عبدالغني كرم الله (زجاج سيارة مظلل، يفصل بين جنة تاجر ملتحي، وجحيم طفل يتسول): قصة، قصيرة جدا، مؤثرة في النفس، والخاطر، كتبت بشافية مقتصدة، قفزات محكمة، عن الفقر، عن الحرب، عن الجوع، وعن أثرياء الحرام،

كاتبتها رانية مامون، فتاة من مدني، مبدعة معروفة، لم تشغلها الوظيفة، أو الأمومة، عن طقس الكتابة، أظنها تحبها، يبدو جليا، في حكاياتها، تنسجها بمهمل، ولا تزيد، أو تنقص، فالزيادة كالنقصان، والنساء أعلم بدلك في ملابسهن، وأساورهن، فإتقان الحكي، صار عندهم ماهرا، حتى أنهن توجن أخيرا، بأغلب الجوائز العالمية في الحكي، من نوبل، أو بوكر، أو غيرها  من جوائز معترف بها، فطوبى لهن..

 

بل أحسها، (أي الكاتبة)، توظف معاناة الام، والوظيفة، في مشروعها الإبداعي، قرأت قبل مدة قصة لكاتبة من مدني، أيضا، والاختلاف بيهنما، (رانية، وتلك)، اختلاف من يقول لك، أنا أذكي منك، وسأتلاعب بالألفاظ، وألغاز اللغة، وبين من يسكنه معنى، معنى حزين، أو عظيم، أو نبيل، ثم يتخمر فيه، شهورا، أو أيام، (كل قد علم مشربه)، ثم يطلق بخوره وعرفه للناس، ولا يبالي بالمدح أو الهجاء، أو أنا “ربكم الأعلى” المبطنة في بعض الكتابات..

 

قرأت القصة بهمل، وبحزن، وشعرت بأنها قالت كلمتها لي، ومضت، عن الجوع، عن أسرة جائعة، أم وأطفالها، وعن قطة جائعة، هي وابنائها، أيضا، وعن طفل صغير، كثير الاسئلة، تثيرها فيه، عضة الجوع، والدموع، ولم المعاناة؟ وعن أب اغتيل في حرب الجنوب، قاده رجال دين ونظام، مضوا معه، وعادوا أحياء، أثرياء، يركبون أفخر السيارات، ويتعجب الأبن، من موت ابيه، وثراء صاحبه، رغم أن اباه قدم نفسه للوطن، وهذا “سرق قوت الوطن”، وهو من النظام الحاكم، أظنه يتقدم الناس في المدن، في التظاهر والصلاة، وحين يشتد الوطيس، يلود حتى بالأفطال، يتأخر في صفوف المعركة، ويفر غافلا للمدينة المنهوبة، أملس، بلحية أظنه، أو أتخيله، فللقارئ حق في النص المحياد، لا أقول (موت المؤلف)، بل حياد المؤلف اللماح.

 

حوار الأطفال وأمهم، هادئ، (مثل أحزان قصيدة: لا تنامي، الليل أوغل لاتنامي، لمحي الدين فارس)، ولكن معهم بطل خفي، أنه “الشجن، أو الصمت الحزييين”حوار جائع، فيه سخرية مريرة، (لو أبي عاد هل سيتملك عربة كتلك التي رايتها)، يجيب الشجن ب “لا” فقط..وأظن الشجن، هو خواطرهم جميعا، أو حتى خوفهم من قول الحقيقة، (أنا جائع)، عليهم أن يكدبوا، (بأنهم شبعى) أظنها أوحت بدلك القاصة، أو تركت لي الخيال، وإلا مصيرهم، أن قالوا بأنهم (جوعى”، الموت، فأحسن لهم الجوع والحزن، والصبر، “أظنها”، وتلك النص المفتوح..

 

ولكن الطفل الصغير، يحثه، ثم يكرر السؤال، فتقول له الأم، بفتووور، “لأنهم أبناء النظم”، ثم تواصل: أبناء النظام، أما القطة، فتظهر خلف اللوحة، قطعة جائعة، مثلهم، وتأكل بنيها، وببراءة، يسأل الطفل الصغير، أمه:

أمي، هل ستأكلينا عندما تجوعين؟..

تضمه الأم، بحنو عظيم، وتفكر في السؤال…

 

تنتهي القصة، لتبدأ أنت في التفكير، في الجوع، وجوع الجوع، وعن الأم، أين أنتهى مطافها، حين باغتها السؤال في إلتهام أبنها، هل مر بها خاطر مثل دلك؟..

وقد يجري خاطرك، بعد إنتهاء القصة الحزينة، لأبن المرأة، وهو يقف يستجدي في ظهيرة حارقة، صديق أبيه، في إشارة مرور، هو في سيارته الفارهة، في ربيع عظيم، يفصلهما زجاج مظلل، من الشمس، وفضول الفقراء، فلا يعرفه الطفل، بسبب التظليل،، ولكن التجار، يعرفه،  ويولي الأدبار، مع أول أذن من الإشارة الخضراء فتأمل..

 

شكرا رانية، شعرنا بحزنك، ومشاعرك، وقدحك لأحوال البلاد والعباد..