الخرطوم : التغيير فى تطور لافت للمواجهات الجارية بين النظام الحاكم والجماهير الغاضبة المحتجة على غلاء الاسعار و الخدمات والمطالبة دفعت السلطة بمليشيات الجنجويد وقوات الطوارئ التابعة لحزب المؤتمر الوطنى الحاكم واعادت برنامج فى ساحات الفداء مع تصاعد المظاهرات المطالبة برحيل النظام بعد ظهر يوم الجمعة وحتى وقت متأخر من ليلها وسط تسريبات غير مؤكدة عن رفض القوات المسلحة لسياسة الحكومة فى تعاطيها مع الاحداث .

وكان البرنامج  التعبوى الشهير “فى ساحات الفداء” قد توقف منذ انخراط نظام الانقاذ فى مفاوضات سلام مع الحركة الشعبية التى قادت التمرد فى جنوب السودان قبل انفصاله وتكوينه دولة مستقلة قبل اكثر من عامين . ولم يبث الاّ  فى حالات نادرة كان اخرها فى ابريل الماضى عندما دخلت قوات الجبهة الثورية الى بلدة ام روابة بولاية شمال كردفان قبل تغادرها وتحتل بلدة ابوكرشولا بولاية جنوب كردفان لمدة شهر كامل .

وحملت حلقة الامس من “فى ساحات الفداء” شعارا فى مفتتحها يحمل نداءا يقول : (انتبهوا ايها السادة) ويحذر المواطنين من مغبة الانجرار الى من اسماهم بالمخربين ومتحدثا عن معلومات بتسلل عناصر لم يسمها الى داخل المدن من اجل تنفيذ مخطط يهدف الى زعزعة الاستقرار لفرض ما قال انها اجندة مشبوهة .

واكد صحافى كبير ل”التغيير” وشهود عيان اخرون انهم شاهدوا يوم الجمعة رتلا من السيارات عليه مجموعة من مليشيات الجنجويد التى استخدمتها الحكومة لقمع التمرد المناوئ لها فى دارفور وارتكبت فظاعات كبيرة ضد المدنيين فى الاقليم ،تتجول فى الخرطوم ضمن استعراض القوة قبيل انطلاق تظاهرات الجمعة .

وكانت معلومات قد راجت فى اوقات سابقة تؤكد ان النظام استوعب مليشيات الجنجويد ضمن قوات شرطة الاحتياطى المركزى بعد الضغوط المتزايدة عليه لتسريحها نتيجة سجلها السيئ فى اقليم دارفور .

وتظاهر الآف الموطنين في كل أنحاء ولاية الخرطوم من جنوبها الى شمالها ومن شرقها الى غربها عقب أداء الصلاة فى جمعة أطلق عليها النشطاء (جمعة الشهداء) للتنديد بقتل اجهزة النظام للمتظاهرين من طلاب المدارس والجامعات والشباب وحتى الاطفال بالرصاص الحى خلال الايام الاربعة الماضية التى اندلعت فيها المواجهات وارتفاع حصيلة القتلى الى ما يقارب ال(200) .

وتمكن المتظاهرون يوم الجمعة من إختراق الأطواق الأمنية والتعبير عن سخطهم ورفضهم التام  لقرارات الحكومة بزيادة الاسعار مطالبين برحيلها .

ففي أمدرمان خرج مئات المتظاهرين من مسجد ودنوباوي ومساجد ودرو وأبوروف والدومة وتمكنت المسيرات من الوصول إلى تقاطع (بانت) حيث تصدى لها رتل من قوات الأمن والشرطة مدجج بالسلاح وقام بإطلاق الأعيرة النارية وقنابل الغاز المسيل للدموع .

وجرت عمليات كر وفر بين المتظاهرين وقوات الامن ومليشيات الحزب الحاكم داخل احياء العباسية والموردة حيث تمركزت قوات الأمن  قبالة محطة عابدين بالعباسية وبالقرب من دار الرياضة أمدرمان وأطلقت نيران عشوائية وقنابل الغاز ما تسبب فى اصابة عدد من سكان الحيين العريقين بالإختناق وتم إسعافهم لمستشفى امدرمان

 .   

و شهدت مناطق متفرقة بأمدرمان ظهر أمس إحتجاجات عارمة شملت حلايب والثورة الحارة الثانية وأمبدة الحارة الأولى وشارع البحر قبالة (أبوروف) .

وفي الخرطوم تظاهر يوم الجمعة نساء بأركويت وخرج مواطنو جبل أولياء والكلاكلة شرق والشجرة وسوبا غرب والصحافة وجبرة والعشرة وإمتداد ناصر والسلمة ومايو فى احتجاجات عارمة  وكانت اقواها فى برى وشارع الستين حيث قتل الدكتور صلاح السنهورى بعد اصابته بطلق نارى فى الرقبة بشارع الستين . 

وقال زعيم حزب المؤتمر الشعبى المعارض ،حسن الترابي ل”بي بي سي” يوم الجمعة، إن كل الاحتمالات واردة بشأن تحول هذه الاحتجاجات إلي ثورة كبيرة على غرار ما حدث في بعض الدول العربية أو تلاشيها مع مرور الوقت . 

لكن رئيس حزب الأمة القومي المعارض، الصادق المهدي، اكد يوم الجمعة إنَّ حزبه سيدعو بعد التحضير لتجمعات كبيرة في يوم موعود بكل ولايات السودان، للعمل على إسقاط نظام الحكم، ونزع الثقة منه عبر ميثاق لنظام جديد، يقوم على تكوين حكومة انتقالية قومية لوضع الدستور، وعقد اتفاقيات سلام مع كل جبهات القتال لتحقيق السلام العادل والديمقراطية . 

واتهم المهدي النظام بتشويه الاقتصاد السوداني والإسلام، وإشعال الحروب، بجانب تعريضه البلاد للمذلَّة الدوليَّة. وأدان الأعمال التخريبيَّة. وأكَّد تأييده لتحركات المواطنين السلميَّة للتعبير عن رفضهم للإصلاحات الاقتصاديَّة . 

وضرب المصلون بمسجد جبرة القيادى بحزب المؤتمر الوطنى ،ربيع عبد العاطى بعد ان قام مخاطبا لهم وطالبا منهم عدم السماح لابنائهم بالخروج فيما اسماه اعمال الشغب والتخريب .

وفي محلية بحرى إنتشرت المظاهرات والإحتجاجات لتشمل أحياء الدروشاب والحلفايا وشاركت قيادات قوى الإجماع المعارضة في احتجاجات شمبات بميدان الرابطة تقدمهم سكرتير الحزب الشيوعي ،محمد مختار الخطيب ورئيس حزب المؤتمر السوداني ،ابراهيم الشيخ والأمين السياسي لحزب المؤتمر الشعبي ، كمال عمر واحتشدت الجماهير بميدان شمبات معبرين عن احتجاجهم السلمي فباغتتهم قوات الأمن واطلقت عليهم الرصاص الحى بعد أن سمحت لهم قوات الشرطة بالتعبير السلمي عن قضيتهم .

وكان الشيخ احمد الطيب زين العابدين قد دعا اثناء  تشيع شهداء شمبات الذين قضوا برصاص السلطات يوم الخميس هزاع عزالدين وبكري النور حمد, دعا جميع رجال شمبات و نسائها للخروج بعد صلاة الجمعة بميدان الرابطة  بقيادته لمطالبة الشرطة والجيش للتدخل ووقف قتل االابرياء من المواطنين والانحياز لجماهير الشعب والترحم على جميع الشهداء الذين سقطوا خلال ايام الاحتجاجات الماضية  .

ودعا إمام وخطيب مسجد السيد علي الميرغني بالخرطوم بحري، عبدالعزيز محمد الحسن،فى خطبته امس الجمعة الرئيس، عمر البشير، للإستجابة لمطالب الشعب والتراجع عن القرارات الاقتصاديَّة .

وأفاد الحسن بأنَّ المواطنين باتوا عاجزين عن تحمُّل الأوضاع الاقتصاديَّة. ودعا المتظاهرين للالتزام بالسلمية، وعدم استهداف المرافق العامَّة والخاصَّة، مناشداً الأجهزة الأمنيَّة عدم الإفراط فى استخدام القوة اثناء فض التظاهرات الشعبية .

وفي أمدرمان، دعا خطيب وإمام مسجد الأنصار بودنوباوي، عبدالمحمود أبّو، الحكومة للتراجُع عن رفع اسعار السلع والخدمات، مشيراً إلى الاحتجاجات التي صاحبت القرارات، و راح ضحيتها عدد من المواطنين .

وقال أبّو إنَّ تنفيذ قرارات الحكومة برفع الاسعار ألقى بآثار سالبة على شرائح الفقراء والمساكين، متهماً الحكومة بفرض ضرائب باهظة على المواطنين دون سعيها لتحقيق إصلاحات حقيقيَّة على الاقتصاد .

ونبه خطيب وامام مسجد القوات المسلحة (الحكومة) الى ان الشعب صبر عليها ما لم يصبره لاربع حكومات من قبل ، وحذرها من انتفاضة الجياع، ودعا القوات النظامية والشرطة الى عدم قتل المتظاهرين والتصويب فى صدورهم ، وتسأل عن اموال البترول اين ذهبت ،وانتقد تدمير وحرق الممتلكات العامة .

وتظاهر الآف من المواطنين بمدن ودمدني والابيض وكوستى وبورتسودان وام روابة ونيالا محتجين على السياسات الاقتصادية للحكومة وغلاء الاسعار والخدمات وتصدت لهم قوات الأمن مستخدمة الذخيرة الحية .

فى غضون ذلك أغلقت السلطات الامنية مكاتب قناتى العربية الفضائية وسكاى نيوز عربية بعد ان استدعت مراسل العربية بالخرطوم ،ذ سعد الدين حسن عبدالله على خلفية التغطية المباشرة لقناة العربية للأحداث وإفراد مساحات للتعليق لقوى سياسية معارضة بالإضافة لإفادات الرسميين .

وفى السياق اعلنت شبكة الصحافيين السودانيين وهى جسم موازى لاتحاد الصحافيين المسيطر عليه من قبل عناصر تتبع للحزب الحاكم ، اعلنت بأسم جميع الصحافيين السودانيين الدخول فى اضراب مفتوح عن العمل اعتبارا من يوم السبت ، وبررت الشبكة فى بيان اصدرته يوم الجمعة ووجهته الى الرأى العام السودانى والعالمى اسباب دعوتها للاضراب الى استحالة توفر الحد الادنى من متطلبات المهنية والمصداقية ومن اجل الحفاظ على التأريخ المشرق للصحافة السودانية .

وقالت الشبكة ان اغلب الصحف مملوكة للنظام الحاكم ولذا فقد اعلنت تبرؤها من المواد والاخبار والتغطيات التى ستصدرها بجبروت السلطات الامنية . ودعت الصحافيين الى التواصل ورصد الانتهاكات عبر شبكات التواصل الاجتماعى على شبكة الانترنت وعبر الوسائط الالكترونية الاخرى .

الى ذلك أكد مصدر مأذون فضل حجب إسمه أن المتظاهرون أضرموا النار فى 15 بصاً من أسطول الموصلات الداخلية التابعة لشركة مواصلات ولاية الخرطوم وأنها أبيدت تماماً فيما تأثر أكثر من 135 بصاً آخر بتأثيرات مختلفة وكشف المصدر عن أن الأسطول العامل لايتجاوز 250 بصاً الأمر الذي قد يعطل حركة المواصلات في الأيام القادمة .