د. جمعة كندة كومى في الحلقة الأولى إستعرضنا كيف بدأت ثورة السلطان عجبنا في ديسمبر عام 1916م، وأوردنا العمليات والمواجهات التي تمت بين ثوار البطل عجبنا وجيش الحكومة الإستعمارية والتي تكبدت خسائر كبيرة رغم تفوقها في العتاد والقدرات العسكرية. ولقد أجبرت قوة وبسالة ثوار السلطان عجبنا قوات الحكومة في التراجع وتأجيل عملياتها إلي ما بعد الخريف لتبدأ حينها العمليات الكبرى وهي موضوع هذه الحلقة.

– إستعداد الطرفين للعمليات الكبرى فى صيف 1917

بنهاية الخريف في إكتوبر 1917م، كان البطل عجبنا وقواته في قمة الإستعداد النفسي والمعنوي لمواجهة جيش الحكومة. وبحكم زعامته لمجموعة الأما بجبالها السبعه (سلارا، تندية، الفوس، كاكار، كليرا، تنل، وحجر سلطان)، إستطاع سلطان عجبنا من حشد أعداد كبيرة من المقاتلين ومن خلفهم جموع الشعب بأكمله. ولقد إنخرط مع السلطان عجبنا معظم زعماء تلك المجموعات بما فيها الزعيم الكجور كيلكون زعيم جبل أوردية. بعد الخريف مباشرة بدأت قوات الحكومة في تطويق هذه المناطق بسياج متين من الزرائب الشوكية، ومن خلفها تمركزت حشود من قوات الحكومة مدعومة بقذائف المدفعية الموجهة نحو الجبال. وتهدف الخطة إلي قطع الإمداد خاصة الماء من قوات عجبنا، وفي نفس الوقت تم منع تسلل قواته إلي مناطق آخري. وكان هدف جيش الحكومة أن يقوم السلطان عجبنا بتسليم نفسة دون قتال. وتتكون قوة الجيش المهاجمة من 36 ضابط بريطاني، و118 ضابط مصري، و3059 جندي ورتب آخرى، و298 حصاناً، و548 بغل، و1319 جمل، و 249 ثور، و737 حمار. وكل هذه الحيوانات محملة بالمؤن والعتاد، بجانب عدد 8 عربة كروسلى و8 عربة فورد و4 عربة اسعاف 

 2- وصف العمليات الرئيسة

في نوفمبر 1917م يتم تنفيذ العمليات في ثلاث محاور وبشكل متزامن .فكان واضحاً أن مصادر المياه كان واحد من نقاط التي يتمركز حوله العمليات لمحاولة كل طرف السيطرة عليها .وفي 25 نوفمبر 1917م                     

السلطان عجبنا لحظات قبل تسليم نفسه

تقدمت قوة الحكومة وإحتلت آبار ومصادر المياه في منطقة توتو، وهي منطقة إستراتيجية أتاحت لقوة الحكومة وضعاً هجومياً أفضل، ليزداد الخناق علي السلطان عجبنا، مع منع قواته من التسلسل أثناء الليل الدامس. ولقد تم منعهم بإستخدام كل أنواع الإضاءة المتوفرة ليتحول المنطقة إلي نهار من شدة قوة وديمومة الإضاءة حول الزرائب طوال الليل حتى الصباح. وتشير الوثيقة إلي مشاركة القوات الصديقة Friendlies  من بعض قبائل البقارة والنوبة في مساندة قوات الحكومة ضد قوات السلطان عجبنا! تقول الوثيقة  أن فرسانا تحت قيادة البمباشى انكتل – جونز قد أبلوا بلاءاً حسناً في شن غارات علي ثوار النوبة وقراهم حيث تم اسر أعداد منهم، والإستيلاء علي البنادق والأبقار.

“The Baggara horses, under Bimbashi Anketell-Jones, performed good service in raiding parties of the Nubas who filtering back into the northern hills, where a number of prisoners, rifles and cattle were captured”.

3- أسر وإعدام البطل عجبنا ورئيس هيئة أركانه الكجور كليكون

في يومي 27 و28 ديسمبر 1917م وأثناء العمليات إستطاعت الإستخبارات الحصول علي معلومات بوجود السلطان عجبنا ومعه أحد أبنائه ورئيس هيئة أركانه الكجور كليكون في المنطقة الحدودية بين تندية وسلارا. بناءا على ذلك وتم عمل خطة بواسطة الضابط السياسي في العملية البمباشي سي مارشال وبالتعاون مع نمرا مك تندية الذى كان معاونا مع قوات الحكومة لمراقبة تحركات البطل عجبنا ليتم القبض عليه .

وبعد معارك شرسة والتي إستمرت لأكثر من ثلاثة شهور (أكتوبر- نوفمبر – ديسمبر) إستطاعت قوات الحكومة من إقتحام معقل السلطان عجبنا، وأخيرا تم أسره هو ومعاونيه عدا أحد ابنائه الذي أستطاع الهرب يوم 28 ديسمبر 1917م. بعد ذلك تم تسليمه للقائد البمباشي ميلن والذي قام فوراً بالحكم عليه بالإعدام رميا ميدانياً في قريته سليكون وذلك يوم 30 ديسمبر 1917م. وفي اليوم التالي 30 ديسمبر 1917م تم تنفيذ الحكم بالاعدام شنقاً حتي الموت للبطل السلطان عجبنا وقائد أركان جيشه كليكون، وذلك وسط أهله وعشيرته، وبحضور قسري لعدد من الزعماء النوبه الأهليين ليأخذوا العظة والدرس لكل من تسول له نفسة بمواجهة الحكومة.

 السلطان عجبنا وكليكون بعد اسرهما فى انتظار الإعدام

وبالرغم من إعدامه إتضح أن جزوة الثوره لم تنطفي لدى الأما بسبب إعدام قائدهم. بل إستمروا في المقاومة  في يوم 1/1/1918م مباشرة أى فى اليوم التالى من إعدام السلطان عجبنا. واصل الثوار المقاومة من قريته التي أعدم فيه فهاجمتها قوه كبيرة وحولت القرية إلي رماد كامل لاحياة فيها غير الأحياء من الأسرى معظمهم من الأطفال والنساء والعجزة، ومع ذلك إستمر القتال حتي يوم 5 يناير 1918م عندما إستسلم عدد من قوات عجبنا بمن فيهم عمه أرشين وأخيه مالى وابنه أحمد ، حيث تم أسرهم وإبعادهم مباشرة إلي مديرية بربر في شمال السوادن.

“On the 5th February , the followers of Agabna and his relatives including his uncle IRESHEIN , his brother ALI, and his son AHMED, surrendered to the inspector at jebel Ordia on handing in their rifles they were sent to Dilling for  transportation to Berber Province”

إستمرت الثورة، وكلما أخمدوها في جبل ما قامت في جبل أخر، حيث إنتقلت هذة المره إلي سلارا مرة أخري. وفي معركة سلارا حاول قوات السلطان عجبنا كسر الطوق المحكم إلا أنهم واجهوا نيراناً كثيفاً من قوات الحكومة مما أدي الي إستشهاد خمسون بطلاً في الحال وجرح وأسر العشرات منهم. بنهاية العملية كانت قري بأكملها قد تحولت إلي ركام والآف الجثث لأسر كاملة في كهوف الجبال، إما بضربات المدفعية أو الموت بالجوع والعطش أو الإثنين معاً. ولتأكد من عدم وجود أحياء في الكهوف من خلفهم قامت قوات الجيش الحكومي بإستخدام قنابل داخل هذه الكهوف لتأكيد مقتل أي كأئن كان داخل هذه الكهوف.

“The zareba line had therefore to be held, while every effort was made by the use of smoke bombs, and by firing into the caves, to dislodge them”

وتشير الوثيقة إلي أن أكثر من 800 من ثوار قد قتلوا في المعارك المختلفة بينما تم أسر حوالى2000 شخص في معركة سلارا وحدها. وتختم الوثيقة بتقرير عن حجم الخسائر من الطرفين حيث تم أسر أكثر من 4000 من قوات النوبه ومعها 1132 راس من الأبقار و20 حصان وكميات كبيرة من البهائم الأخرى والإستيلاء على 700 قطعة سلاح من الممرطون وأبو جقرة. وتشيد الوثيقة على لسان قائد العمليات إلى شجاعة وبسالة النوبة في هذه المعارك. وأنهم لايستسلمون أبداً، ولايتركون موتاهم من خلفهم مهما كانت التضحيات. وفي الختام أورد قائد العملية في التقرير حجم الخسائر من جانب قوات الحكومة وهي علي النحو الآتي: قتل إتنين ضابط بريطاني وإتنين ضابط مصري و31 من الرتب الأخري، و12 من القوات الصديقة، بإجمالي 43 قتيلاً، مقابل جرح 2 ضابط مصري و9 من الرتب الأخري و20 جريحاً من الرتب الأخرى باجمالي 112جريحاً.

ختاما نقول، إستناداً على هذه الحقائق التأريخية الهامة، والتى يجب أن يفتخر بها كل سودانى، يتبادر الى ذهني وذهن القارئ عدة اسئلة: ما الذي جعل هذه الأحداث الكبيرة وشخصيات بكل هذه البطولات والجسارة بأن تكون خارج أضواء تاريخ  السودان فى مناهضة الإستمار؟ أليس من حق الشعب السوداني أن يعرف كل هذه التفاصيل الدقيقة والهامة عن شخصيات وأحداث لعبت دوراً كبيراً في طرد المستعمر وتحقيق الإستقلال؟ على من تقع المسؤلية اليوم في تسليط الضوء على هذه الوثائق الهامة؟ أليس هذا جزء أصيل ومحورى من مسؤلية ومؤسساتنا القومية والحكومات الوطنية المتعاقبة حتى اليوم؟ أليس جمع إرث ووثائق تاريخ السودان وعكسها للأجيال المختلفة من خلال الإعلام والتربية والتعليم الثقافة والحركة السياسية والمدنية في السودان مسؤلية وطنية من الدرجة الأولى، خاصة فى بلد ما يزال يبحث عن موقعه بين الأمم؟

ولنا عودة