فائز السليك  دموع شقيقتي عواطف، لا تتوقف عن الهطول كلما أطل عيد وأنا بعيد، وسبق لي أن أمضيت 16 عيداً ، وأنا بعيدً عن السودان، وكانت تلك الأعياد لثمان سنوات قضيتها ما بين اسمرا وشرق السودان في الفترة من 1997 وحتى 2005،

خلال هجرتنا الأولى، ثم ها هو العيد الخامس يطل علي منذ عام 2011، وأعيد هجرتي مرة أخرى، أو الهجرة الثانية، قضيت ثلاثة أعياد منها في اسمرا الجميلة، أو مدينة الربيع، والعيد هناك لا يختلف كثيراً بالنسبة لي عن أعياد السودان ابتداءً من صلاة العيد في المسجد الكبير، وارتداء الجلاليب، والمرور على الأصدقاء لمباركة العيد، واصرار الأصدقاءعلى تناول الفطور معهم، كلٌ يصر بطريقته، أو لحضور الأضحية وأخذ نصيبك منها؛ من شواء، وغيره.

هذه هي اسمرا، والحديث عنها كثير، والأصدقاء، جميلون، واليوم ها هو عيدي الثاني في العاصمة المصرية القاهرة، مع وجود أصدقاء بلا شك يمكن أن يكون للعيد طعم خاص، لكن ولدموع شقيقتي عواطف طعم حزن آخر، وربما تنتظرني وأنا أعود من الخرطوم كالمعتاد في صباح يوم العيد، أو عشيته، مع يوم الوقفة، وتحلم بضم نورس وتقبيل مراسي، وحكايات الأطفال التي لا تنتهي، وجمال براءة لا يقاوم.

وهنا اليوم أنا يا عزيزتي أزرف دمعة لأنني لم ألمس نورس منذ عامين ونصف العام، ولم أحمل مراسي كذلك، هما الآخران بعيدان عني، ومبعدان عني،  ولم يعرفا للعيد طعم مثل بقية الأطفال، ولم يعرفا حتى الآن طعم حنان الأبوة، لذات الظروف، وافتقدا حضن الأهل، الأعمام، والأخوال، والجد والحبوبة.

تأملت في محنتي تلك، وفجأة تذكرت آخرين، صديقتي احسان عبد العزيز، التي كثيراً ما كنا نستجم عندها ولو لدقائق في أعياد أسمرا  تلك، وأيامها الحلوة، واحسان اليوم، بعد أن سعدت برؤية كتابها ” نساء في مرمى البندقية، وقبل أن تكتمل فرحتها تلك وجدت نفسها فجأة تحت حصار الأمنجية، وتحت مرمى قسوتهم ووحشيتهم، وغياب ضميرهم، بعد أن اقتادوها إلى زنازينهم بعيداً عن الأهل والأبناء.

هي اليوم في داخل زنازين المستبد عمر البشير، والذي ذهب إلى بيت الله لأداء فريضة الحج بعد أن أغلق احسان في زنزانة، مثلما فعل مع آخرين من أصدقاء، ومناضلين، خالد سلك، ابراهيم الشيخ، عبد القيوم، بكري يوسف، أمجد فريد، مهيد صديق، وآخرين أعرفهم. والرقم يصل إلى 1200 أو يزيد.

ماذا ستفعل أمهاتهم واخواتهم؟؟ كيف سيكون طعم العيد لأسرهم، الأطفال؟؟ كيف يعيشيون العيد والوالد بين الزنازين ؟؟ والأمهات كيف يقضين نهار العيد، وهن يتنتظرن  عودة الأبناء ، للأحضان وللدعاء،  له ولأصدقاء جميلين يتحلقون حوله، أو كالقمر حوله النجوم، يملأون الدنيا بضجيجهم، وطلباتهم بزيادة ” الشية، والمرارة”، والضحكات تغسل كل الأحزان، الضحكات السعيدة، والبسيطة، والشفيفة.

أنا سوف أعود ياعزيزتي إن كان في العمر بقية،  أنا ومعي ملايين من الذين شردتهم الإنقاذ عبر مساحات الكون الفسيحة، وصرنا من منفى إلى منفى، ومن ركنٍ قريب إلى آخر قصي من أركان الدنيا الكبيرة، وقد يعود المعتقلون إلى أسرهم، مع فجر الحرية، ولو بعد حين. وسوف تجف الدموع.

لكن! هناك آخرون،  هل سيعودون ؟؟ ( 220) شهيداً سقطوا خلال هبة سبتمبر؟. هل ستجف دموع أمهاتهم، وأبنائهم واخواتهم؟؟ وآخرون قبلهم في أمري وكجبار وبورتسودان ومدني ونيالا؟؟ و300 ألف قبلهم في دارفور؟. وآلاف مؤلفة في جبال النوبة والنيل الأزرق؟؟؟  وقبلهم شرق السودان؟. والجنوب الذي رحل بأبنوسه وشهدائه؟؟

دمعة أختى غالية وستجف يوماً ما، وستجف أيضاً دموع أهل المعتقلين، لكن لن تجف دموع أهل الشهداء إلا بالقصاص من القتلة، ولو تمسكوا باستار الكعبة، ولو حجوا إلى بيت الله الحرام، وحاولوا غسل أدرانهم، لكن هل يستطيعون غسل أيادي تلوثت بدماء الملايين؟؟.  وعيد شهيد.