بقلم: عبدالغني كرم الله هل شعرتم (بالظلم والجور)، كشئ ملموس؟ هذا ما شهدته عند بنت خالي، التي اغتيل طفلها (17)، "بابكر أبشر"، وهو طالب في مدرسة ابوسعد، شعرت به، كما أشعر بضربي للكي بورد الآن، وانا أكتب حزني، ورفضي المطلق لهذه الطغمة الحاكمة، ربع قرن والبلاد تستنشق ظلما شنيعا، وسوء ظن بالعباد والبلاد، من هؤلاء الطغاة القتلة، من بدء قتلهم لضباط حركة رمضان، ثم من أغرقوهم في النيل الأزرق في العيلفون من شباب، ثم فتكهم بأهل درافور، وحتى تسليهم اليومي، بقتل الاطفال والشباب في بري والفيتحاب وامبدة، وشمبات، في هذه التظاهرات السلمية، حتى ارتوت طرق العاصمة الشعبية بدماء اطفالها وشبابها، فنبت أشجار الحزن والتحدي، أعظم ما يكون في شعب صنع أكتوبر، وفجر مارس أبريل، وأشعل ثورة سبتمبر 2013م.

تلقت أم الشهيد الخبر صبحا، في التاسعة صباحا، أطلقتهم المدرسة، بعد معرفة المظاهرات وخبر الإجازة للمدارس، فخرجوا للشارع، ملتحمين مع المظاهرات، فاصطادته طلقة من رجل أمن مختفي، كما حكت لي، أخبرها طفل مثله، بأن أبنها اغمي عليه، كان الطفل وهو يخبرها تكاد أن تخرج روحه، وصديقه صريع قربه، يشرب تراب الوطن دمه العظيم.

ثم أخبرها تلميذ آخر، صديقه أيضا، بأن ابنها ضرب في رأسه، واخذته عربة بوكس، إلى جهة مجهولة، لا يعلمون إلى أين، فمضت مع زوجها ابشر للبحث عنه، قيل لها بأنه في مستشفى السلاح الطبي، فجرت بأرجلها مسافات طويلة، المواصلات متوقفة، والطرق مسدودة، كم كيلو من البيت، ولم تجده هناك، … قيل لها بأنه في امدرمان، فمضت مع زوجها ولم تجده، ولم يسمح لها بالدخول، هناك تعليمات بعدم دخول أحد المشرحة ، افترقت عن زوجها كي يبحث عنه في مستشفيات أخرى، وقيل لها بأنه في الخرطوم، فمضت للخرطوم تجري، ثم تركب، ثم تجري، فقد كانت الرقشات تتوقف عند الطرق المسورة بالأمن والشرطة، وهي تلهث في مدينة متسلطة الحكام، جائر سدنتها..

قيل لها غير موجود، وجدت جثثا كثيرة، وحالات اصابات بالغة، وبكاسي محملة بالجثث، والمصابين، في مستشفى الخرطوم، ولم تجده، شاب رأسها من كثرة المصابين، وأغلبهم أطفال، قيل لها في مستشفى ابراهيم مالك في الصحافة، فمضت ولم تجده… اتصل بها زوجها وقال لها ابنك في مشرحة امدرمان، قالت عصارة الحزن سكبت في سويداء قلبها، كان البكر، وهي أم صغيرة، عرف القرى في الزواج المبكر، حين تراه تحسبه أخاها، صديقها، والآن مضى للسماء بطلقة من حكام الشعب..

رجعت امدرمان، وشاهدته بين عشرات الضحايا، وصفت منظر الشهداء، والمصابين، مشهد تقشعر له جلود الجبال، ويهز افئدة الكون، ألا ان منظر الظلم شنيع، هذا ما شعرت به..

جلسنا في صيوان العزاء، في الحي الشعبي، الطيني، الجميع ساهم، غاضب، ثائر في دخيلته، نساء الفراش رفعن ايديهن لله بصدق عظيم كي يرفع هذا البلاد العظيم، يلوحن ثكلى لله، أن ينزع هؤلاء، نزع السم من جسم ملدوغ، … أحسست بأن الله سيغير هذا النظام، لا محالة، بهذه الدعوات أكثر من ألف دبابة، ظلم شنيع على بسطاء عزل، الله والضمير الكوني معهم. يبدو الحي البسيط، ملفوف في ثوب حزين شخصي، وفردي لكل اسرة، تجرعت ظلم هؤلاء الطغاة لعقود خلت، من الأكاذيب والثراء وسوء نفوس، يخرج عن تخيل أي خيال، مهما تمادى في وصف مخازيهم.

(لو طلع الحكم من نفوس الناس بطلع)، تلكم مقولة للمفكر محمود، وما احسست امس من مئات المشعين والمشيعات في الفراش كأنهم يتقيئون فسادا ازكم نفوسهم، كأنهم يمشئزون من نفر تسوست ضمائرهم، وقلوبهم ..

في طريق العودة بدت الخرطوم، حتى سماءها كأنها حزينة، حائرة، متألمة، كلها، والناس في الطرقات يحملون ثورة وإرادة تهز الجبال، وفي عربة في الهايس، الناس ساهمة، تلعن في رموز النظام علنا.

اللهم احفظ بلادي، من هؤلاء. قتلوا الاطفال في العيلفون، وفي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفي دارفور، وفي الجنوب، وهاهي عاصمة البلاد الشعبية، تُهدر دماؤها ببرود عجيب، يهز قلوب الأحجار.

اللهم احفظها.

اليوم في بري وشارع الستين استباحوا بدم بارد مراسم تشييع الشهيد صلاح السنهوري.
محبتي، وشكري لكل من شارك في تشييع شهداء البلاد، كأسرة، وكبلاد، وكرجال عظام، تحدوا الظرف، وشيعوا الشهداء، وجلسوا في صيوان الحزن على أطفال البلاد، على الأطفال الأبطال.

ومحبتي لكل من ساهم بشعوره، وحبه للأطفال، والشهداء والبلاد. وأن شعبا يغتال أطفاله، من أجل البلاد، حتما منتصر، بأذن الله، وإرادة الشعب.