مجتزء من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم الجنس والحبّ هل فعلاً تعني المجامعة سقف العلاقة الجنسيّة، أم أنّها ربّما كانت أساسها الحيواني الإنساني؟ وهل هناك فعلاً سقف للعلاقة الجنسيّة، أم هي مفتوحة إلى ما لا نهاية في مضمار كمالي غير متناهٍ؟ ألا يجوز النّظر إلى الجنس على أنّه في أساسه رغبة، بيولوجيّة أو خلافها، أي يمكن أن تبدأ بالبيولوجي، ثمّ تعرج إلى الرّوحي، أي كيفما كان ابتداؤها بهذا أو ذاك، فإنّها تجمعهما معاً بطريقة يصعب الفصل بينهما، وبالتّالي تدور بين البيولوجي وبين الرّوحي في حلقة يمكن وصفها بأنّها مفرغة لغرضٍ في ذلك. بهذا يجوز الزّعم بأنّه في حال ابتداره من البيولوجي فإنّ هذا العروج قد يبدأ من نقطة تجاوز تفريغ الطّاقة البيولوجيّة إلى إنتاج الطّاقة الرّوحيّة، تعبيراً عن عاطفة سامية، هي الحبّ. وفي حال ابتداره بالرّوحي، أيّ بالحبّ، فإنّه قد ينتهي بالنّقطة التي من المفترض أن يبلغ فيها كلا الشّخصين الذّروة، وهي لحظة جسديّة وروحيّة.

ولكن هل يمكن لمن ذاق لذّة الجنس كعمليّة روحيّة قوامها الحبّ أن يحتفظ في ذائقته بمكان للحبّ كاحتياج جسدي، الغرض منها إفراغ الطّاقة وبلوغ الذروة؟ ألا يستحيل عندها القيام بالعمليّة الجنسيّة البيولوجيّة إذا لم تكن تعبيراً عن الرّوح، أي الحب! وهذا، كما قلنا، مضمار غير متناهٍ في سكّة الكمال؛ وبما أنّ الكمال واحد وغير متعدّد، لذا وجب، في حال عروجه الكمالي، تكثُّف هذا الحب في إنسان واحد/ة. نقول: إنسان ـ أي بتجاوز النّوع، بينما في حالة الرّجل يمكن أن يكون المرأة والعكس صحيح، مع قبوله لتجلّيات أخرى، فيها ما هو أعلى روحانيّةً أو أدنى. ومناط الإحساس بعظمة الحبّ هو ذلك الإحساس بالوحدانيّة، أي انتفاء التّعدّديّة عبر معايشة التّعدّديّة نفسها، ومن ثمّ تجاوزها بمعايشة الإحساس بالوحدانيّة. وهذا لا علاقة له بالتّوحّد، أي أن يكون الفرد يعاني من وحدة solitude وعزلة عن الآخرين، وإلاّ كان التّوحّد لازماً وشرطاً لتحقّق الوحدانيّة. انظر إلى إيريك فروم يقول: “فإذا حدث لإثنين يكونان غريبين ـ شأننا جميعاً ـ أن سمحا فجأةً للحائط بينهما أن يسقط، وشعرا بالقربى، شعرا بأنّهما أصبحا شخصاً واحداً، فإنّ هذه اللجظة الخاصّة بالشّعور بالواحديّة هي من أشدّ التّجارب في الحياة ضخّاً للبهجة والإثارة. تكون هذه التّجربة باعثة أكثر للدّهشة والإعجاز بالنّسبة للأشخاص المنعزلين المتوحّدين الذين بلا حبّ. وهذه الأعجوبة الخاصّة بالصّميميّة الفجائيّة غالباً ما تكون أمراً سهلاً إذا ما اقترنت أو صدرت بجاذبيّة وتحقّق جنسي” (إيريك فروم، 2000: 13).

يشي هذا بالطّبيعة الجدليّة للحبّ، من حيث ابتدائه بالتّعدّديّة، ومن ثمّ قدرته على تحقيق الواحدانيّة. والسّعي إلى تحقيق هذه الوجدانيّة هي الشّوق الأزلي المركّب في بنية الإنسان، كونه جُبل على العشق في الجبِلّة الأولى، ولهذا عقل الإنسانُ اللهَ على أنّ الأخير محبّة. وليس أصدق في هذا من إيريك فروم نفسه عندما يقول بأنّ “… أيّ نظريّة عن الحبّ يجب أن تبدأ بنظريّة عن الإنسان، نظريّة الوجود الإنساني” (المرجع السّابق: 19). بهذا يكون الحبّ تحقيقاً للذّات بما معناه تحقيقاً للوحدانيّة في درجة من درجات الوعي تكون فيها الثّانيّة من الزّمان بمقدار الدّقائق وربّما أكثر، ولا يتحقّق هذا التّجاوز للجسد إلاّ بالجسد نفسه، فانظر وتأمّل! وهذا ربّما مصدر ومنبع السّعادة واللذّة!

إذن، تكمن جدليّة الحبّ في أنّ الإنسان موزّع ما بين تحقيق هذه الوحدانيّة، حيث يحقّق استقلاليّته الكاملة، وبين تعلّقه بالآخر المنفصل عنه بالجسد، المتّصل به بالحبّ، وهو هنا الحبيب بدءاً، ثمّ الطّبيعة وكلّ ما هو مادّي خارج إطاره الشّخصي انتهاءً. وهذا هو مردّ حالة القلق والخوف والإحساس بالإحباط التي قد يعاني منها الإنسان في حال توحّده، أي في سجن ذاته، داخل ذاته المتعيّنة بوصفه فلاناً بن فلان ذا الهيئة كذا وكذا من شبه وخلافه. في هذا يمثّل الحبُّ له حالة تتحقّق فيها وحدانيّته تناقضيّاً، كونها تتأتّى عبر الاتّحاد مع آخر، بينما يكمن الرّوحي في العمليّة كلّها أنّها تُلمّ بطرفٍ من الاتّحاد مع ذات. ومن هنا تجيء ذاتيّة الحبّ، في كونه قابلاً لكلّ تجليّات المطلق، وكذلك كونه قابلاً لكلّ تجليّات المحدود. فقصّة حب حقيقيّة وعميقة قد تُفضي بالحبيبين إلى استشراف عالم المطلق (وهذا ممّا يصعب تقديم مثال له)، وقد تزلّ عن الصّراط الرّوحي لتنتهي إلى مجرّد “زيجة” يسعى فيها الزّوجان إلى تحقيق أكبر قدر من الاحتيازات المادّيّة.

ولكن، كيفما كان انتهاء حالة الحبّ، لا جدال في أنّه (أي الحبّ أو العشق) ينبع من أعمق تلافيف النّفس المظلمة، محتملةً معها كمّاً هائلاً يفوق الحصر أو التّصوّر من الإسقاطات. وهذا ما يمكن تسميته بالمزعجات والأصوات النّشاذ في موسيقى الحبّ الصّافية. ثمّ ما إن يخرج الحبّ إلى الحياة الدّنيا من أعمق تلافيف النّفس وهو تئزُّ فيه الأصوات المبهمة وتتراقص فيه ظلال الأشباح، أشباح النّفس المجهولة، حتّى يُضاف إليه قدر آخر كبير من المعوّقات المادّيّة؛ إذ يلزم عليه أنّ يبدأ من الرّفث والطّين، أي من الجسد، وذلك بضرورة عبوره من خلال الجنس. ولكنّه، مع كلّ هذا، قادر على أن يتسامى إلى حالات شعوريّة سامقة تمثّل الذّروة وتكون بمثابة نافذة إلى عالم روحي مخفي عنّا بحجاب وسُدَف الجسد. وليست حالة الذّروة الجنسيّة سوى لحظة روحيّة عالية التّكثيف، فيها يتمّ تجاوز الجسد، فتنتاب الإنسان نشوة تعطّل عقله إذ تُضيء جنبات الرّوح، والفوزُ كلُّ الفوز أن يستطيع الإنسان تملّي تلك اللحظة واستحضارها، وهيهات، إلاّ من رحم ربّي. وما حالة السُّكر، أكان ذلك بالخمر أم بالمخدّرات، إلاّ حيلة بها يسعى الإنسان لاستعادة تلك اللحظة، فلا يستعيد منها إلاّ نشوة تهاويم euphoria انفصال الوعي المباشر عن الوعي غير المباشر. وفي الحقِّ، لا يأتي التّديّن المتحنّث إلاّ لتحقيق هذه اللحظة الرّوحانيّة التّامّة التي تنجح بها الرّوح في تحقيق استقلاليّتها الكاملة عن الجسد. وما تذبذب الرّاهب المتحنّث إلاّ تقلّبه بين جاذبيّة الرّوح وشدّها له للانعتاق من الجسد، وجاذبيّة الأرض وشدّها له لاعتقاله في الجسد.

الحبّ والجنس عبر مؤسّسة الزّواج

يختلف الحبّ تماماً عن مؤسّسة الزّواج، ذلك كون الأوّل مركّباً في الجبِلّة، بينما الثّاني من اختراعات الإنسان. ولكن كون الزّواج من اختراع الإنسان لا يعني بدعيّته، وبالتّالي تناقص أهليّته في إيفاء الحبّ مكانته. فمؤسّسة الزّواج قد اخترعها الإنسان، ضمن وظائف أخرى عديدة، بغرض بناء سياج متين حول الحبّ بحيث تؤدّي وظيفة حفظ النّوع. ولهذا تتجاوز وظيفة مؤسّسة الزّواج الحبَّ، إذ يمكن أن يكون هناك زواج بلا حبّ، كما يمكن أن يكون هناك حبّ بلا زواج. ومع هذا، فالحبُّ أكبر وأوسع مدىً من مؤسّسة الزّواج، كونه قادراً على الاستقلال بمؤسّسة الزّواج عن وظائفها الأوّليّة تحقيقاً لاتّحاد شخصيّتين عبره كيما تكونا شخصيّةً واحدة، وهيهات. ويكون الجنسُ هو مدخل الحبّ لتحقّق هذا، عندما يكتشف الإنسان روحانيّة الجنس واصطراعه الجدليّ كونه معتقل بالجسد.

الحبّ، في غالب مجتمعاتنا السّودانيّة الآخذة بأسباب حداثة المراكز الحضريّة، لا يشكّل أيّ مؤسّسة، أللهمّ إلاّ في المجتمعات التي تتمكّن من تحقيق ذاتها في هذا الشّأن بدرجة كبيرة. وهذا ما نلحظه في المجتمعات التي تعيش درجة من الحرّيّة الاجتماعيّة الكبيرة، بحيث يكون أمام الحبّ كلّ الفرص المتاحة للتّبلور في مؤسّسة تحكم كيفيّة نشوئه، تعبيراً واكتشافاً، رفضاً أو قبولاً، ثمّ في تدرّجه وصولاً إلى أقصى درجة من العروج فيها تتحقّق هذه الوحدانيّة التي أشرنا إليها. وليس أيسر من أن يضرب المرء مثلاً بالمجتمعات الغربيّة في هذا الشّأن، إلاّ أنّ ما يعيب هذا التّمأسس institutionalization كون الحبّ فيها يقوم على الجسدانيّة الأنثويّة، وذلك بفضل محدّدات الثّقافة الليبراليّة البرجوازيّة. لكن ما لا مغالطة فيه أنّ هناك مؤسّسةً ما يمكن تلمّسها. لكن هذا التّمأسس بطريقة بنّاءة يمكن تلمّسه في المجتمعات التي عادةً ما كانت توصم بأنّها مجتمعات بدائيّة ومتخلّفة؛ فهذه المجتمعات، كما خلص إلى ذلك علم الأنثربولوجيا في مرحلة ما بعد النّظريّات العرقيّة البالية، تعيش حالةً من الانسجام بين الذّاتي والموضوعي، المادّي والرّوحي، الأرضي والسّماوي، وبالتّالي الوصول إلى أكبر درجة من تحقيق الذّات. ولكن، حتّى في هذه المجتمعات، تعجز المؤسّسيّة عن اعتقال الحبّ وتوجيهه وفق حرائك مؤسّسيّة بعينها، كون الحبّ حالة تجلّي ذاتيّة صرفة. ولهذا تَلاحظَ أنّ الحبّ الحقيقي تحكمه الظّروف الشّخصيّة الذّاتيّة بين إثنين فقط، إذا دخل بينهما ثالث ربّما أدّى هذا إلى انتفائه من أصله.  في هذا تختلف مؤسّسة الزّواج كلّيّاً، في كونها لا تقبل إلاّ أن تكون مؤسّسة. وبما أنّ الزّواج في أشدّ حالاته الاختزاليّة ليس سوى تشريع اجتماعي لممارسة الجنس دونما ملامة من أحد، يجيء التّساؤل عن المعوّقات التي تحول دون أن يكون هذا الجنس الممارس في الزّواج قائماً على الحبّ.

إذا كان فعلاً ينبغي للجنس أن يقوم على الحبّ وأن يأتي بوصفه تعبيراً عن الحبّ. فلماذا لا يحدث هذا يا تُرى؟ من منهما، الرّجل أم المرأة، يتحمّل المسئوليّة عن هذا النّكوص؟ في رأي الكثيرين أنّ مقاربة الجنس كتعبير عن العاطفة أرسخ عند المرأة ممّا عليه الحال عند الرّجل. فالجنس يرتبط بشدّة في نفسيّة psyche المرأة بالأمومة والحنان. ولهذا تكون المرأة أكثر قابليّة في مقاربة الجنس عبر العاطفة. ويمكن أن نلاحظ حزمة السّلوكيّات الاجتماعيّة التي يقوم فيها الرّجل بمضايفة المرأة ممّا يُعدُّ إظهاراً لكرمه في سبيل كسب ودّها، وهذه عاطفة. وفي بعض الأحيان يُنظر إلى هذه الحزم السّلوكيّة على أنّها جزء من مقدّمات الحبّ بعامّةٍ والجنس بخاصّةٍ، ولا شيء أوغلُ في الخطأ من هذا، وإن كان هناك اعتلاق لا ننفيه مع مُضغة مؤسّسة البغاء حسبما سيأتي أدناه. فدفع مقابل مادّي لنيل المرأة قد نشأ في أصله من هذه المؤسّسة. فهذا السّلوك في مصادره الأولى ربّما لا يعدو كونه مجرّد رشوة عاطفيّة لكسب المرأة عبر شرائها. ما نُريد قولَه هو إنّ هذه الحزم السّلوكيّة ليست مجرّد تكتيكات وألاعيب تشترطُها المرأة كجزء من لُعبة التّمنّع، فلا يكون على الرّجل غير أن يركب موجتَها ريثما يُخضعها. فهذه الحزم السّلوكيّة جزء أصيل من وعي المرأة بالجنس، كونها تستند في أساسها على العاطفة، فتسعى المرأة لتجعل منها تعبيراً عن العاطفة أيضاً. وبما أنّ الرّجل، في الغالب الأعمّ، غير معني بهذه التّطويلات والمماطلات، لا يبقى أمامَه إلاّ الانصياع من باب المناورة في أغلب الأحيان. وغّنّما لهذا ـ قدرة المرأة في تشكيل سلوكيّات الرّجل عبر العاطفة ـ يتمّ التّعويل عليها في صنع الحداثة إذا هي نفسها تحرّرت من ربقة الدّونيّة التي ألجأها إليها الرّجل.

ولكن ماذا عن مؤسّسة الزّواج؟ أين موقُعها من هذه العمليّة القائمة على العنف الفعلي والعنف الرّمزي؟ في الواقع لم تسلم هذه المؤسّسة بدورها من آثار هذا العنف الذي من المقرّر له أن ينتهي إلى حالة يتمّ فيها إخضاع المرأة للرّجل. فهناك تعدّد الزّوجات من جانب الرّجل، بينما لا يجوز هذا للمرأة. ثمّ هناك للرّجل ما ملكت أيمانُه، بينما لا تملك المرأة هذا الحقّ حتّى لو ملكت لها عبداً، أي ما يدخل في دائرة ما ملكت أيمانُها بإعمال المنطق والقسط. حكى ابن كثير في تفسيره (1999، مجلّد رقم 5، ص.ص. 462-463، مقتبساً في: أُلفة يوسف، 2009: 130) أنّ امرأةً في زمن عمر بن الخطّاب ضاجعت عبداً لها بهذا الفهم، فأحضروهما لعمر، فقالت له: ’تأوّلتُ آيةً من كتاب الله (﴿إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانُهم﴾ [المؤمنون: 23])‘، فهمّ بهما، فقال له النّاس: ’لقد تأوّلت الآيةَ على غير وجهها!‘ فأمسك عنها، لكنّه أقبل على العبد المغلوب على أمره، فجزّ رأسَه، ومن ثمّ قال للمرأة: ’أنت بعده حرامٌ على كلّ مسلم‘. قد يتساءل البعض أنّه إذا كان هذا ما حدث من عمر العادل، فما بالك بالآخرين. إلاّ أنّنا ننظر إلى المسألة من زاوية أخرى هي حرمان المرأة من حقّ أن تنظر في الفقه من زاوية أنثويّة. فما قامت به، في الواقع، يفتح باباً كبيراً في الفقه منظوراً إليه من زاوية النّوع. فلو كانت المرأة لا تزال تسيطر على المجتمع كما كان الحال في عصور المجتمعات الأموميّة، عندها ربّما كانت انعكست الآية، فإذا بالرّجل يصدر عليه حكم النّساء بأن يحرُم على أيّ امرأة كونه تجاسر على تأويل القرآن. إذ ليس هناك أيّ أساس فقهي استند عليه عمرُ في جزّ رأسَ العبد، ولا ذاك الذي حكم به على المرأة أن تُحرم على الرّجال ما عاشت لتأوّلِها تلك الآية. إن هذا إلاّ حمية ذكوريّة فقط من المتوقّع أن يأتي بها غالب الرّجال. وجميع هذا يرتبط بمفهوم الرّجل للزّواج من حيث استناده على مضاجعة المرأة مع إخضاعها، أي تميّزه عليها وليس حرمانها في المقابل فحسب، بل الرّضى بذلك بوصف ذلك ممّا قسمه لها الله. من هذا واقعيّة وحقيقية أنّ المرأة هي التي تعنس، أي “تبور” إذ لا تجد رجلاً يختارُها زوجةً. هذا مع أنّه قلّ أن توجد حالة “بار” فيها الرّجل بأن سعى إلى الزّواج وطلبه، ثمّ لم يجد من تختارُه زوجاً لها. وعلى هذا، لا نُخرج الزّواج، في عمومه وغالبه، من دائرة الممارسات الإخضاعيّة التي مارسها الرّجل، ولا يزال يمارسها، لتكريس إخضاع المرأة.

عبر هذه العلاقات الإخضاعيّة المعقّدة يتشكّل الوعي الأنثوي عند المرأة والوعي الذّكوري عند الرّجل. وهو وعي في كليهما يتمّ تنزيلُه مادّيّاً على الجسد ليتركّز ويتكثّف فيه، ولكن بتجاوز كبير جدّاً للعمليّة الجنسيّة، وبدرجة أعلى عند المرأة ممّا عليه الحال عند الرّجل. أيّ أنّ المرأة لا تقضي سحابة يومها وحياتها وهي مهجوسة بالعمليّة الجنسيّة، كما لو كانت مجرّد طاحونة جنسيّة. هذا بينما معدّل تهجّس الرّجل بالعمليّة الجنسيّة أعلى بمراحل لا تُقاس عمّا عليه حال المرأة. ولهذا أمكن للمرأة أن تمارس الجنس دون الإحساس بأيّ رغبة فيه، بينما المتواتر أنّه لا يمكن للرّجل أن يمارس الجنس، ثمّ ينهض دون أن يكون قد بلغ الذّروة البيولوجيّة عزوفاً عن الجنس. من المؤكّد أنّ المرأة تقضي حياتها، صباحها ومساءها، وهي ممتلئة بوعيها الأنثوي، ولكن دون هاجس بالعمليّة الجنسيّة يشغل عليها بالَها بالضّرورة، ويُشوّش عليها تفكيرها كما عليه الحال عند أغلب الرّجال. وما تصوّر الأمر كما لو كان بخلاف هذا إلاّ نوعاً من الإسقاط يعكس تسلّط الرّجل وقهره للمرأة. فبينما قد تكون المرأةُ مشغولة بجسدها من حيث هو مركز إحساسها المادّي بجمالها وأنوثتها، لا تدور العمليّة الجنسيّة بخيالها بالضّرورة. حتّى عندما تنظر إلى أجساد الرّجال العارية (كما في المصارعة الحرّة بالتّلفزيون)، قد تنفعل بذلك دون أن يذهب بها تفكيرُها بالضّرورة إلى العمليّة الجنسيّة. فالمرأة في المجتمعات التي تمارس الختان قد ينتهي بها الأمر إلى درجة كبيرة من العجز عن الوصول إلى الذّروة في الجنس جرّاء تدمير أهمّ جزء في جهازها التّناسلي، ألا وهو البظر. ولكنّها مع هذا لا تعجز عن أن تُشبع نفسها بالجنس كحالة حميميّة من العاطفة والحنان بينها وبين زوجها (نوال السّعداوي، 1974). وليس هذا إلاّ لقدراته الخارقة في العطاء. لهذا من الخطأ أن يذهب فكرنا إلى أنّ المرأة تستحضر في ذهنها وضعيّة المجامعة متى ما رأت رجلاً تبدو عليه علايم الفحولة، مع كامل تحفّظنا على هذا الاستخدام لما في الأمر من نسبيّة. هذا على العكس من غالب الرّجال الأعمّ الذين يذهب فكرُهم مباشرةً إلى تصوّر وضع المجامعة في حال أن تقع أعينُهم على امرأة جميلة ذات جسد مثير جنسانيّاً (مع نسبيّة الإثارة بين مجتمع وآخر)، في تخيّلات إخضاعيّة غير بعيدة عن نزعات ساديّة كامنة. وفي المجتمعات التي تقوم على الفصل التّام بين المرأة والرّجل، قد تكون فكرة امرأة، بصرف النّظر عن جمالها من عدمه، كافية لإثارة الرّجل.

حدث تماهٍ كبير للمرأة في هذا الشّأن، بحيث لا ترى نفسها إلاّ عبر هذا المنظار الذّكوري الجنسي لجسدها وللحظة الذّروة الجنسيّة. فالمرأة ليس لها الحقّ في إظهار استمتاعها بالجنس حال مباشرته وإلاّ طالتها تُهمة اعتيادها على ممارسته من قبل، أو، على أقلّ تقدير، انعدام الحياء فيها. فالمفترس قد يستمتع بعمليّة افتراسه لضحيّته، لكن لا يجوز أن تجد الضّحيّة أيّ استمتاع في افتراس الآخرين لها، وإلاّ فوّتت بذلك على المفترس أكبر جانب في المتعة. ولهذا ينبغي للمرأة ألاّ يُفارقُها إحساسُها بأنّها، ممثّلةً في جسدها الأنثوي، ليست سوى مشروع افتراس وحشي، وأوّل علايم هذا الافتراس النّظرة النّهمة الممتلئة بالشّبق التي قد يحدجُها بها الرّجل. وليس أيسر من ملاحظ درجة التّماهي الكبير التي حدثت للمرأة في هذا الشّأن. فقد تمّ رصد حالات كثيرة لفتيات سودانيّات ممّن لفّهُنّ شتات الهجرة إلى بلدان الغرب، إذ عانين كثيراً إبّان سنوات تغريبتهنّ من أنْ لا أحد يلتفت لهنّ في حال غدوّهنّ ورواحهنّ كيفما كان ما يلبسنه. فهؤلاء قد تعوّدنّ على نظرة الرّجال الذّكوريّة النّهمة، الشّبِقة، لأجسادهنّ ممّا عليه الحال في المجتمعات التي تخضع لذكوريّة الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بوسط وشمال السّودان. هذا بينما أوّل ما لاحظنه فور قدومهنّ إلى الغرب ذلك التّحرّر المطلق، التّحرّر من نظرة الذّكور الشّبِقة، النّهِمة. فهنّ قد تماهين في تلك الثّقافة الذّكوريّة بحيث لم يعدن قادرات على استعقال أنوثتهنّ من غيرها.

لا نعني بقولنا هذا إنّ المجتمعات الغربيّة قد بلغت الشّأو المنشود في تحقيق العدالة النّوعيّة، هذا دون أن نُنكر تفوّقَها في العديد من أوجه السّلوك. فمجتمعات الغرب محكومة بالنّظام الرّأسمالي الذي يعامل الإنسان كما لو كان آلة من شأنها أن تعمل بما يزيد من الإنتاج بما يزيد من تراكم رأس المال. ويتمّ النّظر إلى المرأة من هذا المنظور، ولهذا يُستغلّ جسدُها كمصدر للإمتاع الجنسي أبشع استغلال في سبيل تشجيع الشّراء. فإذا أضفنا إلى هذا الليبراليّة باعتبارها المُحلِّل الأخلاقي لأيِّ سلوك فردي ولو كان انحلاليّاً (مع التّحفّظ على أيّ إطلاق لمفهوم الانحلال)، أمكننا هذا من تكوين صورة واضحة. فالمرأةُ في المجتمعات الغربيّة، وفق الثّقافة الليبراليّة الرّأسماليّة، ليست سوى جسد مثير للدّافع الجنسي بفعاليّة يمكن استغلالُها اقتصاديّاً. ولكن هذا التّهجّس يتمّ في إطار تجريدي، عبر لوحات وصفحات الإعلانات، بينما يُحرِّم القانون، وبالتّالي ثقافة الشّارع بصورة عامّة، التّحرّش الجنسي ويعتبره من الكبائر.

إذن، فالغرب أيضاً مهجّس بالجنس، مثلُه في ذلك كمثل المجتمعات الشّرقيّة، مع الاختلاف. فتهجّس الغرب الرّأسمالي الليبرالي بالمرأة كجسد هو نفس التّهجّس الذي عليه واقع الحال في المجتمعات الشّرقيّة (العربيّة والإسلاميّة خاصّةً) مع فرق كيفي واحد؛ ففي الغرب التّهجّس بالمكشوف overt بدرجة ليبراليّة فضائحيّة، بينما التّهجّس في الشّرق بالمدسوس covert، بدرجة تحريميّة فضائحيّة أيضاً. وهذا، باتّفاق مع ميشيل فوكو (1998 [1976])، يشير إلى أنّ ما يبدو على أنّه قهر للنّفس بكبح الجماح الجنسي وطاقته الحيويّة، ما هو في الواقع غير مزيد من التّورّط في الوعي الجنساني، وبالتّالي في الجنس.

يُشير كلّ هذا إلى محوريّة جسد المرأة في الوعي الجنساني وفي الثّقافة الجنسيّة للمجتمعات، غلوّاً واشتطاطاً، أو تفهّماً واعتدالاً. وفي الحقيقة، ليس جسد المرأة فحسب، بل الجسد بعموم بما يشمل الرّجل. فنظرة عابرة لموضوع مثل الموضة سوف تُظهر أنّ جسد الإنسان هو مناط أيّ سلوك يصبح كتقليعة وموضة. عليه، ليست الأنثى وحدها التي تهتمّ بجسدها وتجعله محور اهتمامها؛ فالرّجل يجري عليه ما يجري على الأنثى بهذا الخصوص.

الزّواج وتكتيكات مؤسّسة البغاء

في هذه الجزئيّة نريد أن نبيّن كيف تستقلّ الأشياء عن بواعثها الأولى لتعبّر عن قيم أسمى. فتحقيق الإنسان لإنسانيّته لا يكمن في أن يجترح المكرمات المحضة فحسب، بل أن يعمد إلى جميع سلوكيّاته الرّخيصة التي تمأسست وتقولبت، فيستقلّ بهذه القوالب السّلوكيّة عن بواعثها الأولى ليعبّر من خلالها عن قيم سامية. ولهذا سوف نتناول مؤسّستين يبدو كألاّ علاقة تجمع بينهما، ألا هما الزّواج والبغاء. ولا نزعم بأنّا سوف نأتي بفصل القول في هذا الموضوع الشّائك، المشتجر، بل إن هي إلاّ إضاءات خافتة نأمل أن تلفت النّظر إلى بعض معميّات السّلوك الإنساني المعقّد.

ولكن، ما هو البغاء؟ دعونا هنا نقدّم له تعريفاً واسعاً، فنقول بأنّ “البغاء هو استخدام الجسد البشري، بوصفه أداةً للإثارة والإشباع الجنسي، في سبيل جمع المال”. في هذا تدخل جميع الإعلانات التي تستخدم جسد الإنسان ـ وبخاصّةٍ جسد المرأة ـ كمحفّز للبيع والشّراء. وهذا باب كبير في إدانة الفكر الرّأسمالي الليبرالي في الغرب؛ فبقدر ما وجدت المرأة هناك قدراً وافراً من حرّيتها، بقدر ما وجد ممارسو البغاء الليبراليّون حرّيّة أكبر أيضاً في توظيف الجسد البشري لجمع واكتناز المال. يعتبر البغاء أكبر هزيمة تاريخيّة ألحقها الرّجل بالمرأة كون البغاء يجرّدها من إنسانيّتها ليعيدها إلى خانة الحيوانات حيث تشيع العموميّة الجنسيّة. بجانب هذا، يحوّل البغاء المرأة إلى متاع بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ. إذ به تصبح المرأة شيئاً مادّيّاً، وليس جوهراً روحياّ لتجلّيات مادّيّة. فهذا التّشْيِيء للمرأة هو الذي سمح بأن تُشترى وتُمتلك، ثمّ تشييؤها كآلة وظيفتها جلب المتعة الحسّيّة. وفي هذا لا يختلف البغاء كثيراً عن الرّقّ، إذ بينهما اعتلاق كبير لا مجال للخوض فيه الآن. كما تعتلق النّزعة للامتلاك مع الرّدّة والنّكوص إلى خانة العموميّة الجنسيّة الحيوانيّة عند الرّجل. وهذا هو نفسه جانب من السّبب في عدم تجريد الرّجل من مكانته بوصفه مشاركاً أصيلاً للمرأة في عمليّة البغاء، كونه مشتري المتعة وصاحب الفكرة (الخطّة)، أي الفاعل، وهو نفسه السّبب في عدم تعيير الرّجل لمجامعته أكبر قدر من النّساء، إذ قد يزيد من مخايل الرّجولة والفخار (في المرحلة الأبويّة الحيوانيّة)، بينما يحيق العار بالمرأة وحدها. وهو أيضاً السّبب وراء تجريد أيّ ذكر يُفعل به إرسالاً، أو يمارس البغاء الذّكوري ببيع جسده كمصدر للمتعة الحسّيّة مقابل المال، من مخايل الرّجولة.

ما يعنينا في هذا الصّدد أنّه قد تمّ تطبيع جوانب كثيرة في مؤسّسة البغاء فيما بعد، وذلك بإعلائها sublimation عبر العديد من المؤسّسات الاجتماعيّة الضّروريّة للمجتمع، وتأتي مؤسّسة الزّواج التّقليدي على رأسها. فالزّواج، في أحد أهمّ شروطه، يقوم على دفع مال مقابل التّمتّع شرعيّاً بالمرأة. و”شرعيّاً” هذه تعني هنا بموافقة ومباركة المجتمع، بما في ذلك قرابة المرأة والرّجل معاً. وهذا هو المهر. وحتّى في المجتمعات التي يدفع فيها أهل العروس المهر لأهل العريس، يجوز النّظر إليها على أنّها  أوغل في الوضعيّة الدّونيّة للمرأة إلى درجة لا تستحقّ معها الشّراء أو أن يُدفع لها، بل عليها أن تدفع كيما يُستمتع بها، وهكذا تُضطرّ إلى دفع قيمة شرائها. ولعلّ أكثر ما أزرى بمؤسّسة الزّواج الالتباس الذي حدث لها في مرحلةٍ ما من تاريخها مع إجراءات مؤسّسة البغاء في منظومة القيم الجماليّة التي تكتنف العمليّة الاجتماعيّة وتحكم علاقات النّوع قرباً وابتعاداً، بذلاً وتمنّعاً، قبل أن يعمد الإنسان إلى تحقيق استقلاليّتها. فالعفّة كقيمة جماليّة قد التبست بشرط مؤسّسة البغاء في ألاّ تمنح المرأة جسدها إلاّ بعد الدّفع. ولتطبيع هذا الإجراء جاءت طقوس الاحتفال تدشيناً لبدء مرحلة العفّة المحضة، وذلك بعد الزّواج، إذ لا يمكن تزوّج المرأة مرّة أخرى في ظلّ رباطها الزّوجي، كما لا مجال لمجامعتها بنفحها بدرةً من المال إلاّ أن يكون الأمر بغاءً صريحاً، ولو لم يُعترف به، كأن تُعَمّى هذه الدّعارة بأوراق المبرّرات ومحاولات إلباسها أشكالاً مختلفة من التّبريرات. ولكن، مع كلّ هذا، لا تزال  مؤسّسة الزّواج تستند في حرائكها العمليّة على مؤسّسة البغاء. فانكفاء المرأة في المنزل وتحوّلها من ثمّ إلى ربّة بيت (أي خادمة مجّانيّة وبلا أجر)، بالإضافة إلى كونها آلة للمتعة الجنسيّة، يقوم في أساسه على ما دفعه الرّجل من مال ابتداءً. وما الاكتفاء الذي قد تجده المرأة من خدمتها المنزليّة وتربيتها لأطفالها، ممّا قد تعزّي به نفسها، سوى مخدّرات شعوريّة تكرّست عبر القرون إلى أن أصبحت بدرجة عالية من الاعتياديّة. فقد ثبت أنّ المرأة التي تخرج إلى العمل، فتقوم بأود نفسها، لا يقلّ إحساسُها بالاكتفاء من رفيقتها حبيسة الخدمة المنزليّة. قد تُشير الملاحظة الدّقيقة إلى تطابق التّكتيكات في ضبط العلاقة بين مؤسّسة الزّواج من جانب ومؤسّسة البغاء من الجانب الآخر. فعجز الرّجل عن الإيفاء بواجباته الاقتصاديّة، أو واجباته السّريريّة، قد يكون سبباً كافياً لفصم عرى العلاقة، وإلغاء عمليّة البيع والشّراء التي تكون أكثر سفوراً ووضوحاً في حالة البغاء. وقد تدقّ وتشفّ هذه التّكتيكات في مؤسّسة الزّواج حتّى ربّما تصعب ملاحظتها.

تقوم كلا العمليّتين، الزّواج والبغاء، على غبينة تاريخيّة تقبع في أعمق تلافيف النّفس البشريّة مردّها إلى قهر الرّجل التّاريخي للمرأة. وهذه كأوضح ما تكون في حالة البغاء، مع دقّتها في حالة الزّواج بانحباسها في اللاشعور. فالانتقال من المجتمع الأمومي (حيث كانت المرأة هي ربّة الأسرة) إلى المجتمع الأبوي (حيث أصبح الرّجل هو ربّ الأسرة) ينطوي على مرارات وغباين بعمر تاريخ البشريّة. وقد تخرج هذه الأحاسيس إلى السّطح في حالة الزّواج، بل قد تكون تحت بشرة الأحاسيس الرّقيقة، الرّهيفة، مباشرةً في حالة البغاء. إذ ليس أشرّ من تشْييء الإنسان، ومن ثمّ بيعه وشرائه. وهذا هو معتلق البغاء مع الرّق، كما نوّهنا أعلاه. وليس أبقى من آثار هذه العمليّة مهما كرّت عليها الأيّام ومرّت عليها السِّنون والقرون. ولهذا طوّرت المرأة مركّباً سلوكيّاً تعويضيّاً، أي به تستعيض عن احترامها لنفسها الذي انتهكه استرقاق الرّجل لها بشرائها. يكمن هذا المركّب في تحسيس الرّجل باستمرار بأنّه لم يدفع ما يكفي مقابل منحها له نفسها. ينطوي هذا السّلوك على تناقض ماحق؛ فهي بهذا كما لو كانت تريد شراء الرّجل بما دفعه من مال بحجّة عدم الكفاية.

وفي الرّأي عندنا، تكمن تقليديّة مؤسّسة الزّواج ومجافاتها للحداثة في استصحاب هذه التّكتيكات التي تنزّلت في بعدها الوظيفي، وذلك منذ أزمانٍ سحيقة، من مؤسّسة البغاء الأولى التي استرقّ فيه الرّجل امرأته بشرائها. بالطّبع ليس المطلوب الآن تدمير مؤسّسة الزّواج بسبب هذا، وإلاّ باء المجتمع بخسرانٍ مبين. ففي سبيل تحقيق الأصالة والمعاصرة ينبغي الانطلاق في الزّواج من وعي رفيع بهذه الإشكاليّة، الأمر الذي عبره يمكن أن نستقلّ بطقوس الزّواج من دوافعها الأولى وملتباستها الاستحقاريّة. ولا شكّ أن هناك حالات تخرج عن الحصر، تمكّن فيها أصحابُها من تحقيق هذه الاستقلاليّة ضربة لازبٍ. ولكن غالب هذه الحالات ذاتيّة، لم تتحوّل بعد إلى رؤية موضوعيّة يكون بمقدورها مناقشتها، وبالتّالي ترفيعُها من حيّز الوعي غير المباشر إلى حيّز الوعي المباشر؛ أي بما من شأنه أن يرسم لنا خارطة طريق يكون في مقدور الأجيال القادمة اتّباعها فلا يضلّون عن مشارع الهداية النّوعيّة والرّشاد.