محمّد جلال أحمد هاشم دعونا نحاول تعريف الغيرة قبل الخوض في دورها. لعلّ من نافلة القول الإشارة إلى أنّ الغيرة لا تحدث إلاّ في الحالات التي تتقلّص فيها درجة الاستقلاليّة، أو تنعدم بسبب هيمنة التّبعيّة. فالغيرة هي الإحساس بالخوف من فقدان الآخر،

إمّا لإحساس المرأة بفشلها في تحقيق أكبر درجة من الاستتباع لرجلها، أو العكس صحيح. فهي في أساسها انعدام للثّقة في النّفس ينجم من الوقوع تحت هيمنة نزعة استتباع الآخر وابتناء القطيع، أو الاستسلام لذات النّزعة عند الطّرف الآخر، أو للسّببين معاً بدرجات ودركات. فهذا الاستتباع لم يعد ممكناً، كما لا يصرّح به إلاّ قلّة من النّاس كهدف لهم في علاقاتهم بالآخرين. للغيرة نار ذات احتراق داخلي لا قبل للإنسان باحتمالها؛ وبمجرّد اشتعالها لا مجال لأن ينجو الضّحيّة من الاحتراق بها. وقلّما ينجح الزّمن في مداواة نارها؛ قد ينسى الإنسان، ولكن ليس أيسر من أن تصحو الغيرة من بين رمادها المتراكم بالسّنين والأيّام. وبما أنّها نار، فهي إذن ليست بالشّعور الإيجابي.

لا تعدو المشاكل التي تُثيرُها الغيرة بين الطّرفين في جوهرها المعاناة الدّاخليّة النّاجمة عن التّأرجح بين التّبعيّة من جانب والاستقلاليّة من الجانب الآخر بطريقة تجعل الإنسان يفقد ثقته في نفسه، وبالتّالي يعوّل على اكتسابها من خلال الاعتماد على الآخر. وبما أنّ الاعتماد على الآخر يعني اعترافاً ضمنيّاً بعدم مقدرة الشّخص في تحقيق استتباع نفس هذا الآخر، بما يعني انهزامُه، لذا لا يعطينا هذا الواقع المتأرجح غير التّقلّب والتّشكّيك. فعندما يهيج أحدُهما على الآخر(كأن يهيج الرّجل في وجه زوجته، أو تهيج المرأة في وجه زوجها) متّهماً لها/له بأنّ نظرته/ها أو أسلوب كلامه/ها إزاء شخصيّة ثالثة لم يكن بريئاً، أو كان عامراً بإيحاءات، فغالباً ما يكون من المستحيل إثبات هذه الأشياء بنفس درجة استحالة نفيها نسبةً إلى الاحتمالات غير المتناهية لتذبذبات النّفس البشريّة وتأرجحها التّاريخي. فهي إذن غير حقيقيّة بنفس القدر الذي تصبح به حقيقيّة. فالشّخصيّة الغيورة تتميّز بقدرات غير متصوّرة في الاستشعار. ولكن هذه الصّدقيّة للحالة لا تقف دليلاً، كونها هي نفسها مصطبغة بحالة التّذبذب والتّأرجح التي أشرنا لها. وأكثر ما تُمارس هذه اللعبة ذات الأساس النّفساني من قبل المرأة والرّجل، كلاًّ على حدة، تطويعاً للآخر وفي سبيل تكريس قمع أحدهما على الآخر.

الغيرة ليست عقلانيّة لأنّها تستند في أساسها على إحساس باستشعار مجال كهربي ميغناطيسي بين إثنين، أحدهما يهمّ الشّخصيّة الغيورة بادّعاء تملّك مزعوم. ولهذا لا ينفع المنطق البتّة في محاولة عقلنة الغيرة، ذلك كونها ضدّ عقلانيّة. فالغيرة إمّا أن تُهدهد بالعواطف، أو أن تُقمع بالعنف الماثل في التّهديد بصرم العلاقة التي تُتيح للغيرة مشروعيّتها. ولكن كلا الحلّين ينطويان على مهالك. إذ ما إن تشتعل نار الغيرة في أحدهما (حالة الزّوجة مثلاً)، فتتهجّم على زوجها متّهمةً له، حتّى ينفلق الموقف عن أحد احتمالين غير حصريّين.  فإذا شرع الزّوج بنفي الحادثة، مصحوباً بالاعتذار الموارب، رادّاً المسألة إلى عدم حصافة من جانبه أو جانب الشّخصيّة الثّالثة، ثمّ شافعاً ذلك بالتّودّد إليها، فسوف تعطينا هذه الحالة مؤشّرات قويّة لاستتباع المرأة للرّجل. وبالطّبع سوف ترضى الزّوجة في النّهاية لأنّه يستحيل إثبات ما زعمت به، فضلاً عن أنّ مثل هذه المواقف سوف تكرِّس من سيطرتها على الرّجل. أمّا الاحتمال الثّاني فهو أن تؤدّي اتّهامات الغيرة (مهما تبطّنت بالمواددة تخفيفاً) إلى ثورة عارمة من قبل الطّرف المتّهم، مع التّلميح بالعزم على المُضيّ قُدُماً لتصعيد الموقف إلى نهاياته القصوى (طبعاً الطّلاق ـ حتّى في الحالات التي تكون فيها المرأة هي المتّهمة). وغالباً ما يتسلّح الطّرف المتّهَم بالصّدمة وخيبة الأمل والرّجاء في الطّرف المتّهِم، الأمر الذي لا يجد فيه الأخير بدّاً من التّراجع، ومن ثمّ الشّروع في تدبيج الاعتذارات وإحالة الموضوع برمّته إلى بعض صفات خرقاء وانعدام حصافة، مع احتمال إلقاء اللوم كلّه على الشّخصيّة الثّالثة (الغائبة الحاضرة باستمرار ـ على نواياها الخبيثة). بهذا يتكرّس خضوع الشّخصيّة الغيورة ويتم استتباعها للطّرف الآخر. وتتعقّد المسألة أكثر في حالة الأزواج الذين أنجبوا أطفالاً، إذ قد يتحوّل الأطفال إلى أوراق ضغط (غالباً ما تكون للضّغط على المرأة). كما تكون المسألة كلّها محكومة بعمليّة الاستتباع شدّاً وجذباً وتأرجحاًطفال، بدلاً من أن تكون في دائرة المعيل كزوجها.

من المؤكّد أنّ المرأة هي التي تحترق غالباً بنار الغيرة التي لا تعرف الرّحمة. ففي المجتمعات الخاضعة للمعايير التّقليديّة، بحيث تكون فيها المرأة خاضعة بصورة تامّة، قد تظلّ الغيرة مرهونة بالزّواج من أخرى، لا بالعبث مع نساء أخريات خارج إطار العلاقة الزّوجيّة. ومع هذا، فغيرتها هنا تكون غالباً مهيضة الجناح، لا تدفع عنها احتمال أن يُعرّس زوجُها بأخرى، وليس أمامها سوى أن تقبل راغمة بذلك، إذ لا حول لها ولا قوّة. ولكن قد يختلف الأمر كثيراً في حالة المجتمعات التي تعيش في المرحلة بين المرحلتين، فلا هي مكتملة الخضوع للمعايير الثّقافيّة التّقليديّة، ولا هي مكتملة التّحرّر، مثل ما عليه حال مجتمعات الصّفوة السّودانيّة. ففي هذه الحالة الأخيرة تتراوح دوافع ووظائف الغيرة عند المرأة بين أحد احتمالين مع جواز اجتماعهما. الاحتمال الأوّل أن تأتي الغيرة كاحتجاج على الخضوع، وكمحاولات بائسة، إن لم تكن يائسة (كونها تنهض على الغيرة)، للانعتاق من ربقة التّبعيّة للرّجل. والاحتمال الثّاني أن تكون الغيرة بمثابة تكتيكات لمعاوضة تبعيّتها للرّجل (حتّى في حال كونها عاملة وتعول نفسها)، وهي التّبعيّة الكامنة في صلب العلاقة النّوعيّة المحكومة عليهم لمجرّد أنّهما يعيشان داخل مجتمع تقليدي. ففي هذا الوضع التّقليدي قد لا يجدي الزّوجين نفعاً كونهما يتحلّيان (أو هكذا يظنّان) بالحداثة ويتحرّيانِها. فحرائك التّفاعل والتّثاقف جميعها تُشير إلى الانخضاع بصورة أو أخرى إلى المعايير التّقليديّة بالنّسبة للأزواج حال ابتنائهما بيتاً في أيٍّ من الأحياء. وربّما تقف بعض أحياء الدّرجة الأولى (ولنقل مثل أحياء الرّياض والعمارات بأمّ المراكز بالخرطوم ومثلها بأمدرمان) كحالة استثنائيّة كونها تقوم على الانغلاق الأسري دون الانفتاح. وحتّى هذه الأحياء لا تعدو كونها مجتمعات موغلة في التّقليديّة، ولكن مصبوبة في قالب حداثوي زائف. إذ جميعُها تحكمها حرائك نموذج إنسان أمدرمان. لكلّ هذا قد تشعر المرأة بأنّها لا تزال تقبع داخل قمقم التّقليديّة مع حقيق، أو عدم حقيق، رفضها لهذا الأمر، بينما الزّوج يستقبل هذا الأمر بحبور خفي كونه يقوم على الامتيازات التّقليديّة التي تصبّ في صالحه. وتكمن المعاوضة المشار إليها أعلاه في مسألة الغيرة في العمل على الخروج من المسألة بأفضل ما يمكن to make the best out of it. وهنا تأتي جميع التّكتيكات التي تعرّضنا لها في استعراضنا لنموذج إنسان أمدرمان، أي أن يقوم المجتمع في ظاهره على قيم الذّكورة والمجتمع الأبوي بينما تتحكّم فيه قيم المجتمع الأمومي.

ولكن حديثنا هذا لا يعني أنّ الرّجل لا يشعر بالغيرة. فعلى العكس من ذلك عادةّ ما تكون غيرة الرّجل مصحوبة بالعنف المادّي واللفظي، فضلاً عن حدوث جراحات غائرة ربّما لا تندمل، كونها مرتبطة بالعيب والعار. فاستثارة غيرة الرّجل تعني حتماً احتمال، أو الاتّهام بأنّ هناك رجلاً آخر.

 

 

 

الغيرة والوعي الجنساني عند الرّجل

نشأت علاقة الرّجل مع المرأة في مبتدئها على الغيرة، غيرة الأوّل من الأخيرة كونها تتميّز عليه بقدرات لا يملك منها شيئاً. هذه القدرات هي الخصوبة، الحمل، والإنجاب، ثمّ الأمومة. فضلاً عن هذا، فإنّ العلاقة الجنسيّة بينهما تبدو غير متكافئة، حيث تأخذ هي منه دون أن تُعطيه شيئاً: فهي تأخذ عضوه الذّكري وتُدخله في أحشائها، ثمّ تمتصّ منه سائله المنوي، وبعد ذلك تحتفظ بناتج هذا (الحمل) في بطنها، دون بطنه هو؛ وحتّى عندما تلد، يلتصق بها طفلها فلا يقبل شخصاً أخر غيرها. لهذا تنظوي العلاقة على غيرة مستبطنة في أعمق تلافيف النّفس البشريّة الذّكوريّة (راجع: نوال السّعداوي، 1974؛ 1991). بعد ذلك، لدى إخضاع الرّجل للمرأةن عندما قام بأوّل عمليّة اغتصاب في تاريخ البشريّة، قام بترفيع نفس هذه الخصائص. فإدخاله لعضوه الذّكري في أحشاء المرأة أصبح يستمدّ منه الإحساس بالغلبة، تكريساً لعدوانيّته.

هذا في جانب نفسي غير محسوس بصورة مباشرة. فإذا جئنا إلى حالات الغيرة المحسوسة بالوعي المباشر، نجد حال الرّجل يختلف عمّا عليه حالُ المرأة. فلأنّ جنسانيّة الرّجل تقوم على العدوان، انكفاءً على عدوانيّة العمليّة الجنسيّة (تجاوز حدوده الجسديّة والدّخول في جسد المرأة)، وفقما أوضحنا أعلاه، لذا فهو أعجز عن أن يفصل بين الإثنين. وهذا هو مربط الفرس من حيث رغبته القويّة لحجب المرأة عن أيّ رجل بخلافه، وذلك رغبّةً منه في فصم عرى هذه اللعبة الجنسانيّة النّوعيّة، كامتداد لعمليّة إخضاعه للمرأة، وذلك منذ أن تمكّن الرّجل من إخضاع المرأة له بإلغاء النّظام الاجتماعي الأمومي وتكريس النّظام الاجتماعي الأبوي، ثمّ المعارك العارمة التي نشبت بين الأب القبلي المتسلّط (افتراضاً) الذي احتكر تدجين نساء القبيلة من جانب، وبين الأبناء القبليّين المطرودين (افتراضاً)، وهي المعارك التي انتهت بقتلهم لأب القبيلة وتوزّعهم للنّساء فيما بينهم. يفعل الرّجل هذا مع إعطائه لنفسه كامل الحرّيّة في أن يستمتع بنفس اللعبة مع نساء أخريات خارج دائرة قطيعه الخاص، أي انتهاك أعراض الرّجال الآخرين، وذلك ليس فقط تمشّياً مع نزعة موغلة في القدم فيها كان الرّجل يحتكر جميع النّساء ولا يتنازل عن أيٍّ منهنّ، ولا يمكن لأيّ رجل آخر أن ينالهنّ، إلاّ مغالبةً، بل لتكريس إحساسه بإخضاع الآخر حتّى لو كان رجلاً. وهذا ليس فقط مصدر تعدّد الزّوجات، بل مصدر العنف الكامن في الذّكورة، وحتّى في العلاقات بين الذّكور، كما لهذا أيضاً لا يزال الرّجالُ إلى يومنا هذا ينظرون إلى نساء الغير في رغبة خفيّة لامتلاكهنّ، أوّلاً لإخضاعهنّ، ثمّ ثانياً لإخضاع رجالهنّ (أزواجاً كانوا أم أقارب) بإذلالهم. لاحظ هيغل في موسوعته (فلسفة الطّبيعة، الجزء الثّالث، القسم 369) أنّ الرّجل معتقل في ذاته، بينما المرأة منفتحة موضوعيّاً؛ فالرّجل يسعى دائماً وراء رغبته بطريقة تلتقي معه فيها أغلب ذكور الحيوانات، بينما تكون المرأة على استعداد كيما تفتدي الآخر ممثّلاً في أطفالها، ليس فقط في سبيل المحافظة على النّوع، بل إيثاراً منها إذ تكون مدفوعة بعاطفة هائلة من الحبّ المحض. وتستعرض نوال السّعداوي (1974) قدرات الحيوانات الأمّ، ومن ضمنهم المرأة الأم، في الأمومة والاستعداد لافتداء أطفالها بنفسها بينما يُعرف عن الذّكر الاستعداد للهرب من مخاطر المواجهة مؤثراً السّلامة. وفي هذا يشترك الرّجل مع العديد من الذّكور في مملكة الحيوان التي قد تشكّل تهديداً مباشراً لصغارها باستعدادها لقتلها وافتراسها. في الثقّافة السّودانيّة التّقليديّة، العربيّة الإسلاميّة منها على وجه التّحديد، نجد هذا مقلوباً، إذ يسود الفهم الذّكوري بأنّ المرأة تفعل هذا لعاطفتها، أي لضعفها الذّاتي وليس انصياعاً للأسباب الموضوعيّة التي تحتّم في لحظة التّضحية بالآخرين، ولو كان فيهم الأبناء. ولكن الحقيقة أنّ هذه النّظرة تقوم على تسطيحٍ كبير للمسألة، فضلاً عن إسقاطات ذكوريّة غير موفّقة (أنظر كذلك: سيمون دي بوفوار، 1949).

ولا يعني قولُنا هذا عدم إتيان النّساء ما يأتيه الرّجال من خيانة وخلافها من شرور، فما عليه حالُهنّ ليس سوى تماهٍ في الانخضاع لتكتيكات الذّكورة التي تستهدفهنّ، من جانب، ثمّ، من الجانب الآخر، ربّما كان الأمر انسياقاً وراء تقاليد النّظام الاجتماعي الأمومي عندما كانت المرأة تعيش تعدّدية الأزواج، إذ كانت رأس الأسرة. فقد خسرت المرأة نظامها الاجتماعي القائم على الأمومة جرّاء استعدادها لإيثار رجلٍ بعينه بكلّ حبّها، إذ ليس كالمرأة في القدرة على العطاء. ولا غرو، فهي التي تعطي الإنسانَ الحياةَ، إذ تحملُه وهناً على وهنٍ، وفِطامُه في عامين، ثمّ تتعهّده بالرّعاية والحبّ إلى آخر لحظة، ذلك لأنّها تستطيع أن تتحرّر من الذّات لاستشراف الموضوع. لقد كان إيثار المرأة للرّجل قائماً على حرّيّة الاختيار في ظلّ علاقات اختياريّة.

 

مجتزء من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان