د. جمعة كنده كومى مدخل كغيري من العديد من ابناء السودان، كنت اصدق بعض الشئ الحقيقة المزيفة مفادها شح الوثائق المتعلقة بتاريخ شعوب السودان المختلفة، ودورهم في مناهضة الاستعمار منذ عام 1889 حتى نيل الاستقلال عام 1956م .وأثناء عملي ككبير الباحثين بجامعة مارتن لوثر بالمانيا الاتحادية منذ عام 2005، اتيحت لي فرصة نادرة عندما كنت باحثاً زائرا بقسم وثائق السودان بجامعة درم، ودار الوثائق القومية بمدينة لندن.

لقد قضيت عدة شهور بمعدل شهر في كل عام، منذ 2007 حتي 2012. وبالرغم من ان تركيز بحثي كان يتعلق بالوثائق المرتبطة بالاراضي واستخداماتها وقوانينها اثناء وقبل فترة الاستعمار، الا اننى وجدت نفسي منجذباً وبشكل قوي نحو الكم الهائل من الوثائق الاصلية، بعضها ذات تفاصيل دقيقة للغايه حول شئون الحياه العامة الادارية والسياسية والاجتماعية لمجتماعات السودان، والتي كانت تدار بما يعرف بالحكم .Indirect Rule غير المباشر  

لقد احدثت هذه الوثائق ثوره في تفكيري العلمي بل حتى فى قناعاتى السياسية نتيجة للحقائق الاتية:        

1/ وجود وثائق هائلة وبأدق التفاصيل عن تاريخ السودان اثناء فترة الاستعمار، وسجلات فى غاية الاهمية عن دور المجتمعات وقياداتها في مناهضة او مساندة الاستعمار. وبالرغم نيلنا لاستقلالنا قبل حوالي 57 سنة ظلت هذه الوثائق بعيدة عن دائرة الابحاث العلمية والكتابات السياسية.

2/ بالرغم ان هذه الوثائق تاريخية الا انها تشمل جميع مناهي الحياه، وبالتالي فهي ذات قيمة علمية لكل التخصصات: علوم سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وقانونية وجغرافية وهندسية وزراعية ومعمارية ولغوية وغيرها من العلوم  وتفرعاتها المختلفة.

3/ بالرغم من عدم  اطلاعي بشكل دقيق علي كل الوثاثق الموجودة في دار الوثائق المركزية هنا في الخرطوم، الا انني علي قناعة تامة بان معظم الوثائق التي اطلعت عليها ربما تكون غير موجودة في دار وثائقنا. اقول ذلك استناداً علي حقيقة اساسية لا يعرفها الكثيرين، وهي ان بعضا من هذه الوثائق الموجودة فى بريطانيا تم امتلاكها بواسطة جامعة درم فى السنوات اللاحقة للاستقلال،اى بعد وفاة ملاكها، وغالباً ما يكونون اداريين سابقين من من عملوا في مناطق السودان المختلفة فى فترة الاستعمار، مثل مفتش او مدير مركز او مدير مديرية … الخ. ولقد احتفظ عدد كبير من هؤلاء بهذه الوثائق ضمن ممتلكاتهم الخاصة. فعلي سبيل المثال لا الحصر تعتبر المفكرات الشخصيةDairies  والرسلئل العائلية لهولاء، من اهم الوثائق حينما يتعلق الامر ببعض التفاصيل الخاصة بإدارة المجتمعات في السودان في تلك الفترة. وكثير من هذه الحقائق لم توثق في مستندات وتقارير حكومية الا مختصرات لتفاصيل دقيقة وهامة للغاية.

4/ لاشك عندي علي الاطلاق، بإنه ان تم التسليط الضوء وبشكل ممنهج علي تلك الكم الهائل والهام للغاية من الوثائق سيتغير الكثير من حقائق التاريخ بصورة لايتصورها احد، اذ سيترتب على ذالك اعادة ترتيب اهمية الثورات الوطنية وابطالها، لان هناك شخصيات واحداث كبيرة خارج دائرة الضوء حتى الان.

5/ ان الذين ظلوا ينادون باعادة كتابة تاريخ هم على حق، وتجدني مساند لهذه المدرسة التي يجب ان تاخذ بعداً شعبياً واكاديمياً وسياساً. ففي الجانب الاكاديمي لابد من اساتذة الجامعات والباحثين من اعادة توجيه طلابهم فى الدراسات العليا نحو موضوعات وشخصيات لم يتم تسليط الضوء عليها بحثاً ودراسة.

في هذا المقال، سوف نسلط الضوء على وثيقة واحدة فقط من عشرات الوثائق التي تبرز الدور الكبير والكبير جداً الذي لعبه البطل السلطان عجبنا ود اروقا ، سلطان جبال الاما ” النيمانج “، كواحد من اعظم الابطال الذين قاوموا الاستعمار، ومع ذلك لا يذكرون الا بصورة عابرة فقط فى كتب تاريخ السودان.

2/ السلطان عجبنا وبداية ثورته

بدأت ثورة السلطان عجبنا منذ عام 1914م واستمرت حتي فبراير 1918م، كما تشير احدي الوثائق الهامه والمعروفة باسم “عمليات سميث في جبال الاما بجبال النوبه”، او العملية التأديبية رقم 32 بجبال الاما بقيادة الاميرلاي  كي سميث. وتشير الوثيقة الى ان قبائل نوبة الاما لم تخضع للسلطة الحكومية منذ استرجاع السودان في 1899م حتى فبراير 1918م. في البداية استهونت الحكومة البريطانية بقدرات السلطان عجبنا، واعتبرته مجرد شخص فوضوى ومسبب ازعاج عام للسلطة في المركز. عليه بدأت التعامل معه بصورة استخفافية قبل ان تكتشف انه قائد منظم يقود شعباً ذات معنويات وقدرات قتالية عالية، بالرغم من بساطة الاسلحة مثل المرمطون وابو جقرة التى استخدمها قواته في مواجهة المدافع والاسلحة الرشاشه.

في البداية لم تشكل قوه خاصة  لمواجهة السلطان عجبنا، بل تم توجيه قوه متجه الي دارفور بغرض القضاء علي السلطان علي دينار لتمر وبصورة عابره وسريعه عبر الدلنج لوضع حد لعبس المشاغب عجبنا، وأن تبين له بالعمل سلطة وقوه الدولة التي يجب ان يخضع لها هو ومن معه. في نهاية الامر وجدت الحكومة البريطانية نفسها في معركة شرسه وطويلة ذات تكلفة عالية في الارواح والمال والعتاد، حيث استمرت المعارك حوالي عامين قبل ان يتم حسم ثورة عجبنا  كواحدة من اطول واكبر الثورات التى واجهتها الجيش الاستعمارى طيلة فترة وجودها في السودان.

بدات الحملة التأديبية في 16 ديسمبر 1916م، وفي بداية الاشتباك فقدت القوات الحكومية اثنين من كبار قاداتها الميدانيين وهما البمباشي هوتون Hutton  والبمباشي ويلي Willie ، بينما جرح ضابط اخر ومعه اربعه جنود وذلك في منطقة النتل، وكان ذلك في 3 ابريل 1917م. وفي هذه المعركة قتل 26 من قوات السلطان عجبنا وجرح اكثر من 30 مقاتلاً. وفي يوم 17 مايو بادر السلطان عجبنا بمهاجمة قوات الحكومة جنوب منطقة التندية حيث قتل عشرة من قواته وجرح اكثر من عشرين بينما قتل في المعركة ضابط و2 من جنود الحكومة. بعد ذلك استمرت المعارك بصورة متقطعة لطبيعة الجبلية الوعره، والتي اعتمد عليها السلطان عجبنا في بناء تكتيكاته واستراتيجياته العسكرية هجوماً ودفاعاً. وفي 10/6/1917م كانت معركة كليرا حيث استشهد فيها 8 من مقاتلي عجبنا، وتم حرق وتدمير اربع قرى بالكامل ومصادرة البهائم والمحاصيل، بينما قتل جندي واحد وجرح اثنين من جانب قوات الحكومة. وفي 19/6/1917م استشهد احد ابطال السودان هو كجور حماد قيدوم في معركة تندية. ولقد وصفته الوثيقة “بأنه قائد شرس في العمليات الهجومية، ومن اقوي زعماء الاما بعد السلطان عجبنا الذي كان ينظر اليه علي اعتباره من مقاتليه الاساسيين. ““He was a notorious leader of raids and the most powerful Nyima Chief after Agabna, who looked upon him as his chief fighting lieutenant”.

وفي 19/6/1917م كان معركة سلارا وماجاورها من قرى، وفي هذه المعركة اضطرت قوات الحكومة من الانسحاب بعد ما نفذت ذخيرتها مع استمرار تدافع مقاتلي عجبنا من كل الجبهات، وكانت تصويباتهم في غاية الدقة: “whose shooting was very accurate”  .وبعد هذة العملية وبداية موسم الخريف اصبحث الظروف الطبيعية في صالح قوات عجبنا حيث توفرت المياة في كل مكان وصعوبة تحرك الأليات فى الوحل والخيران المليئة بالمياه. عليه اضطرت  قوات الحكومة الي وقف عملياتها مع عمل الاستعدادات الازمة لشن عمليات جديدة بعد الخريف مباشرة. وكانت هذه بمثابة نهاية العمليات الاولي، والتي فقدت فيها قوات الحكومة ضابطاً بريطانياً واخر مصري، و7 من الرتب الاخري، بجانب 18 مجروح احدهم بريطاني.

وبعد تحليل دقيق لجغرافية المنطقة، نصح الخبراء القيادة العسكرية بالابتعاد عن المواجهات المباشرة مع قوات عجبنا. وعلي قوات الحكومة ان تعمل علي تشديد الحصار، وقفل المنافذ من والي مصادر المياه، وحرق القرى وقتل البهائم حول القرى، مما يجعل السلطان عجبنا وقواته امام خيارين لا ثالث: اما الموت جوعاً او عطشاً او الاثنين معاناً، او الاستسلام دون قتال. ولتنفيذ هذه الخطه، قامت قوات الحكومة بالانتشار حول الجبال واقامت زرائب من الاشجار الشوكية حول الجبال المأهولة بالسكان، وفي ذات الوقت تم توجيه ضربات بالمدفعية على مواقع العدو فوق الجبال حيث يحتمون في داخل الكراكين. وفي المقابل عمل السلطان عجبنا اثناء فترة الخريف على وضع خطة مناهضة لحظة الحكومة، فعمل طيلة فترة الخريف على تخزين المحاصيل وكميات كبيرة من البطيخ كبديل للمياه عند نضوبها في فترة الصيف. على العموم، يعكس اعداد وعتاد قوة الحكومة المشاركة في العملية الرئيسية،  حجم المعارك وتتكون القوة من الاتي: 36 ضابط بريطاني، و118 ضابط مصري، و3059 جندي برتب مختلفة، وعدد298 حصان، و548 بغل، و1319 جمل، و249 ثور، و737 حمار، و8 عربة كروسلي، و8 عربه لورى فورد. كل هذه الحيوانات والعربات محملة  بالمؤن والعتاد الحربى، بجانب 4 عربة كبيرة مجهزه كاسعاف متحرك.

——————————————————————–

في الحلقة القادمة سنعطي وصفاً تفصيلياً لهذه المعركة الفاصلة كواحدة من اكبر واطول المعارك ضد قوات الحكومة البريطانية الاستعمارية.