إن المواطنين السودانيين  الذين خرجوا إلى الشوارع منذ الاثنين 24/9 متظاهرين ضد قرارات رفع الأسعار ومحتجين على الاستفزازات المتواترة من قيادات حزب المؤتمر الوطني الحاكم للشعب السوداني،

لم يفعلوا أكثر من ممارسة حقهم بل القيام بواجبهم  في مناهضة سياسات هوجاء تمس قوتهم اليومي وتزيد من إفقارهم وتجويعهم والنيل من كرامتهم الإنسانية، ولكن رغم مشروعية ما قاموا به وفق منطق ” حقوق الإنسان” وحقوق المواطنة المتضمنة حتى في “دستور السودان” تمت مواجهتهم من قبل النظام الحاكم بالعنف المفرط وبمجزرة همجية راح ضحيتها حتى الآن 183 قتيلا من بينهم أطفال بمرحلة الأساس والمدارس الثانوية، فضلا عن الجرحى والمصابين، وفضلا عن المعتقلين الذين تتزايد أعدادهم سواء في العاصمة الخرطوم او في بورسودان وكسلا والأبيض،    تحية المجد والشرف والخلود للشهداء الذين صعدت أرواحهم الطاهرة في معركة الحرية و الشرف والكرامة، وهذه الدماء التي سفكت ظلما وغدرا هي جزء من الرصيد النضالي للشعب السوداني الذي سيدفع بقوة في اتجاه الثورة الشاملة على هذا النظام الفاسد المستبد.

وفاء لدماء هؤلاء الشهداء هناك جملة من الحقائق لا بد من إجلائها:

أولا: قيادات الحكومة والحزب الحاكم وأبواقه الإعلامية ومنذ الوهلة الأولى لانطلاق المظاهرات ظلت تتحرى الكذب وتقلب الحقائق رأسا على عقب، حيث صورت الحدث كأعمال للتخريب والسلب والنهب الذي يستهدف ارواح المواطنين وممتلكاتهم! وهنا يستلف النظام السوداني خبرة أشباهه من نظم الاستبداد البائدة في المنطقة، حيث يستأجر النظام عصابات للقيام بالتخريب والسلب والنهب ويزعم ان من يفعل ذلك هم المتظاهرين في سياق تبرير القتل والاعتقالات، ومثل هذه الخدع الهدف منها الانصراف عن القضية الجوهرية ممثلة في تخريب الوطن وسلبه ونهبه بواسطة النظام الحاكم على مدى ربع قرن، والانشغال بأعمال تخريبية صنعها ودبرها النظام نفسه لينزع المشروعية عن الاحتجاجات المشروعة ضد سياساته الجائرة، وفي هذا السياق لا بد من التشديد على ان  النظام الحاكم هو المسئول الأول عن أي روح أزهقت، وعن أية ممتلكات خربت او نهبت، حتى لو سلمنا جدلا ان هذه الجرائم قامت بها عصابات إجرامية لا علاقة للنظام بها، لأن توفير الأمن وحماية الممتلكات هو واجب الحكومة التي تخصص ما يزيد عن 70% من ميزانيتها للأمن والدفاع، وعجزها عن القيام بهذا الواجب هو سبب إضافي للثورة عليها.

ثانيا: هناك سياسة تعتيم إعلامي وتستر على الأعداد الحقيقية للقتلى والمصابين والمعتقلين، وإرهاب تمارسه الأجهزة الأمنية على الأطباء في أقسام الحوادث بالمستشفيات، والمشارح، إضافة إلى فرض الرقابة المباشرة على الصحف ومنعها من مجرد نشر أخبار ما يحدث في الشارع، والمعلومات المتوفرة حاليا عن اعداد الضحايا  تم الحصول عليها بجهود ذاتية من بعض النشطاء، يجب ان تتواصل هذه الجهود لكشف الحقيقة الكاملة عن مجازر النظام.

ثالثا: يجب ان تتكاتف منظمات المجتمع المدني والسياسي والقوى الحية الخيرة داخل السودان وخارجه في التضامن مع أسر الشهداء وأسر المصابين الذين يحتاجون إلى العلاج عبر الدعم المادي والمعنوي.  

رابعا: كل المؤشرات تدل على أن النظام ماض نحو الحلول الأمنية القمعية ومعرض تماما عن الحلول السياسية، فما زال النظام متماديا في تحري الكذب بشأن قراراته برفع الأسعار إذ يصفها برفع الدعم عن المحروقات في حين أن الحكومة لا تدعم المحروقات بل تربح من بيعها للمواطن! وهذا أثبته عدد من خبراء الاقتصاد، وبقراراتها الاخيرة أرادت رفع إيراداتها على حساب المواطن الذي يسحقه الفقر، في حين ان أي معالجة جادة للأزمة الاقتصادية يجب ان تبدأ بوقف الحروب التي تستنزف جل موارد البلاد، وبتخفيض الإنفاق الحكومي بإعادة هيكلة جهاز الدولة المترهل، وبمحاربة الفساد، وبإعادة تأهيل القطاعات المنتجة في الاقتصاد، وجذب الاستثمار، وكل ذلك لا يمكن تحقيقه دون التغيير السياسي الشامل والجذري الذي يأتي بنظام حكم منتخب ومساءل أمام الشعب، وملتزم بقيم الشفافية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتأسيسا على ذلك فإن السياسات التي ثار ضدها الشارع السوداني ليست سياسات “إصلاح اقتصادي” كما يزعم النظام، بل هي سياسات لإجبار المواطن السوداني الفقير عبر رفع أسعار ضروريات الحياة إجباره على دفع فاتورة فشل الحكومة في إدارة الاقتصاد، وأن احتج فمصيره الموت او الاعتقال.

أن ما حدث في الايام القليلة الماضية ما هو إلا مجزرة جديدة تنضاف إلى سلسلة مجازر أكبر ارتكبها هذا النظام في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وبورسودان وأمري وكجبار، تعددت المجازر والنظام واحد، والشعب يجب ان يكون واحدا ومتوحدا في خوض معركته.