ماهر أبوجوخ خلال دردشة مع الزميل بمهمنة المتاعب ابراهيم عبد الغفار بصحيفة (الخرطوم) مساء امس السبت 28 سبتمبر، على (الفيس بوك) شبهت له وضع الحكومة حالياً بالمرأة القبيحة التي اعتادت على اخفاء قبحها خلف المساحيق التجميلية ولكنها في يوم ما بسبب الاستعجال والارتباك خرجت من منزلها دون وضعها لتلك المساحيق فتفاجأت بتغيير نظرات الناس المحيطين بها واختلاف تعاملهم معها وحينما عادت لمنزلها اكتشفت السر بأنها نست في يومها ذلك وضع المساحيق التي اعتادت على وضعها ويومها اصبحت مشكلتها الحقيقية بأنها لو حرصت على وضع تلك المساحيق مجدداً فستكون عديمة الفائدة لأن الجميع اكتشف شكلها الحقيقي .

ظلت الحكومة تقدم وتسوق نفسها لقاطني وسط البلاد –تحديداً المنطقة الجغرافية التي تعرف باسم مثلث حمدي (سنار- كردفان- الشمالية)- بوصفها خط الدفاع الاساسي والاخير عنهم ضد استهداف مجموعات الهامش الذين يسعون لسبي نسائهم وقتلهم وابادتهم بدماء باردة في الشوارع وهذا ما جعل من هذا الحيز الجغرافي ليس منطقة نفوذ استرايجي يعتمد النظام على ولائها ويعد بمثابة عمقه الاساسي ولكن تمت صياغة الاستراتجية الامنية والسياسية بعيدة المدى قائمة على تحييد هذا المحور من أي تحركات مناهضة للحكومة بوصفها المدافع الاول عنهم وحامي حماهم ضد نازلات الزمان القادمات من الهوامش .

تفاجأت الحكومة بحالة التفاعل التي انتظمت هذا المحور الذي ظلت تراهن على خموله بتحركه بشكل غير مسبوق او متوقع في التظاهرات الاخيرة بسبب تردي الاوضاع الاقتصادية نتيجة لعدم اقتنع المواطنين بمبرارات زيادة اسعار المحروقات والسلع وتحميلهم تبعات الفشل الاقتصادي والسياسي للحكومة وهذا الامر دفع النظام للجوء للخطة (ب) للتعامل مع الاحداث المتوقعة بإخماد التحركات الشعبية باستخدام العنف تجاه المتظاهرين بقصد تخويفهم واجبارهم على التراجع من الاستمرار فيها واكمال السيطرة على الاوضاع. وقبل بداية التظاهرات وضح أن التقديرات والتحليلات الحكومية كانت تراهن على محدوية وضعف تأثير تلك التظاهرات وسهولة السيطرة عليها نتيجة لغياب القيادة السياسية لها ولتغطية عملية القمع العنيف لها تم توظيف أو اختلاق التخريب الذي صاحبها –صحيح ان هناك شواهد ومؤشرات تجعل تلك العمليات التخريبية مشكوك في عشوئيتها لكن في ظل انعدام الدليل الملموس الذي يثبت هذه الجزئية سنتعامل مع أي من هذيين الخيارين لاستخلاص النتيجة النهائية- لايجاد مسوغ لاستخدام العنف المفرط تجاه المتظاهرين لردعهم وتخويفهم والمراهنة على تراجعهم حيال ذلك العنف وعدم تكرارهم للتجربة مرة ثانية والمراهنة على حسم الجولة في غضون 48 ساعة بالكثير ثم اكتملت الحلقة بالسيطرة على حجم المعلومات المتدفقة للاجهزة الاعلامية المحلية والخارجية عبر العديد من القيود التي فرضت عليها.

اربكت كثافة التظاهرات واندلاعها في احياء متعددة بالعاصمة واستمرارها رغم العنف الذي جوبهت به الخطط الحكومية –وفي لحظة تحرك غريزة البقاء تلك تم نسيان وضع المكياج على الوجه مما ادي لظهوره بشكله الحقيقي والطبيعي- فبات التفكير الاساسي منصب على السيطرة على الاوضاع فتم استخدام العنف المفرط بكيفية تشبه لحد ما -وإن كان بأقل حدة وعنفاً- في اماكن سابقة بمناطق النزاع بتوجيه الرصاص المباشر صوب المدنيين وحينها تجلت لحظة الحقيقة فالنظام الذي كان يقدم نفسها مدافعاً عن قاطني مناطق المثلث وحامي لهم من (ابادة) اصقاع البلاد الاخرى كان يوجه البنادق صوب رؤاسهم وصدورهم وتجاوز عدد القتلي خلال تظاهرات يومي الثلاثاء والاربعاء بالعاصمة الـ 100 قتيل وهو رقم يفوق مجموع شهداء أي من ثورتي اكتوبر 1964م وابريل 1985م اللتين استمرتا لايام مقارنة بحصيلة 48 ساعة فقط .

اكشتف النظام لاحقاً أنه بات في ورطة ولذلك سارع لتبرير ذلك العنف بالقول انه اضطر له لمواجهة اعمال تخريب من قبل “مخربين” بغرض حماية الممتلكات العامة والخاصة ولاحقاً ارتبكت تلك الرواية باخرى اصبحت محل تندر وسخرية قطاع عريض من السودانيين حينما قال وزير الاعلام د.احمد بلال أن العدد الكبير من القتلي ناتج عن قيام المواطنين بالدفاع عن انفسهم وممتلكاتهم ضد المخربين فاردوهم قتلي –قانونياً تحتاج مسألة القتل دفاعاً عن النفس للاثبات امام المحكمة لاقرارها واعتمادها وهي لا تترك لتقدير المواطنين أو تبيحها الدولة وتطلقها بدون ضوابط- اما على المستوي الشعبي فإن الدعاية الرسمية التي رددها منسوبي ومساندي النظام اعتمدت على تصوير تلك التظاهرات باعتبارها (تخريب وسلب ونهب) وصولاً للنتيجة المطلوبة (القتلي هم مجموعة لصوص وسارقين و”شماشة” وحاقدين على المجتمع .. الخ) وتزامن ذلك مع تعبئة خطب صلاة الجمعة بعدد كبير من المساجد للسير في ذات المضمار (رفض اعمال التخريب-عدم جواز الخروج على الحاكم المسلم والاكتفاء بنصحه) بغرض عرقلة الدعوات للتظاهر يوم الجمعة 27 سبتمبر في ما خرج عدد من الائمة عن هذا المسار وجاهروا برفضهم قتل المتظاهرين في ما انتقد بعضهم الاجراءات الاقتصادية نفسها باعتبارها تحمل المواطنين فوق طاقتهم .

شهدت العاصمة تظاهرات شعبية حاشدة يوم الجمعة 27 سبتمبر بشكل اثبت فشل الحملة المضادة مما ارباك حسابات النظام وتسبب ليس في عدم وضعه لمكياج الوجه مرة اخرى وإما لنسيانه لطاقم الاسنان الصناعية هذه المرة ، فالتظاهرات السلمية الخالية من (التخريب) جوبهت بقمع وعنف شديدين وهو ما اهال التراب على التبريرات السابقة للجوء للعنف بغرض السيطرة على التخريب والتي باتت بمثابة (كلمة حق اريد بها باطل) لتظهر حقيقة تجاعيد وجه النظام الخالي من المساحيق بالوقوف وجهاً لوجه (امام سلطة قتلتهم بدم بارد) ثم ترددت على مسامعهم تبريرات لما شاهدوه لتفسير كيف قتل اولئك المتظاهرين العزل على شاكلة (الذخيرة المستخدمة لقتل المتظاهرين غير مستخدمة بالسودان “نافع”، المتظاهرين قتلوا بواسطة جهات مجهولة يستخدمون سيارات مجهولة “الشرطة”، احد المتظاهرين اختطف سلاح احد الجنود واطلق الرصاص على رأسه “قطبي المهدي” .. الخ).

دعونا نتجاوز حالة الارتباك في التصريحات والتبريرات والتناقضات المتصلة بوقائع مقتل المتظاهرين يوم الجمعة 27 سبتمبر ونقفز على تحول منطق النظام من خانة “تبريره” استخدام العنف بغرض مواجهة (المخربين) لمحاولة التبرء منه في المرة الثانية عبر اللجوء لاتهام “جهات مجهولة” تارة و”الجبهة الثورية” تارة اخرى وغيرها للغوص مع تلك التبريرات بغية الوصول للكنز المفقود بغرض العثور على المفتاح الذي سيجاوب على السؤال اسحرى “ما هو هدف الحكومة من حملة التبريرات تلك؟”.

عند فتحنا لصندوق الكنز المفقود سنجد أن الهدف “محاولة الحفاظ على عمقها الاستراتيجي من التهتك الذي تسببت فيه ممارستها” وهذا يقودنا بشكل مباشر لتفسير ورود (الجبهة الثورية) هنا باعتبار أن اثبات هذه الجزئية سيترتب عليه اعادة اطراف المعادلة السابقة –قبل تداعيات مقتل المتظاهرين في سبتمبر 2013م- بجعل النظام مستمر بذات صورته السابقة (حامي حمى قاطني المثلث)، وفي ذات السياق فإن ما ورد بمذكرة القيادات الاسلامية التي وقع عليها 31 من القيادات الاسلامية التي تسلميها للرئيس البشير لا تتحرك بعيداً عن هذه الجزئية المحورية من خلال مطالبتها بـ”تعويض اسر الضحايا وفتح تحقيق حول الاحداث ومحاسبة المتهمين” باعتبار ان هذا الاجراء يمثل معالجة واجبة ولازمة لحالة التهتك التي اعترت هذا العمق الاستراتيجي. من الضروري الاشارة هنا إلي أن الاجراء الاول الخاص بتعويض اسر الضحايا هو امر جائز الحدوث، أما الشق الثاني الخاص بالتحقيقات حول الاحداث فيمكن أن تعلن الحكومة الشروع فيها شكلياً ولكن توجد كوابح وموانع تحول دون بلوغها لنهايتها ابرزها أن المرؤسيين سيشهدون على رؤسائهم ويصعب تحديد النهاية التي ستقف فيها القائمة وبالتالي فإن تشكيل مثل تلك اللجنة قد يفضي لتهدئة مؤقتة إلا أن نتائج فشلها -شبه المؤكد- على المدي البيعد أبسبب افتقاراها للشفافية وعدم توصلها لنتائج مقنعة لذوي الضحايا تؤدي لمحاكمة قتلة المتظاهرين سيترتب عليها نتائج اكثر سلبية وسينتج عنها احتقان ينتظر انفجاره في اول منعطف مستقبلي لن يستطيع احد التكهن بما سيعقبه من احداث او نتائج.

سيبقي الأمر اكثر افزاعاً لقيادات النظام الحاكم الحالية بأن التداعيات المترتبة على مقتل ما يزيد عن الـ100 متظاهر بالعاصمة وحدها وصدمتها يسترتب عليها تغيير في العديد من القيم والمفاهيم الاجتماعية التي كانت تكفل لهم التحرك الامن وسط ذلك النسيج استناداً إلي أن حدة خلافاتها الداخلية فيه –حسب وجهة نظرها- لا تتجاوز الحيز السياسي في ما يشاطرونهم ذات المخاوف والهواجس تجاه بقية المجموعات التي تصنف نفسها كـ(هامش) في مواجهتهما –حاكمين ومعارضين أو الذين (بين بين)- وهو امر يجعل القواسم مشتركة بغض النظر عن اتفاقهما او اختلافهما السياسي، لكن في اعقاب التعامل الدموي والقمع العنيف لتظاهرات سبتمبر وما خلصت لها بمصرع اكثر من 100 متظاهر في العاصمة وحدها فإن النتيجة المتوقعة هي نمو مرارات واحتقانات حيال المجموعة الحاكمة الحالية جراء تحميلهم مسؤولية مقتل العزل في التظاهرات الاخيرة وهذا يجعل النظام محاصر بدائرة احتقانات اضافية تتسم عن سابقاتها بأنها داخل محيطه ونسيجها الاجتماعي الملاصق له وسيترتب على هذا الامر زيادة التحوطات والمحاذير الامنية الوقائية وهو تحول بخلاف تدعياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية سيكون لديه تأثيرته النفسية باعتبارهم باتوا يفتقدون للامن والطمأنينة حتي وسط مركز وجودهم وثقلهم الاجتماعي وعشيرتهم ولاقربين اليهم.

مما سبق يمكننا القول إلي أن تظاهرات سبتمبر 2013م وتداعياته هي اشبه بهزة ارضية ضربت هيكل النظام الحاكم قد تؤدي لانهياره أو يتمكن من الخروج منها سالماً لكنه حتى في حالة عدم تعرضه للانهيار فسيتجاوز مرحلة الخطر مؤقتاً فهيكله المنصوب والذي يبدو للناظرين له من الخارج قوي ومتماسك تعرضت دعائمه لاضرار بليغة نتيجة لتلك الهزة ومع معاودات الزلازل مجدداً أو تعرضه لهزة ارتدادية سنجد أن الهيكل يتهاوي ويتهشم ويتمدد على الأرض جراء حالة التصدع التي اصابت ركائزه الداخلية خلال الهزة السابقة.