صالح عمار لم تتوقف التظاهرات الحاشده رغم انزال النظام لالاف من قواته، ورغم ان يوم السبت عطلة رسمية تقل فيها حركة الشوارع والمارة، وينكشف فيها ظهر الثوار.

لم اكن شخصيا اتوقع ان تكون تظاهرات السبت حاشده، وكانت حساباتي وتركيزي تتجه نحو الاحد، ولكن صح في المقابل ماتوقعناه من ان سفك الدماء الذي قامت به السلطة بلاحساب، سيشعل الثورة بلاتوقف.

وبكل الحسابات انتهت المهلة الممنوحة للاجهزة الامنية لقمع الثورة خلال يومي العطلات الجمعة والسبت، وهي الآن في ورطة لخمسة ايام قادمه ستمر عليها بحجم خمسة اعوام ابتداءً من اليوم الاحد، حيث سيقع عليها عبء قمع التظاهرات وعبء آخر اكبر لاثبات ان الحياة تمضي بصورة طبيعية كما يروج الاعلام الحكومي، وكلا المهمتين في غاية الصعوبة.

وينصح مراقبون باستمرار التظاهرات داخل الاحياء السكنية، وتقسيم المتظاهرين علي نطاقات جغرافية واسعة، وهو التكتيك الذي ارهق قوات النظام.

ولابد من الاشارة هنا الي ان غياب التنسيق بين المتظاهرين، وبروز قيادات شبابية جديدة ليس لها ماض سياسي ولا تعرف الاجهزة الامنية عنها شئيا، كان واحدا من الاسباب الرئيسية في فشل الاجهزة الامنية في قمع الاحتجاجات، اي ان سر النجاح كان في “فوضي التظاهرات وانتشارها لكل الشوارع والحارات”.

ومن ملامح التقدم وتنظيم الحراك الجماهيري يوم السبت اعلان العديد من القوي تاسيس تنسيقية للثوره، وهي خطوة تعطي اشارة ايجابية بان المزيد من قوي المجتمع المدني والاحزاب السياسية تنضم لحراك الشارع، وباتت مستعدة لتحمل التكلفة الباهظة لمواجهة النظام.

تحتاج التنسيقية لتجد قبولا واسعا ان تعطي الشباب الثائر والشارع رسالة واضحة وصريحه انها وكل الاجسام التي تاسست تهدف لدعم الثورة والثوار وليس قيادتهم، وستبذل اقصي مافي وسعها لتحقيق هذه الغاية.

إن مثل هذه الرسالة الواضحة في غاية الاهمية للشارع المشغول بانجاح ثورته هذه الايام، ولايجد متسعا من الوقت والمساحة لينتخب من يمثله.

والرسالة اكثر اهمية لجماهير الهامش الخرطومي في امبده، ومايو، والحاج يوسف، والفتح وغيرها من المناطق التي تحصد سكانها رصاصات الاسلحة الثقيلة، وتحاصرها اجهزة الامن بكل ماتملك من عتاد، وتفرض عليها بذلك الغياب عن كاميرات الفضائيات واجتماعات تنسيقيات الثورة.

وفي دفعة معنوية بالغة الاهمية لحراك الشارع، وجه نهار السبت 31 من قيادات الاسلاميين خطابا مفتوحا للبشير، حمل مطالب اقرب لمطالب المعارضة. ومن خلال اتصال هاتفي بالدكتور احمد عبدالملك الدعاك وهو احد المقربين من د.غازي صلاح الدين، اكد لي د.الدعاك صحة الخطاب وتوقيعهم عليه.

الكثيرون ممن لديهم مرارات مع النظام قابلوا الخطاب بالرفض والاتهامات لموقعيه، وهو رد فعل متوقع بالنظر للمرارات العميقة، ولكن هذا ليس من الحكمة في هذه المرحلة، ويعبر عن العاطفة اكثر من الواقع ومصالح الحراك الجماهيري.

فمن وقعوا علي المذكرة بينهم 10 من اعضاء المجلس الوطني وقيادات بالحركة الاسلامية لها وزنها، وخطابهم للبشير مهم جدا جدا والاسباب :

حملوَّا بصريح العبارة الاجهزة الامنية المسؤولية عن اعمال القتل وطالبوا بمحاسبتها، واكدوا ان للمتظاهرين قضية عادله وليسوا مخربين، وحملوا الحكومة مسؤولية الفشل في ادارة البلاد.

 واعطوا بذلك المتظاهرين مشروعية وغطاء سياسيا واخلاقيا وسط قواعد المؤتمر الوطني ومؤسساته لاول مرة، ووجهوا ضربة قاضية للخطاب الاعلامي الحكومي الذي يتحدث عن المتظاهرين باعتبارهم مخربين ومجرمين.

وينزع خطاب وموقف المجموعة من السلطة، ورقة الدين والاسلام التي ظلت تتكسب بها سنينا طويله، حيث ان كل الموقعين من ابرز قيادات الاسلاميين. كما ان فيه تهديدات شخصية مبطنة للبشير بان مشروعية وجوده علي السلطة باتت محل شك.

وهذا موقف متقدم بلاشك حتي علي مواقف مجموعات وشخصيات معارضة مثل السيد الصادق المهدي، ولايمكن بمنطق الواقعية ان نطالب قيادات في حزب المؤتمر الوطني بموقف اكثر ثورية من ذلك.

ان اللحظة هي لحظة الترحيب بكل من يعترف بالثورة ويدعمها، حتي وان كان غرضه القفز من المركب الغارقه، حيث سيساهم بقفزته تلك في الاسراع بغرقها، وتقليل خسائر الثوار.

والمواجهة مع النظام يجب ان تكون هي الشاغل الاكبر، وكل من يريد الاشتراك في هذه المواجهة فاهلا به، اما جرد الحساب فهذا ليس توقيته.

 وبالطبع ليس من حق احد العفو عن من ارتكب جرما ضد الشعب وافراده، وعندما تنتصر الثورة فعلي كل متضرر من د.غازي ومجموعته، وغيرهم، التوجه للمحاكم واخذ حقه بالقانون، حيث ان الجرائم لاتسقط بالتقادم ولا بالتسويات والهدن السياسية.

في سياق ردود الفعل الخارجية، وباسرع مما توقعنا بالامس من ان دول الخليج ومصر ستنحاز للثورة بنهاية يوم الاحد اذا تواصلت بقوة، دعا وزير الدولة للشؤون الخارجية الاماراتي د.انور بن محمد قرقاش الحكومة السودانيه الى اتباع اقصى درجات الحكمة في التعامل مع المظاهرات والمطالب الشعبية حفاظا على استقرار السودان دولة ومجتمعا، وقال ان دولة الامارات تتابع بإهتمام تطورات الأحداث في مدن السودان، وتبدي قلقها البالغ من التعامل العنيف وغير المبرر مع هذه الأحداث، وتدعو الحكومة السودانية الى اتباع أقصى درجات الحكمة و الحذر في التعامل مع المطالب الشعبية التي تغلب عليها الطبيعة المعيشية، وتؤكد على ضرورة الحرص على أرواح المدنيين بما يحافظ على استقرار السودان دولة ومجتمعا.

ولايحتاج التصريح لاي توضيحات، حيث هو بمثابة اعتراف صريح بالحراك الشعبي وطعن في مشروعية حكومة البشير، وماكانت الامارات لتغامر باتخاذ الموقف لولا ادراكها بان الحراك الشعبي يتجه نحو مرحلة جديدة.

وخلال ايام وربما ساعات ستندلع ازمة دبلوماسية بين حكومة البشير والامارات، وعلي المعارضة السودانية ان تدخل علي الخط منذ الآن.