د.عمر القراي  بينما سجل أبناؤنا، وبناتنا، أروع صور البطولة، ورفعوا رأس السودان عالياً بين شعوب الأرض، ومهروا الثورة الفتية، بدمائهم الزكية، وكتبوا سطراً جديداً، من العزة والخلود، في تاريخ هذا الشعب الأبي،

نرى ايضاً على الساحة السودانية، صوراً بغيضة، من التخاذل المخزي، والتهاون المزري، ومناصرة القتلة، والدفاع عن من سفكوا دماء الابرياء !!

لقد استمعنا للإستاذ علي السيد، ممثلاً للحزب الاتحادي الأصل، في قناة ال (آي. ان. ان) فقال ان لجنة الحزب قررت بالاجماع الخروج من النظام، لأنه قتل الشعب السوداني، ولأنه أخلف العهود التي قطعها مع حزبهم، حين رضوا بمشاركته في السلطة .. ورغم ان اللجنة العليا التي تتكون من حوالي ثلاثين عضواً، قد اتخذت هذا القرار بالإجماع، إلا أنهم لن يستطيعوا الخروج من الحكومة، ما لم يوافق رئيس الحزب السيد محمد عثمان الميرغني !! وهم منذ ان رفعوا قرارهم لسيادته، ينتظرون رده، ولم يجئ ذلك الرد، الذي ينتظره الشعب السوداني أيضاً بما فيه أسر الشهداء !! والسيد محمد عثمان الميرغني لا يجيب لجنة حزبه، ويتلكأ في الرد عليهم، وينظر الى المظاهرات في الشارع، من موقعه خارج البلاد.. فإذا إزدادت، وعمت جميع المدن، وشعر بعجز النظام عن ايقافها، ودنوه من الزوال، وافق على انسحاب حزبه من الحكومة !! أما اذا نجح القتل المتطرف، وانتصر الاخوان المسلمون، واسكتوا صوت المعارضة، لم ينسحب من الحكومة، واقنع اتباعه، بأن الوضع كما هو فلا داعي للانسحاب !! والسؤال الذي يواجه الاستاذ علي السيد، وامثاله من المثقفين في الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، هو ماذا لو رفض السيد محمد عثمان الميرغني الخروج من النظام ؟! هل سيصمتوا على ما جرى من تقتيل، واهدار لدماء هؤلاء الشباب، ويستمروا في مشاركة القتلة في الحكم ؟!

أما السيد الصادق المهدي، فموقفه اسوأ، لأنه اتسم بالمخادعة والتذبذب، فهو لم يشارك بحزبه في حكومة الاخوان المسلمين، ولكنه شارك بما هو أعز عليه من حزبه، شارك بولديه !! ثم رفض مطالبة الجبهة الثورية باسقاط النظام، ودعا بدلاً عن ذلك إلى اصلاحه !! وحين اشتدت المظاهرات، وشارك فيها شباب حزب الأمة، دعاهم لتهدأة الوضع !! وحاول تصفية الثورة، بطرحه لما أسماه المقاومة السلمية، عن طريق فكرة “تذكرة” اسقاط النظام بالتوقيعات !! ثم زعم أنه سيدعو الى الإعتصام بالميادين في المستقبل !! وكان هدفه من كل هذه المراوغة، أن يقدم خدمة جليلة لحكومة الاخوان المسلمين، ويشارك مع إبنه في مساعدة رئيس الجمهورية !! ويظل في نفس الوقت، زعيماً للمعارضة، مستعداً للحكم، متى ما قدم الشباب عدداً من الشهداء كافياً لإسقاط حكومة الاخوان المسلمين !! لماذا لم يقد السيد الصادق المهدي المظاهرات، التي خرجت من مسجد السيد عبد الرحمن المهدي ؟! لماذا لم يدع ولديه للخروج من النظام، الذي قتل أكثر من 200 سوداني في أربعة أيام، وأعتقل وعذب أكثر من 2000 من المواطنين، من ضمنهم بعض شباب حزب الأمة ؟! إن كلا الميرغني والمهدي، ينتظران هؤلاء الشباب ليضحوا بأرواحهم، ويطيحوا بالنظام، وحين يسقط النظام، يهرعا ليحكموا باسم الجماهير، التي خذلوا ثورتها !! ولو حكموا لمارسوا الفشل الذي أدمنوه، وكان السبب الرئيسي في مجئ الدكتاتوريات العسكرية.

ومهما تكن دوافع الاصلاحيين من الاخوان المسلمين، فقد سجل شباب “السائحون” موقفاً مشرفاً بإدانة القتل، والوقوف مع ثورة الشعب.. كما فعل ذلك د. غازي صلاح الدين، ومن رفعوا معه مذكرة للرئيس، تدين ما حدث من قتل لأبناء هذا الشعب، الأمر الذي عجز عنه ابن الميرغني وابن المهدي!!

ما الذي يجعل أي سوداني، يرضى بان ينكسر بالطمع والخوف ؟! كم سيعطونه وماذا سيعطونه ليبيع ضميره، ورأيه، وموقفه بهذه الصورة ؟! بماذا يرهبونه للحد الذي يجبرونه ان يقف ضد أهله، وضد شعبه، وضد الانسانية، ليقتل الأطفال والشباب، ويعتدي على النساء والشابات بهذه البشاعة ؟! هل رتبة أو ترقية في جهاز الأمن أو الشرطة تستحق كل هذا ؟! هل اطاعت التعليمات بقتل العزل بالرصاص، من شرف العسكرية أو من دواعي الأمن ؟! هل أوامر القادة مقدمة على نداء ضمائركم ودماء ابنائكم وأهلكم ؟! هل ضرب النساء، وإهانتهن، والتحرش بهن، والإساءة إليهن، بالألفاظ النابية، التى يندى لها جبين الرجل الكريم، مكرمة يستوجبها شرف الجندية أم إنه إنكسار الرجال ؟!

لم تفعل الصيدلية  سمر ميرغني، أكثر من محاولة تصوير مظاهرة في بحري، وهي تقف امام بيتها.. وفي تلك اللحظة، ضرب شاب بالرصاص، فصورت سمر المشهد، فهجم عليها رجال الشرطة، واوسوعها ضرباً، واختطفوها عنوة، الى مركز الشرطة، حيث واصلوا ضربها، وتعذيبها بصورة وحشية، ظهرت حين كشفت سمر الشجاعة، ما تستطيع ان تكشف من جسدها، لقناة العربية .. ورغم هذه الجريمة النكراء، التي قام بها رجال منكسرون، فقدوا رجولتهم، فستأسدوا على فتاة، رقيقة، مسالمة، وبطشوا بها دون رحمة، لعلهم يرضون حكومة الاخوان المسلمين، التي فارقت اخلاق الإسلام، لتحافظ على كراسي السلطة، قدموا سمر الى محاكمة، ولما لم يجدوا لها جريرة، لفقوا لها تهمة من عندهم !! جاء عن ذلك ( وقال الأستاذ نبيل أديب محامي الدفاع ان سمر بعد ان ألقي القبض عليها تعرضت للضرب وللتحرش ” سمر تعرضت لتعذيب وتحرش جنسي وتهديد بالاغتصاب وهذه جرائم كلها خطيرة، صحيح نحن ليست لدينا جريمة تحرش جنسي لكن في القانون هناك جريمة الأعمال الفاحشة وهذه قائمة في حقهم والمشكلة انه ليست لدى النيابة نية للتعامل معها، هذه مسألة في منتهى الخطورة اذا كانت النيابة لا تحميني” ، وأضاف ” البنت قالت لا اطمئن يكون جنبي واحد من الشرطة بعد الحصل لي هذا كله منهم، والنيابة لا تحرك ساكنا، هذه قضية تحتاج لأن يصعدها الناس لأعلى درجة لنتبين هل البلد فيها حكم قانون ولا ما فيها”… واوضح نبيل ملابسات المحاكمة المفترضة اليوم واصفا إياها بالكيدية ومضيفاً بأنها تأديبية قائلاً: “بالنسبة لهم لكي يخوفوها وجدوا في الموبايل صور بنات، فقالوا هذه صورة خليعة، ورفعوا ضدها بلاغ بموجب المادة 155 حيازة مواد مخلة بالآداب …إنه بلاغ كيدي أو في الحقيقة الغرض منه التأديب )(حريات 6/10/2013م). لقد كان هدف نظام الاخوان المسلمين، من القهر والبطش بالرجال وبالنساء، هو ارهاب الشعب، وكانوا يظنون أنهم بضرب سمر، سيرهبون اسرتها، وجميع أهلها .. ولكن والد سمر البروفسير ميرغني أبنعوف، ألقمهم حجراً، حين قال أمام محكمة بحري ( إنتوا إفتكرتوا إني ممكن “أدسها” في البيت وأخجل منها .. لكن لو “دقيتووها” شرف وعز لينا .. ولو كنتوا “قتلتوها” شرف وعز لينا وفداء للوطن.. وأمها التي وضعت يدها في “جبص” فخر وكرامة لنا .. وأشار بسبابته لمحكمة بحري : لا أنتظر عدلاً هنا .. ولكن ليكون توثيق لكذبكم وجرائمكم .. وحتماً سوف تأتي ساعة العقاب)(حريات 7/10/2013م). هذا رجل سوداني يواجه المنكسرين معبراً عن عزة وكرامة الشعب السوداني.

أي قضاة هؤلاء الذين يحاكمون الضحية ويتركون الجلاد ؟! إذا كانت الحكومة قد امرت الشرطة بضرب المتظاهرين بالرصاص، هل يعتقل المتظاهرون بحجة انهم خربوا او كسروا ؟! لماذا لا يأمر القضاة باطلاق سراح المعتقلين، ما دامت الحكومة قد امرت الشرطة بقتلهم ؟! فقد جاء (اعترف الرقيب شرطة حافظ محمد عبد الله بتلقيهم اوامر باطلاق الذخيرة الحية على المتظاهرين، وذلك امام محكمة الحاج يوسف اول أمس الخميس. وكانت المحكمة انعقدت لمحاكمة “35” وجهت لهم تهم تتعلق باثارة الشغب والاتلاف، واجلت المحكمة الى الاحد، واطلق المتهمون بعد دفع كفالة “20” مليون جنيه. وكشف محامى الدفاع عن المتهمين الاستاذ معتصم الحاج فى تصريح لـ”راديو دبنقا” بانه اثناء استجواب الشاكين – الشرطة – اعترف الرقيب شرطة بمباحث الحاج يوسف حافظ محمد عبد الله بانهم تلقوا اوامر من رئاسة الشرطة باستخدام الذخيرة الحية ضد المتظاهرين)(حريات 5/10/2013م). لماذا لا يرفض القضاة محاكمة من شاركوا في المظاهرات، بحجة ان الحكومة وجهت الشرطة لضربهم بالرصاص؟! وذلك لأنه إذا كان إتلاف الممتلكات جريمة، فالقتل جريمة أكبر منها، ولا يجوز للمجرم الكبير، معاقبة المجرم الصغير، في شرعة العدل. إن القضاة المتواطئين مع حكومة الأخوان المسلمين، وهي تنتهك الدستور، وتصادر الحريات، وتعتدي على حقوق الإنسان، إنما هم قضاة تالفون، منكسرون، أذلهم الطمع والخوف، فتنكروا لحرمة القضاء المستقل، واصبحوا في ركاب السلطة، أداة في يدها لتعذيب، وإهانة الشعب الحر.

ومن صور الإنكسار المؤسف بعض ضباط الجيش.. فقد جاء (نشر نشطاء كلمة اللواء السر بشير حسين قائد القوات المسلحة بنيالا أثناء اندلاع  التظاهرات بالمدينة 19 سبتمبر. ويقول في كلمته للضباط والجنود ” .. المظاهرات البتتخابر مع الحركات وتقول ليهم طالعين وتعالوا خاشين نيالا دي ما مظاهرة دي عمل عدائي ديل بضربوهم بالذخيرة ما بضربوهم بالسوط…)(حريات 7/10/2013م). كيف وصل هذا الرجل الجاهل الى رتبة لواء ؟! هل كل من خرج في مظاهرة سببها الغلاء، هو متخابر مع الحركات المسلحة ؟! وهل مجرد التخابر مع الحركات المسلحة، جريمة عقوبتها الاعدام الفوري، في الشارع، دون محاكمة ودون تحري ؟! وهل اطلاق الرصاص على مظاهرة سلمية، وما ينتج عنه من موت عشوائي، بحجة ان فيها متخابرين مع الحركات المسلحة، عمل قانوني، أو اخلاقي، أو ديني ؟! 

ومن أبشع نماذج الإنكسار المنكرة، إنكسار المثقفين، الذي يعبر عنه نموذج د. عبد الله علي ابراهيم .. فهو قد كتب يدافع عن الأخوان المسلمين المصريين، يتزلف بذلك للاخوان المسلمين الحاكمين في السودان !! وكتب مقالاً عنوانه “كلنا اخوان مسلمين” مع  أن زعماء الاخوان المسلمين المصريين حين اعتقلوا انكروا انهم اخوان مسلمين !! على أن الأسوأ هو ان يظل يدافع عنهم، بعد ما فعلوه بالشعب السوداني، فقد كتب بعد اشتعال ثورة سبتمبر بالسودان  (وسيتعين على القوى الليبرويسارية أن تفيق من سكرة تخوين الأخوان إلى تسوية الحقل السياسي تسوية تعلو بها الإرادة المدنية على ما عداها. وسيجدون، ربما لدهشتهم، أن الجماعة قد سبقتهم إلى هذا المعنى الرهيب ودفعت المقدم ثمناً ذكياً له في رابعة والنهضة. )( الجزيرة نت 1/10/2013م ). لقد بدأ د. عبد الله علي ابراهيم سقوطه هذا منذ فترة بعيدة .. ولقدسبق لي شرف التنبيه الى ذلك، قبل ثلاثة سنوات، إذ كتبت (لقد دخل عبد الله علي ابراهيم في بداية حياته في الحزب الشيوعي، وخرج منه كما دخل، إذ لم تعلق بعقله أي فكرة .. وهو لهذا يكتب عن تلك الفترة، فلا يتحدث عن مفهوم، وإنما ذكريات يدعي فيها صداقة، وصلة مع المرحوم عبد الخالق محجوب، شعر كثيرون أنها تقلل من تاريخ زعيم الحزب المناضل، حتى أضطر رجل متابع مثل المرحوم الخاتم عدلان ان يصحح ذلك الإفتراء، بمقالات مشهودة .. ثم حين عاد من إغترابه، وبدلاً من ان يقاوم نظام الإنقاذ الدكتاتوري الغاشم، أخذ يهادنه، ويهاجم المعارضة، ثم يفاجئ الناس بان يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، وبدلاً من ان يقدم برنامجه، أخذ يقدم “قرعته” يطلب من الحاضرين التبرع، حتى يستطيع ان يوفر الرسوم الكبيرة للترشيح، بدلاً من ان ينقد القانون الذي يفرض تلك الرسوم الباهظة، ولو دفعه ذلك للإنسحاب .. ثم يمنع من إقامة ندوة ضمن حملته الإنتخابية، ثم تزور الإنتخابات، فلا يدين ما حدث ضده أو ضد الشعب !! ثم هاهو يختم هذا السجل المخزي من التخبط و” الإنبطاح” ، بالدفاع عن مخطط المؤتمر الوطني في استغلال المسيرية في حرب ضد دينكا نقوك، بغض النظر عن ما سوف تسفر عنه هذه الحرب من إزهاق الارواح ودمار المنطقة .. لقد نسب الى لينين قوله ” أن الشيوعي إذا سقط يسقط عمودياً والى القاع ”  فمتى يصل هذا “المثقف” المتهافت الى القاع، الذي ظل لسنوات يسقط نحوه سريعاً، حتى يريح نفسه، ويريح الناس من هذه الغثاثة ؟!)(الصحافة : نوفمبر 2010م). والآن بصمت د. عبد الله علي ابراهيم عن جرائم الاخوان المسلمين، وقتلهم للمتظاهرين العزل، وضربهم للنساء السودانيات، والتحرش بهن، وثناؤه عليهم، ومطالبته بعدم عزلهم في مصر، أو في السودان، فإنه قد وصل الى قاع السقوط والإنكسار الذي ظل يهوي نحوه من سنوات.