغيرة العدد والعتاد مثل التَّرجَم، مسيرية منطقة شعيرية بشرق نيالا، المهادي، ومجموعات أخرى صغيرة). تمركزت هذه القوات حول القرى الصغيرة والكبيرة حيث سمح لها بإنشاء نقاط للتفتيش في شكلها الخارجي بينما هدفها الأصلي هو الجباية المتعسفة لسد العجز المالي إذ لم تخصص لها الحكومة أي ميزانية. وقد جاء هذا الإجراء للحيلولة دون لجوئها إلى النهب والإغارة. وقد بالغت هذه القوات في عدد نقاط التفتيش حتى ملأت الأفق فلا يكاد المرء يتحرك لأي مسافة خارج أي قرية أو في الخلاء دون أن يصادف عدداً غير منظم من هذه النقاط التي تجبي المال بالمزاج ودون أي أرانيك للتحصيل. وقد غضت حكومة الخرطوم الطرف عن تجاوزات هذه القوات ونقاطها الغير المحدودة لأنها أصبحت تخدم كعيون لها، بها ترصد كل صغيرة وكبيرة في فلوات دارفور الشاسعة.

أما المجموعة الرابعة والأخيرة من الجنجويد (الأضعف من حيث العدة والعتاد)، فقد أوقفوا عضويتها على عرب قبيلة السلامات التشادية دون إعطائها أي صفة رسمية، وبالتالي زادوا على ضعفها اللوجستي بإضعافها مؤسسياً حيث لم يتم تتبيعها لأية قوة نظامية. بهذا أصبح السلامات الحلقة الأضعف في قوات الجنجويد وهم الذين كانوا يمثلون واحدة من أقوى حلقات الجنجويد في السابق لمعرفة بالجندية بالطريقة النظامية. كما أصبحت مجموعات القبائل التي قام نظام الخرطوم بتنظيم جنجويدها في شكل قوات الدفاع الشعبي أفضل حالاً من السلامات، لكنهم أقل القوات الجنجويدية عدةً وعتاداً. بينما يعلوهم درجة الجنجويد الذين تم تنظيمهم باعتبارهم جزءاً من الشرطة (الشرطة الظاعنة أو أبو طيرة ويقودهم علي كوشيب أحد أقوى زعماء الجنجويد والمطلوب من العدالة الدولية) وإن كانوا أضعف حالاً من قوة حرس الحدود بمزاياها العسكرية والأمنية (قوة حرس الحدود) التي يقودها رجل المحاميد التشادي الأصل حامد محمد حمدان (حِمِدْتي) ونائبه من عرب الرزيقات الأبالة ذات الأصول السودانية محمد عبدالله شرار (دكروم)، وهما أبرز قادة الجنجويد الذين قادوا حملات التطهير العرقي والتقتيل الجماعي بدارفور منذ أواخر تسعينات القرن العشرين إلى لحظة إعادة تشكيل قوات الجنجويد.

بما أن حكومة الخرطوم في تأسيسها لحرس الحدود، بدا واضحاً اشتراطها أن يكون جميع المنتسبين إليها من عرب الرزيقات الأبالة دون إخوتهم البقارة (نسبةً لإحجام الأخيرين عن التورط في مذابح دارفور وجرائمها الحكومية)، وبخاصةٍ الفرع الذي استقدمته من خارج حدود البلاد (من تشاد والنيجر ومالي)، فقد أدت هذه السياسة إلى تذمر وسط القبائل العربية من غير الرزيقات (السلامات تحديداً). فعزلها من أكبر قوة للجنجويد يعتبر تحجيماً لها وإضعافاً، في مقابل تقوية الرزيقات (المحاميد، الماهرية، جلّول، أولاد تاكو، أولاد قايد، عريقات، عطيفات، أولاد راشد، وبعض بطون وأفخاذ صغيرة) من ذوي الأصول التشادية غير السودانية (ذلك لأن هناك شقاً منها سوداني الأصل). وقد وضح لاحقاً أن حكومة الخرطوم كانت فعلاً تهدف إلى إضعاف مجموعة السلامات لعدة أسباب منها أنها تشادية الأصل دون أي وشائج سودانية، بالإضافة إلى أنها ذات خبرات عسكرية منظمة كونها تمثل ما نسبته 30% من الجيش التشادي، فكان أن خشيت حكومة الخرطوم من تنامي قوتها على حساب الجيش السوداني والمجموعات الأخرى المنقسمة حدودياً مثل الرزيقات. لقد تركت مجموعة عرب السلامات التشادية لحالها دون أي حماية من قبيل ما فعلت حكومة الخرطوم لباقي قوات الجنجويد. لهذا ما كان من عرب السلامات إلا أن قاموا بإنشاء قوات دفاع شعبي خاصة بهم لحماية أنفسهم.

أدت هذه الإجراءات إلى ردود أفعال متناقضة من قبل قوات الجنجويد بحسب موقف الحكومة منها. فقد شعرت المجموعات التي قامت الحكومة بتمييزها بأنها ليست فقط أقوى من الحكومات الإقليمية بدارفور بل أقوى من الحكومة المركزية نفسها. وقد دفعها إلى هذا الشعور عجز الحكومات الإقليمية عن مواجهتها من جانب ثم اعتماد الحكومة المركزية عليها في حرب الوكالة التي شنتها ضد القبائل الأفريقية. كما دفعها إلى هذا تضخم الذات خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار انتفاخ الذات والعنجهية عند البدو وإحساسهم العالي بأنفسهم مقابل احتقار النظام والقانون. من الجانب الآخر دفعت هذه الإجراءات القبائل التي لم تقم حكومة الخرطوم بتمييزها للشعور بالغبن وبالخطر الذي يحيق بها خاصةً إدراكها التام بما اقترفته من جرائم. مدفوعةً بنفس خصائص العنجهية المركبة في شخصية البدوي، وممزوجةً بالغبن الذي بدأوا يجترونه، شعرت هذه القبائل بأنها في حل من الالتزام الصوري بالقانون الذي كانت تبديه حفظاً لماء وجه الحكومة.