دارفور:التغيير الهجوم على بنك التضامن بمدينة نيالا ونهب أموال اليونيمد: من بين قادة الجنجويد ذائعي الصيت، يبرز اسم محمد عبدالله شرارة الملقب بدكروم بوصفه أشهر الذين عملوا بوضوح وبدون مواربة على تجاوز سلطات الحكومة السودانية

ممثلة في الحكومات الإقليمية بدارفور وفي القوات المسلحة والأمن والشرطة. ينتمي دكروم، أحد أكبر قادة الجنجويد بدارفور، إلى قبيلة الرزيقات (أولاد جنوب)، أي قبيلة الرزيقات السودانية وتعود أصولها إلى رزيقات الضعين (البقارة) بجنوب دارفور، إلا أنها نزحت إلى شمال دارفور حيث استبدلت البقر بالإبل وهذا ما قربها إلى الرزيقات الأبالة، أي تلك التي تربي الإبل مثل المحاميد والماهرية. بجانب الدور المنوط بقوات الجنجويد في ترويع وحرق القرى وتقتيل الأهالي من الهويات الأفريقية (الفور والمساليت تحديداً) بغرض إرغامها على مغادرة قراها لإحلال المجموعات العربية القادمة من خارج الحدود (تشاد، النيجر، ومالي بصورة أساسية)، أوكلت حكومة الخرطوم لدكروم مهمة أخرى لا تقل خطراً من الأولى. استغلت الأجهزة الأمنية السياسية دكروم في توجيه ضربات تأديبية للمجتمع الدولي باستهداف الأجانب (الأوربيين منهم خاصةً) المنتسبين للمنظمات الدولية العاملة بدارفور، أكان ذلك باختطافهم أو باستهداف مواكبهم ومقارهم بفتح النار عليها بغرض الترويع ثم بغرض الاستيلاء غير المشروع على المركبات والمعدات. ويعتبر دكروم المسئول الأول عن جميع عمليات الخطف والقتل التي تعرض لها منسوبو المنظمات الدولية، بما في ذلك عمليات النهب التي طالت آلياتهم ومعداتهم.

في بداية يوم 4/5/2012م قام دكروم عبر مجموعة مختارة من أتباعه بالتنسيق وتنفيذ الهجوم على بنك التضامن بنيالا وسرقة ما يقرب من نصف مليون دولار. كانت هذه الأموال محولة من الخرطوم من رئاسة البعثة الأممية والأفريقية لدارفورالمختصرة باسم اليونيميد UNIMID (United Nations & African Mission in Darfur) إلى حساب قواتها العاملة على حفظ السلام بدارفور. وقد تم الهجوم على موظفي البنك وهم يغادرون المصرف في اتجاههم لموقع البعثة الأممية بعربتين لاندكروزر. ألقت الحكومة القبض على 7 من المشاركين في عملية الهجوم والسرقة وفتحت ضدهم بلاغات (نمرة 18/50/2012م)، وبدأت معهم إجراءات التحقيق إلى أن اكتملت ضدهم الإجراءات بتقديمهم إلى المحاكمة. بمجرد القبض على جنوده، قام دكروم بتسجيل زيارة إلى القوات الأمنية ينيالا مطالباً بإطلاق سراح جنوده. لدى رفض قوات الأمن الانصياع لأوامره، قام بتهديدهم قائلاً بأنه سوف يقوم بإطلاق سراحهم بالقوة.

كان مقرراً للمحكمة أن تعقد جلسة النطق بالحكم في حق المتهمين في يوم 22/12/2012م. وكان من بين أشهر المتهمين كلٌّ من:

  1. 1.  إبراهيم سليمان آدم محمد           2. محمد التيجاني عيسى
  2. 3.  يعقوب الحاج التوم                  4. تيجاني قُجّة عقرب

وكان المتهمون قد أدينوا بموجب قانون مكافحة الإرهاب تحت المادة 5 (تقويض النظام العام) والمادة 6 (إثارة الحرب ضد الدولة).

في نفس يوم النطق بالحكم، جاء دكروم إلى مقر المحكمة ومعه قوة تتكون من 12 عربة رباعية الدفع مدججة بالسلاح ومدافع الدوشكا. أمام أعين قوات البوليس والأمن والجيش، دخل دكروم إلى المحكمة وانتزع المتهمين وهم يمثلون أمام القاضي (ياسر بخيت وهو من الخرطوم) الذي لم يحرك ساكناً. ثم زاد في إذلاله للحكومة بأن قام دكروم بنفسه بجلد القاضي أمام الجمهور أربعين جلدة (حد التعدي والاجتراء على أسياده الجنجويد حسبما نقل شهود عيان). حدث كل هذا والقوات النظامية عاجزة عن أن تحمي النظام أو القاضي المسكين (نُقل إلى الخرطوم وقد نشط هناك بدوره في جلد الفتيات والنساء اللائي لا يقمن بغطاء رؤوسهن). من ثم خرج دكروم وهو محاط بجنوده المدججين بالسلام وهو يصطحب المتهمين وسط التهليل والتكبير (حسبما جرت به العادة في ظل نظام الإنقاذ) ثم إطلاق النيران فرحةً وابتهاجاً. حدث هذا والحامية العسكرية للجيش السوداني تقع خلف مباني المحكمة مباشرةً، إلا أنها تصرفت وكأن الأمر لا يعنيها في شيء.

أطلق هذا الحادث بما ينطوي عليه من اجتراء وتحدي سافر للحكومة يد قوات دكروم خاصةً وجميع قوات الجنجويد عامةً حيث لم تصادفها سانحة للتقليل من هيبة الحكومة (الإقليمية والاتحادية معاً) ونهب المال العام والخاص، إلا واهتبلتها. وقد راعت قوات الجنجويد المختلفة في هذا مكانة بعضها البعض من حيث التسليح والعدد والعتاد. فكلما كبر عدد القوة وزاد حجم تسليحها، كلما تمادت في هجومها على قوات وممتلكات الحكومة. فبينما عمدت قوات حرس الحدود (الأفضل تسليحاً) على مهاجمة الأطواف الحكومية الرسمية غير مكترثة لأعلام السيادة التي ترفرف عليها، قامت قوات شرطة الظعن (الأقل تسليحاً) بتكثيف نقاط تفتيشها داخل وخارج الأحياء والقرى استهدافاً للعربات الحكومية التي كانت تطالبها بدفع إتاوات عالية مقابل تسريحها، وبدورها قامت قوات الدفاع الشعبي (الأضعف تسليحاً) بابتزاز أطواف الوفود الحكومية التي تحرسها لتجزل لها العطاء بوعد التفاني في الدفاع عنها. وقد نظرت جميع قوات الجنجويد إلى نهب الممتلكات الخاصة وإلحاق الأضرار الجسيمة بها على أنها مجرد أضرار جانبية ليست هي المقصودة في ذاتها. فقد تجاوزت قوات الجنجويد مراعاة الأملاك الخاصة زهيدة الثمن إلى أملاك الحكومة عالية الثمن. وقد كان نصيب قوات دكروم في هذه الهجمات المنظمة على ممتلكات الحكومة هو الأعلى نسبةً إلى أنها هي التي أطلقت يد الفوضى من عقالها. وقد بلغ بها الاجتراء حد أن قامت قوات دكروم بالهجوم على قافلة حكومية ونهب عدد 4 عربات رباعية الدفع تتبع إحداها لمعتمد محلية نِتّيقة. تبعاً لهذه الفوضى، بلغ تدهور الأمن درجة غير مسبوقة. فقد ظلت الحكومة، بشقيها المدني والعسكري، لأول مرة تعيش في رعب وخوف دائمين بالضبط كما ظل مواطنو دارفور يعيشون لأكثر من 15 عاماً.

ملابسات وتداعيات مقتل القائد دكروم:

أثارت هذه الانتهاكات حفيظة السلطات في الخرطوم، فما كان منها إلا أن انتدبت عدداً من ضباط الأمن الذين لا علاقة لهم بدارفور من حيث الخلفية الإثنية والمعرفة الفنية بالوضع المعقد للعمل هناك بغرض وضع حد لهذه الفوضى. جاء هؤلاء وهم لا يحملون أي ود أو احترام لإقليم في حجم دولة فرنسا. فهم جميعاً ينتمون لنفس عقلية المركز التي قامت بهندسة الحرب الأهلية في هذا الإقليم المنكوب. جاء هؤلاء إلى دارفور وهم مسلحون بنفس العنجهية التي جُبل عليها نظام الإنقاذ في الشمال إزاء سلمية المعارضة به. فهم لم يكونوا على وعي بطبيعة تسليح القبائل العربية ولا بنتائج هذا التسليح الوخيمة من حيث شعور هذه القبائل التي قدم أغلبها من خارج الحدود بهوان الوضع في السودان حكومةً وشعباً. لذا كان من الطبيعي أن ينظر أهل دارفور (السودانيون منهم والقادمون من خارج الحدود) إلى ضباط الأمن هؤلاء بوصفهم أجانب ولا يمثلون أي شيء خلاف حكومة الخرطوم التي تسببت لهم في جميع هذه المشاكل والأزمات.

قامت خطة القوات الأمنية على استهداف دكروم مبيتةً النية على قتله تأديباً لباقي قوات الجنجويد. فقد رأت أنها بقتله سوف تخيف باقي قادة الجنجويد من أن يقوموا بأي انتهاكات. شرعت القوات الأمنية في تتبع حركات دكروم الذي ظل بدوره يتنقل من مكان لآخر باستمرار بحكم طبيعة قيادته لقوات الجنجويد التي نشطت في السرقة والنهب وقطع الطريق. فقد بلغ به الغرور حداً لم يعد معه يشعر بقدرة الحكومة على إلحاق الأذى به حتى لو أرادت. في الساعة 10:30 من مساء الأربعاء 3/7/2013م دخل دكروم بعربته ذات الدفع الرباعي حي السكة حديد بنيالا يقوده سائقه وحرسه حيث اكترع له عدة “عبّارات” من المريسة (البيرة البلدية بالسودان) ومن ثم جاء خارجاً. وهو يعبر “مزلقان” قضيب السكة حديد، اعترضه طوف يتكون من قوات الأمن والجيش والاستخبارات العسكرية والشرطة. هنا كان ينبغي لدكروم (وكذلك لأي شخص آخر من المواطنين) أن يوقف سيارته ريثما يمر الطوف الأمني. إلا أن دكروم، مدفوعاً بانتفاخ ذاته وإحساسه بأنه فوق القانون، قام بعبور “مزلقان” السكة حديد بسرعة مستبقاً الطوف الأمني دون أن يتوقف. في عبوره تعرف عليه نقيب بجهاز الأمن، فقام بتنبيه إدارة الطوف الذي أسرع خلف دكروم وقام بإيقافه. عندما أوقف دكروم عربته، أمره النقيب أمن بالنزول من السيارة، فتحداه دكروم قائلاً باستنكار واستخفاف: “إنت بتسوَى شنو؟ أنا قدّام وزير داخليتك ما بمشي، خلّيك منّك إنت”، ثم رفع بندقيته ليضرب النقيب أمن، فما كان من أحد أفرد الطوف الأمني الشاهرين لسلاحهم إلا أن قام بفتح النار على دكروم فأرداه قتيلاً.

هناك رواية أخرى تحكي أن الذي دل قوات الأمن والجيش والشرطة على تحركات دكروم كان هو علي كوشيب (المطلوب من قبل محكمة الجنايات الدولية بلاهاي). كما تحكي نفس المصادرعن أن علي كوشيب نفسه قد شارك في إطلاق النار على دكروم. وقد تكشفت الأيام اللاحقة لمقتل دكروم عن حقيقة تدعم هذه الأخبار. فقد كانت العربة التي يقودها قد تعرضت بالفعل للنيران في حادثة مقتل دكروم. إلا أن قوات دكروم لم تشك في علي كوشيب الذي سارع بتقديم التعازي في مقتل دكروم في صبيحة أول يوم للوفاة وقد استقبله أهل وجنود دكروم بترحاب إعزازاً منهم لخطوته هذه.

قام حرس دكروم برفع جثته في عربته ومن ثم توجه بها للمستشفى ومنها مباشرةً إلى حيهم المسمى “الفلّوجة” بعد أن تيقنوا من موته. هناك قاموا بتعبئة قواتهم واتجهوا أولاً إلى منزل النقيب أمن واتخذوا مواقع استحكامية إلى حين عودته من ورديته الليلية. مع تباشير الفجر عاد النقيب أمن ليجد تلك القوة من الجنجويد في انتظاره حيث فتحت عليه النار وأردته قتيلاً في لحظته. وقد أعقبت مقتله استباحة تامة لمدينة نيالا ليومين متتاليين. ولم تهدأ الأوضاع إلا في اليوم الخامس بعد أن قام وزير الدفاع الفريق عبد الرحيم محمد حسين بزيارة سرية لم يعلن عنها لإرضاء قوات الجنجويد بنيالا. أخيراً قبلت قوات الجنجويد بتهدئة الأوضاع والانسحاب إلى قواعدها بعد أن دفع لهم وزير الدفاع مبلغ 4 مليون جنيه (أي ما يساوي 4 مليارات بالعملة القديمة) في شكل دية لمقتل دكروم. هذا بينما لم تقم الحكومة بدفع دية  ضابط الأمن الذي قتلته قوات دكروم دع عنك ديات المواطنين الأبرياء الذين قُتلوا أو حتى تعويضهم في ممتلكاتهم التي انتهبتها قوات الجنجويد في استباحتها للمدينة.

بمجرد خروجها من نيالا قامت قوات الجنجويد التابعة للقائد المقتول دكروم بتنفيذ واحدة من أسوأ المقاتل التي تعرضت لها القوات الدولية منذ حادثة ضرب القوات الأفريقية بحسكنيتة (1/10/2007) التي اتهمت فيها محكمة الجنيات الدولية بعض قيادات حركات دارفور. فقد اتهمت المحكمة الدولية كلاً من بحر أبو قردة (وزير الصحة الاتحادي حالياً، ثم برأته) ومحمد صالح جربو (الذي قتلته حركة العدل المساواة في يوم 19/4/2013م) الذين انشقا على حركة ىالعدل والمساواة. قامت قوات الجنجويد التابعة لدكروم بعمل كمين لقوات يونيميد الأفريقية بمكان اسمه “جَرُف” يقع بين نِتّيقة ومنواشي على الجنوب الغربي من الفاشر، تحديداً في “خور أبَّشِّي”. كان قوام تلك القوة الأفريقية يتكون من جنود تنزانيين، فقتل منهم على الفور 7 جنود بينما جُرح حوال 17 جندي. ومع كل هذا، لم تحرك الحكومة السودانية ساكناً. وقد قصد من تلك العملية تنبيه الحكومة السودانية إلى ما كانت قوات دكروم تقوم بعمله سابقاً وبتخطيط من حكومة الخرطوم من حيث استهداف القوات الدولية.