محمّد جلال أحمد هاشم التّوازن النّوعي ما بين الإعالة والاستقلاليّة ترتفع، ظاهريّاً، في المجتمعات السّودانيّة التّقليديّة التي تهيمن عليها الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة درجة اعتماد dependency المرأة على الرّجل بطريقة تكرّس لهيمنة الرّجل عليها.

كما يمكن الزّعم بأنّ درجة اعتماد الرّجل على المرأة لا تقلّ بالرّغم من تبطينها بمجموعة من القيم الرّجوليّة والعقابيّة التي سوف نشرح جانباً منها؛ إلاّ أنّ هذه الدّرجة من الإعالة تفعل فعلها بطريقة لا تؤدّي إلى تحسيس الرّجل بتفوّق المرأة عليه. يبدأ الإنسان حياته بدرجة كاملة الإعالة؛ فالطّفل عند الإنسان، بخلاف ما عليه الحال عند الحيوانات، لا محالة هالك إذا لم يجد من يرعاه لعدّة سنوات. ثمّ يتطوّر الإنسان ويترقّى في مضمار تحرّره من دركات هذه الإعالة، مستشرفاً درجاتٍ عليا في الاستقلاليّة. ويأتي عليه حينٌ من الدّهر فإذا هو لا يطيق الحياةَ مع والديه وأسرته تحت سقف واحد، فيسعى إلى أن يختطّ له حياةً لوحده. هذا الابتعاد الجسدي من الآخر، بما في ذلك الأمّ التي لم يكن يستطيع غناءً عنها في طفولته وصباه، وهي التي كانت تقوم بكلّ شئون رعايته أكلاً وشرباً، وصحّةً، ثمّ نظافةً. وقد يبلغ الإنسان (ذكراً كان أم أنثى) حدّاً لا يستطيع معه احتمال رائحة جسد الآخر، أكانت ظاهريّة أم باطنيّة، فيشعر بالتقزّز والقرف. كما قد لا يحتمل فكرة ارتداء ملابس الآخرين مهما كانت صلة القرابة أو الصّداقة. ولكنّه، مع كلّ هذا، يحتمل إخراج فضلاته في وهلاتها الأولى، بينما قد لا يطيق رائحتها إذا ما مرّت فترة، أي إذا اكتملت له درجة كافية من الاستقلال عنها، إذ كانت تخالط بواطن جسده. فإذا كان هذا هو حاله مع فضلاته، فلك أن تتصوّر سلوكه مع فضلات الآخرين.

يلعب مفهوم الاستقلاليّة، بهذا الشّكل، دوراً ذا شأن خطير بخصوص العلاقة النّوعيّة وجدليّة الجنس. فالأعضاء التّناسليّة التي بدونها لا يمكن تصوّر الجنس بين شخصين، هي نفسها الأعضاء التي عبرها يتخلّص الإنسان من بعض فضلاته. ولهذا لا غرو أن جاء مكانها كجزء من أعضاء الفضلات جميعاً. ولهذا أيضاً تلاحظ استشعار المرء بالقرف والتّقزّز إزاءها. وتكمن الجدليّة في أنّ المرء يكون مشدوداً إليها من جانب، ومتقزّزاً منها في الجانب الآخر. فالمرء (ودعونا نتحدّث عن الرّجل هنا بحكم كونه المبادر في الغالب الأعمّ) الذي تطغى عليه غرائزه الجنسيّة، قد يكون مستعدّاً لمضاجعة أيّ أنثى يصادفها. ولكنّه ما إن يفرغ من الإنزال حتّى يعتريه إحساس آخر طاغٍ بالقرف والتّقزّز. وهذا نفسه ما قد يكون من حال المرأة في وضع مماثل. إلاّ أنّ حرائك التّربية الجنسيّة التّقليديّة في السّودان، تنشيء المرأة على أن تتقبّل نفور الزّوج منها بمجرّد فراغه من مضاجعتها؛ وعادةً ما تكون هناك نصائح بالابتعاد عنه مباشرةً بعد الفراغ من العمليّة الجنسيّة رحمةً به. ولكن كلّ هذا يتغيّر في حال الحبّ، وهو نفسه الحبّ الذي يجعل الأمّ لا تحسّ بالقرف والتّقزّز من تنظيف أطفالها. فالرّجل (بوصفه نموذجاً أوضح، مع اشتمال الظّاهرة على المرأة أيضاً)، في حال طغيان شهوته الجنسيّة، يكون أكثر استعداداً للتخلّي عن استقلاليّته، ولكن إلى حين. إلاّ أنّه في حالة الحبّ والعشق، يتجاوز هذا الموقف التّنازلي عن استقلاليّته بأن يكون أكثر من مستعدٍّ، أي أن يكون محتاجاً للآخر بدرجة يشعر بأنّ شخصيّته لا ولن تكتمل إلاّ بالالتحام بالآخر، أي بالمحبوب. في هذه الحالة الجدليّة العالية، يصبح الآخر مكمّلاً للشّخصيّة؛ أي أنّ الشّخصيّة تكون في حال نقصان، وما ابتعادها عن الآخر سوى تمثّل لاستقلاليّة متوهّمة. بهذا لا تصبح شخصيّة الآخر مكمِّلة فحسب، بل شرطاً لازماً لتحقيق الاستقلاليّة. عند هذا الحدّ من التّماهي، أو الاتّحاد، لا مكان للإحساس بالقرف أو بالتّقزّز.

ما قلناه أعلاه ليس سوى تصوير نظري، إذ لا يحدث بمثل هذا التّرتيب عادةً، بل يتراوح العاشقان بين الدّرجتين والدّركتين، علوّاً وهبوطاً. كما يكون للمعاشرة دور كبير في خلق حالة من الاعتياد جرّاء المقاربة المستمرّة، يمكن تقريبه بما ورد في الآية القرآنيّة ﴿ومن آياتِه أنْ خلَق لكُم من أنفُسِكِم أزواجاً لِتسكُنوا إليها﴾ [الرّوم: 21]. هذا فضلاً عن شبكة العلاقات الاجتماعيّة الأخرى التي تجعل من الزّواج شيئاً يتجاوز شرط الحبّ والعشق؛ فكثيراً ما ينكشف حجاب الزّواج عن أوهام المرحلة التي سبقته، دون أن نقول شيئاً عن الزّواج المدبّر أو الزّواج الذي يتمّ وفق معايير اجتماعيّة عامّة لا علاقة لها بالحبّ. فبمجرّد دخول الزّواج مرحلة أن يكون سكناً، أي التّعوّد على طبيعة شخص بعينها، وما ينجم عن ذلك من اعتماد متبادل، حتّى يدخل الزّواج مرحلة جديدة. فإذا أضفنا إلى هذا دخول أعضاء جدد إلى محيط الأسرة الصّغيرة (الأطفال)، وما يعنيه هذا من مباشرة لشبكة معقّدة من المسئوليّات، حتّى ينجرف الزّوجان مع خضمّ الأحداث الصّغيرة المتتابعة التي ربّما لا تنتهي إلاّ بانتهاء الحياة نفسها. فحبو الطّفل لأولى خطواته قد تكون حدثاً لا يملّ الزّوجان من الحديث عنه؛ وكذلك نطقه لأولى كلماته … وهكذا دواليك إلى أن يتخرّج ذلك الطّفل في الجامعة، وإلى أن يتزوّج، فتأتي مرحلة الأحفاد … إلخ.

لهذا، بعد الزّواج، عادةً ما ينبع حبّ من نوع مختلف، قوامه الاعتماد المتبادل interdependency، على أساس نفسي ومعنوي، أي ليس في سبيل تحقيق أيّ مشروع بخلاف حفظ النّوع. وهذه حالة بعيدة كلّ البعد من الاستقلاليّة التي كانت تشكّل الدّافع الخفي للإثنين. وهذه يمكن النّظر إليها باعتبارها مرحلة شديدة الخطورة في مجتمع معلّق بين الحداثة والتّقليديّة. فالزّوجان المغرقان في التّقليديّة ويعيشان حالة من الانصياع التّام لها باعتبار ذلك قمّة النُّجح الذي ليس بعده نُجح، لا يعانيان من أيّ شدّ وجذب. فالرّجل هو المسيطر تماماً هنا، وبتسليم تامّ من جانب المرأة. في مثل هذا الوضع لا يمكن الزّعم بأنّ هناك شخصيّتين، إذ هي شخصيّة واحدة بين فردين؛ ولذا لا تكون هناك مشاكل، إذ كيف يمكن أن يختلفا مع عدم توفّر شرط الاختلاف، ألا وهو وجود شخصين. فكلّ ما لدينا هنا فردان two individuals بشخصيّة واحدة هي شخصيّة الرّجل. فإذا قال الرّجل إنّه يُحبُّ الملوخيّة، استشعرت زوجته حبّاً مفاجئاً للملوخيّة ولو كانت تكرهها قبل ذلك؛ وإذا عاد الزّوج يوماً إلى المنزل وهو يسبّ ويلعن رجلاً آخر، متّهما له بأيّ جريرة، وأنّه قد خُذل فيه، تستشعر الزّوجة بكراهيّة طاغية إزاء هذا النّذل الذي أغضب زوجها، هذا ولو كانت تكنّ له من الحبّ والاحترام الكثير قبل هذا. ولكن الوضع جدّ مختلف في حالة الزّوجين الشّخصيّتين؛ وبخاصّةٍ الزّوجين اللذين يمثل الزّواج بالنّسبة لهما مرحلة من تحقيق الحداثة وتدشينها العملي.

ومع هذا، هناك علاقات زواج تتقاصر عن تحقيق هذه الدّرجة من الاستقلاليّة كونها مورّطة بدرجة كبيرة في الاعتماد المتبادل. مثلُ ذلك الزّواج النّاجم عن حالة من الحبّ والعشق في مجتمع تقليدي لا يعترف بحقّ المرأة في الحبّ والاختيار، كما لا يوافق على تزويج الرّجل من بنت يعشقها. ففي هذه الحالات تصبح العلاقة الزّوجيّة كحالة اعتماد متبادل، مقصّرةً بذلك عن حالات الاتّحاد العشقي الذي يمكن أن يكون مدخلاً واسعاً لتحقيق الاستقلاليّة باتّحاد نفسين مكمّلتين لبعضهما البعض. ذلك ربّما لأنّ العشق عندهما لم يكن مشروعاً إبداعيّا جماليّاً، بل مجرّد رغبة عارمة للاحتياز الإنساني؛ كأن يسعى الرّجل لاحتياز امرأة صاعقة الجمال والعكس بالعكس. فهو، إذن، ربّما يكون مشروعاً أنانيّاً، ذاتيّاً. وما نعنيه بالمشروع الإبداعي الجمالي هو أن تكون أرضيّة الالتقاء بين العاشقين، بجانب الإعجاب الشّكلاني، تحقيق مشروع خارج ذاتيهما (ما يمكن تسميته بالمشاريع العامّة التي تعنى بالقضايا الوجوديّة للإنسان بمعنى الكلمة). ذلك لأنّه يمكن في هذه الحالة أن يتمّ قياس الالتزام مقابل الخذلان. ولكن هذا يزيدنا تورّطاً في المسألة الجدليّة للحب؛ فالانشغال بالقضايا العامّة يعني، ضمن ما يعني، فقدان الاستقلاليّة كون العاشقين مرتبطين بعلاقات خارج ذاتيهما يقع عليها مناط اختبار نجاحهما في الحبّ واستمراريّته. وهذا يعكس المأزق الوجودي (بالمعنى الفلسفي) للإنسان المتمثّل في تراوحه بين نزعة الاستقلاليّة وتقاصره عنها. ولكن، كيفما كان الحال، تمثّل الحالة الأخيرة درجة عالية من الحبّ البنّاء، بما لا يتعارض مع السّعادة المستخلصة من تفاصيل المحافظة على النّوع، ثمّ إنجاز ما يجعل البشريّة مدينة للزّوجين جرّاء إنجازهما مشروعاً تستفيد منه بعد رحيلهما. فهي حالة لا تقوم على الاعتماد المشترك، بل على التّكامليّة المفضية إلى درجة ما من الاستقلاليّة المتّحدة بالعشق المحض.

هذا بينما تمثّل الحالة القائمة على الاعتماد المشترك، درجة كبيرة من الاعتياديّة المفقدة للاستقلاليّة. فمثلاً، قد تشعر المرأة التي خانها زوجُها (أكان ذلك عبر علاقة خارج مؤسّسة الزّواج أو عبرها، كأن يتزوّج بأخرى سرّاً أو جهراً) بأنّها غير قادرة على التّخلّي عنه، ولا تُطيق حياةً بغيره برغم فعلته التي تكون قد تركت جرحاً غائراً لا يندمل في نفسها. قد تشعر هذه المرأة بهذا برغم ما كانت تنظر إليه على أنّه درجة عالية من التّكامل والتّوازن بينهما، فضلاً عن عميق إحساسها باستقلاليّتها عنه. قد ينظر البعض لهذه الاعتماديّة، أو الإعالة النّفسيّة، على أنّها ليست سوى انهزاميّة؛ فالواجب في هذه الحالة أن تنفض هذه المرأة يدها من هذه العلاقة غير المتكافئة وتمضي في حال سبيلها، ذلك إذا كان لديها مشروع إبداعي خلاّق. بالطّبع قد يأخذ هذا السّلوك، الذي قد ينظر إليه البعض على أنّه انهزاميّة، عدّة أشكال تبريريّة، كأن تتحجّج بالأطفال، مراعاة مشاعر الأسرتين الكبيرتين … إلخ. ولكن السّبب وراء هذا في رأينا، ودون الخوض في إصدار حكم قاسٍ، قد يرجع إمّا لنزعة كامنة في المرأة لامتلاك الرّجل، أو لقابليّة داخليّة كبيرة للاستسلام لامتلاكه لها، أو لكلا السّببين معاً. أمّا في حالة الرّجل الذي تخونه زوجتُه، فالوضع أفضل باعتبار امتيازات الرّجل التّاريخيّة. فغضب الرّجل الدّاخلي على هذه المرأة (السّاقطة ـ انظر قوّة الأيديولوجيا الذّكوريّة!) يجد تبريرات أخلاقيّة يتعاطف معه فيها باقي المجتمع بما في ذلك قطاع المرأة نفسه. وقد يظنّ البعض أنّه لا مجال للمرأة كي تخون زوجها إلاّ بمضاجعة رجل آخر، وذلك بحكم امتناع زواجها من آخر طالما كانت متزوّجة. ولكن تبقى الحقيقة أنّه أمامها فرص كبيرة تبدأ بكُرهها غير المعبّر عنه لزوجها ونفورها منه، ثمّ تودّدها لشخص آخر إلى الاستئناس بفكرة أنّها قد أصبحت فعلاً تُحبّ شخصاً آخر. هذا جانب، ثمّ هناك جانب آخر، ألا وهو أن تكون العلاقة قائمة على الحبّ المتبادل دون أن تدخل بعد في مؤسّسة الزّواج؛ هنا قد لا يقع لوم كبير عليها، إمّا باعتبار ممنوعيّة العلاقة نفسها ابتداءً، أو، في حالة التّحرّر النسبي، تجويز هذا الفعل مع التّعاطف مع الرّجل (والعكس صحيح أيضاً).

في هذا سوف نركّز على العلاقة الزّوجيّة التّقليديّة باعتبار رسوخها في ثقافة المجتمع التّقليدي. في هذه الحالة قد يصبّ الرّجل جام غضبه، المسنود بغضب المجتمع كلّه، لا لشيء إلاّ لحقيقة انتهاك حقِّه التّاريخي في أن يكون هو الطّرف الممتلك والمستتبع للمرأة، وذلك مهما تشدّق باستنكاره لفعلة الخيانة. ففي مثل هذه الحالات (والتي تشمل كثيراً من المجتمعات الغربيّة أيضاً) لا يوجد ما يُثير غيرة الرّجل إلاّ إحساسُه بإمكانيّة أن تهجرَه المرأة تفضيلاً لرجل آخر. هذا يجعلنا نتناول موضوعة الغيرة ودورها الخطير في تشكيل العلاقة النّوعيّة.

 

مجتزء من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان