د.جمعه كنده كومى 1- مقدمة  السودان بلد العجائب السياسية وبلا منازع. تتغير كل الأشياء، عدا أزماتها السياسية العنوان الثابت والأبرز منذ الإستقلال حتى اليوم.

. نعم تغير الكثير، بما فيها طبيعية وجحم مشكلاتها، مساحتها وسكانها، ولكن الثابت بكل أسف، هو أن السودان  ظل مأزوما لدرجة أن إسمه أصبح مرادفا لعدم الإستقرار السياسى فى مخيلة الكثيرين فى الداخل والخارج. وبالرغم من ان  أزمات السودان شاملة إلا ان نصيب المعاناة يتفاوت من فرد لآخر، ومن أسرة لأخرى، ومن مجتمع لآخر، ومن اقليم لآخر. لا خلاف أن ولايات دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ومجتمعاتها هى الاكثر معاناة من ازمات السودان السياسية الراهنة. نخص بهذا المقال ولاية جنوب كردفان المأزومة. فهى إحدى الولايتين اللتين خصص لهما بروتكولاً خاصا بهما في منظومة بروتكولات إتفاقية السلام الشاملة الموقعه في يناير2005م، والتى أنتهت بإنفصال الجنوب في عام 2011م. عندها خسرنا كل شىء، خسرنا الوحدة والسلام والإستقرار والبترول. والأهم من ذلك خسرنا إخوة أعزاء أحباء كانوا إحد مصادر غنانا الثقافى وتنوعه. لم نكسب شيئا غير حروب جديدة قديمة، وعدم إستقرار سياسى وإجتماعى، وإرتفاع جنونى فى الدولار مصحوب بضنك فى المعيشة، وضع لم يختبره شعب السودان من قبل، ولن يختبره مرة أخرى فى المستقبل القريب والبعيد بإذن الله.

نبدأ بالقول أنه بالرغم من إنتهاء الفترة الإنتقالية،  إلا أن ثمة حقائق تؤكد إستمرار آثار وفعالية إتفاقية  السلام الشامل حتي اليوم من الناحية السياسية والدستورية والإقتصادية. وأهم هذة الحقائق هي الاستمرار بالعمل الدستور الإنتقالى بالرغم من إجراء بعض التعديلات هنا وهناك. وينسحب الأمر كذلك علي دساتير الولايات المختلفة وترتيباتها السياسية والإدارية، بما فيها ولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق. ولكن جرت مياه كثيرة تحت جسر هذه الدساتير والترتيبات فيما يتعلق بالفعل السياسى وتحولاته علي مستوى المركز والولايات. فمثلاً تم إعفاء بعض الولاة المنتخبين وتعيين آخرين دون وجود رغبة لإجراء إنتخابات بديلة وفق الدستور عدا ما تم فى القضارف والشمالية. تم تأسيس ولايات جديدة في دارفور وكردفان وبالتالى تغيير الخريطة السياسية والدستورية والتشريعية للولايات القائمة أصلاً. في هذا المقال نسلط الضوء بالتحليل علي التعقيدات السياسية والدستورية التي تواجة جنوب كردفان بحكومتها الجديدة غير المنتخبة، من واليها إلي أعضاء برلمانها عدا القليل.

2- إعادة ولاية غرب كردفان وأثرها السياسى علي ولاية جنوب كردفان:

تم إعادة ولاية غرب كردفان وفاءا لوعد المؤتمر الوطني للمسيرية أثناء انتخاباتها الولائية في مايو 2011 بإعادة ولاية غرب كردفان. ولكن كانت الحكومة تتمني أن يصبر المسيرية وجميع أهل المنطقة الغربية إلي حين إنتهائهم من المهمة الأساسية التي من أجلها ضموا إلي ولاية جنوب كردفان. والمهمة هي التأثير علي الإجراءات السياسية والقانونية للتسوية النهائية لولاية جنوب كردفان، من خلال المشاركة في المشورة الشعبية المنصوص عليها في برتوكول ولايتى جنوب كردفان والنيل الأزرق. ولكن بعودة الحرب مرة اخرى إلي جبال النوبة وإستمرارها بلا هوادة وبدون ظهور أي بصيص أمل لإنتهائها في الوقت القريب أو البعيد، نفذ صبر المسيرية وأصبحت عملية إنتظارهم أمراً في غاية الصعوبة. وما زاد الأمر تعقيداً، هو ما اذا كانت المشورة الشعبية ستقوم لاحقا أم لا؟

 

بإختصار إستجابت حكومة المركز لضغط المسيرية وأعلنت إعادة ولاية غرب كردفان وتم تعين وال لها. ولما كانت المنطقة الغربية هي جزء من ولاية جنوب كردفان، تم تحويل أعضاء البرلمان الولائى من الدوائر التابعة لولاية غرب كردفان الجديدة ليكونوا نواة للمجلس التشريعي قبل تكملته بالتعيين. بتأسيس ولاية غرب كردفان، أصبح حدود ومحتوى ولاية جنوب كردفان الموصوفة فى برتوكول ولايتى جنوب كردفان والنيل الازرق، وفى دستور الولاية بل وفى الدستور القومى في حكم العدم. تبعا لذلك أصبحت مؤسساتها المنتخبة بما فيها الوالى وأعضاء البرلمان في حكم العدم ايضا. ولكن السؤال الأهم هل أصبحت المشورة الشعبية في حكم العدم ايضاً؟ هذه هي واحدة من التعقيدات السياسية والدستورية والتي تواجة الحكومة الجديدة بولاية جنوب كردفان.

إن قرار حكومة المركز بإعادة ولاية غرب كردفان قبل الإنتهاء من المهمة، ربما يعنى أن المشورة الشعبية قد تجاوزها الزمن والأحداث السياسية فى الولاية بالرغم من أنها حق مكتسب لأهل الولاية. وما لم يطرح خيار سياسى أفضل بديل للمشورة الشعبية، فإن إلغاءها فى هذه الظروف يعنى صب الزيت على نار متقدة أصلا. الواضح هو أن مآلات ومستقبل المشورة الشعبية أصبحت ورطة سياسية، سواء تم أو لم يتم إجراؤها. وما يجعل الأمر أكثر تعقيدا هو أن المؤتمر الوطنى قد فقد معظم مناطق تمركز شعبيته  بغرب كردفان، وفى ذات الوقت هو يفقد بإستمرار قواعده الضعيفة أصلا فى الولاية لفشله بدرجة ممتاز فى تحقيق السلام فى الولاية، أو على الأقل فى تحقيق درجة معقولة من الرضى السياسى وسط قواعده، هذه خطوة أساسية لكسب قواعد جديدة بالولاية. ولكن الواقع السياسى فى الولاية وفى داخل أعضاء المؤتمر الوطنى فى الولاية يشير بشكل واضح فى إتجاه معاكس تماما لرغبة المؤتمر الوطنى. تتعاظم المسؤلية السياسية والأخلاقية والدستورية على المؤتمر الوطنى فى شأن الولاية، على إعتبار أنه هو الحزب الحاكم، وبالتالى المسؤل الأول عن تحقيق السلام ليس فى جنوب كردفان وحدها، بل فى كل أرجاء السودان الحبيب.

 

3- ملامح التعقيدات السياسية والدستورية التى تواجه حكومة ولاية جنوب كردفان الجديدة:

بالطبع بعد إنفصال غرب كردفان تقلصت المساحة الجغرافية للولاية وتبعا لذلك تقلص عدد سكانها. ولكن أهم ملاحظة في هذا الأمر هو أن المناطق التي شكلت غرب كردفان هي أكثر مناطق الولاية إستقراراً وامناً ومولاة للمؤتمر الوطني، بينما معظم المناطق التي تشكل ولاية جنوب كردفان حالياً هي الأكثر اضطراباَ حيث تقع مساحات مقدرة بسكانها تحت سيطرة الحركة الشعبية لقطاع الشمال، خاصة محليات أم دروين البرام وهيبان، بجانب مساحات معتبرة في محليات كادقلي والدلنج وغيرها. إن لهذا الوضع الجيوسياسى الجديد مدلولات سياسية وأمنية وإقتصادية هامة. سياسياً، هذا يعني إزدياد نسبة السكان الموالين سياسياً للحركة الشعبية قطاع الشمال، وذلك في ضوء خريطة الإنتخابات الأخيرة.

إقتصادياً، هذا يعني أن الولاية ستعانى من ضعف إيراداتها الذاتية، الضعيفة أصلا، بشكل أكبر من أي وقت مضي، ذلك بعد ذهاب المناطق المستقرة في غرب كردفان بإيراداتها بما فيها نصيب المسيرية على إفتراض أن هذا النصيب ما زال موجودا. في ذات الوقت ستزداد الأعباء المالية علي حكومة الولاية، إذ سيكون هناك عدة معتمدين بلا معتمديات علي أرض الواقع، ومع ذلك يحتاجون ويطالبون  بمخصصاتهم أسوة برصفائهم، كما يطالبون بميزانيات لمحلياتهم التى لا تورد فلسا واحدا لخزينة الدولة بقدر ما هى عبء مالى وأمنى من الدرجة الأولى. عليه وبالرغم من تقليص المناصب الدستورية والتشريعية في الولاية، سيظل العجز المالى من أبرز تحديات التى تواجه حكومة الولاية الجديدة.

 دستورياً، الوالي معين ومعظم أعضاء البرلمان معينون. فبغض النظر عن كفاءاتهم أو مستوى ولائهم ورضى الحزب فى المركز عن درجة ولائهم، هم لا يعكسون الواقع السياسي، ولا يملكون تفويضا من المواطنين الذين يمثلونهم قسرا. لقد تم تقليص أعضاء البرلمان من 54 إلي 48 عضواً وتم تخصيص 15مقعداً لأحزاب المشاركة و33 للمؤتمر الوطني. هذا يعني السيطرة المطلقة من جانب المؤتمر الوطني علي مقاليد الأمور السياسية، كما هو الحال في بقية ولايات السودان. وليس من الصعوبة لأى شخص متتبع للأحداث في الولاية، في أن يستقرأ الإتجاهات والسلوك السياسي المتوقع من حكومة ولاية جنوب كردفان فى المرحلة القادمة.

 

وأهم هذه القراءات يتعلق بوجود نية لتغيير دستور الولاية فى إتجاه أشبه بالردة القانونية والسياسية. إن الدستور الحالي للولاية رغم ما فيه من قصور ونواقص، إلا أنه هو أفضل من أى تشريع سابق بالولاية. لأنه يعترف بالخصوصيات الثقافية واللغوية لشعب النوبة مع الدعوة إلي إحترامها وتطويرها، والسماح لتلك الشعوب بممارسة لغاتها وثقافاتها في إطار التنوع الثقافي والديني في السودان. إن هذا الدستور جاء نتيجة نضال مسلح طويل، أعقبه حوار مشوب بشد وجذب بين المبادئ والمنطلقات السياسية المتباينة لكل من المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان أثناء وبعد المفاوضات مروراً بالفترة الإنتقالية. عليه آمل ألا تقع حكومة الولاية في خطأ سياسي آخر، في هذه المرحلة الحساسة، فيما يتعلق بالحقوق المكتسبة بالدستور الحالي، رغم أن معظمها لم تطبق أثناء الفترة الإنتقالية. إن إي تعديل أو الغاء أو تنقيح للدستور بغرض الإطاحة بالحقوق الأساسية المكتسبة لأهل الولاية، يجب أن يتم بواسطة نواب منتخبين وممثلين حقيقيين لشعب الولاية، وليسوا معينون كما هو الحال في المجلس التشريعى المرتقب. الأمر أيها الساسة، لو تسمعون، يتطلب أعلى درجة من الإجماع السياسى والإجتماعى بين مكونات أهل الولاية ومنظماتها المدنية والأهلية والسياسية المختلفة.

المطلوب في هذه المرحلة، هو تثبيت إيجابيات الدستور ومحاولة تطبيقها فعلياً علي أرض الواقع بواسطة الحكومة مع وجود قناعات ذاتية بمشروعية هذه الحقوق. ولقد أثبتت الفتره الإنتقالية، أن كثيرا من هذه الحقوق الدستورية لم يتم تنزيلها إلى أرض الواقع، نتيجة للتنافس المضر والكيد السياسي الذى لازم الحزبين الحاكمين في الولاية طيلة الفترة الإنتقالية. أن تطبيق الجزء الخاص بالحقوق الثقافية واللغوية والدينية في الولاية، هي واحدة من المداخل الرئيسة لإحداث إختراق لعملية السلام والإستقرار السياسي في الولاية والسودان عامه. علية لدى الحكومة الحالية  فى الولاية فرصة نادرة، لتثبت أن هذه الحقوق يمكن أن تثَبت فى الدستور بواسطة حزب المؤتمر الوطني نفسه عن قناعة ذاتية، وليست نتيجة لضغوط سياسية من حزب أو أحزاب أخرى.

فمثلاً، هل يمكن تكوين مجلس لتطوير اللغات القومية المحلية في الولاية، وسن تشريعات تسمح بتدريسها في مراحل الأساس للمجتمعات التي تريد ذلك؟ هل يمكن تكوين إدارة لشئون المسيحيين الآن على أن يكون علي رأسها أحد المسيحيين المستوفي لشروط ومؤهلات للخدمة المدنية. أما علي مستوي المركز،مطلوب من الحكومة دعم مشروعات الولاية الإستراتيجية علي الأقل في المناطق الأمنه حالياً. ومن أهم هذه المشروعات الإرتقاء بجامعة الدلنج كما ونوعا، بإعتبارها من أهم مؤسسات التغيير الإجتماعي والتنموي بالمنطقة، اذا لا يعقل أن تظل جامعة الدلنج بدون الكليات الأساسية التى تتواجد في أية جامعة مثل كليات الطب والهندسة والقانون والآداب والاقتصاد.

بإختصار تواجة الحكومة الجديدة بالولاية تحديات سياسية وأمنية وأقتصادية ودستورية كبيرة ومعقدة. ولكن إذا ما توفرت الإرادة السياسية، يمكنها أن تحدث أختراقاً وبشكل إيجابي في كل هذه القضايا تحقيقاً للاستقرار والسلام والتنمية، أذ أن كل هذه القضايا جذورها وكل تعقيداتها الظاهرة والباطنة منها سياسية بالأساس. عليه ولغياب الإرادة السياسية، فأن هذه الحكومة ستضاف إلي سلسلة من الحكومات التي توالت علي الولاية ولم تضف إلا معاناة فوق معاناة لمواطنيها، ولم تسطع تحقيق السلام المستدام حتي اليوم. الأمر الأهم والأكثر إلحاحاً هو ملف السلام. وعلي الحكومة الحالية إن تبتعد من بعض الشعارات مثل “السلام من الداخل” التي أثبتت بالتجربة أنها لا تحقق السلام المستدام، ولا تفيد في شئ غير إعادة إنتاج الأزمات القديمة فى قوالب وظروف جديدة. نعم المناصرة الداخلية مطلوبة لكن وحدها لا تجلب سلاماً. على الحكومة الجديدة  أن تسعى  لإقناع الحكومة فى المركز أن السلام يأتي عندما يتم التحاور المباشر مع من يرفعون السلاح في وجه الحكومة، عندها فقط يمكننا التوصل إلي سلام عادل و شامل، سلام لديه فرصة للإستدامة وعدم العودة للحرب وبالتالى الإبتعاد وبشكل نهائى من الدورة الخبيثة لحروبات السودان القديمة المتجددة.