محمّد جلال أحمد هاشم يتعلّق مشروع الحداثة في أهمّ جوانبه بالعلاقات النّوعيّة، كون أنّ المجتمع المعني بالحداثة ليس سوى قطاعين أساسيّين هما المرأة والرّجل في سياق ثقافي وبيئي زمكاني. ويعود اختلال المعادلة إلى حقيقة أنّ التّاريخ في غالبه ليس سوى سجلّ لهيمنة الرّجل على المرأة.

فقد ظلّت المرأة تتعرّض للعديد من آليّات الإخضاع عبر التّاريخ بغرض تدجينها، بالضّبط  كما حدث للحيوانات الأليفة. نجحت هذه الآليّات كثيراً في تحقيق هذا الخضوع للدّرجة التي أصبحت معها المرأة تقوم هي نفسها بدور أساسي في تدجين نفسها باعتبار أنّ هذه هي خياراتها ونمط الحياة التي تجد نفسها فيه. وتعكس لنا الملاحظات العابرة لأنماط سلوك ما يمكن تسميته بالطّبقة المثقّفة السّودانيّة، عالية التّعليم نسبيّاً، وساكنة المدن والحواضر (باعتبار مفارقتها لحياة القرية والرّيف عبر آليّتي التّعليم والعمل المكتبي المجزي نسبيّاً) الكثير من التّشوّهات السّلوكيّة التي تكشف قصور المجتمع السّوداني الخاضع للأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة في تحقيق أيّ قدر واعٍ من الأصالة والمعاصرة، وذلك ببيّنة وضع المرأة. فمثلاً هناك كثير من الممارسات الثّقافيّة والاجتماعيّة التي تقوم بها المرأة، نشأت أوّل أمرها، وربّما لا تزال، في سبيل إخضاعها. وإدخالنا للجملة الاعتراضيّة (وربّما لا تزال) نعني بها أنّ بعض هذه الممارسات قد حقّقت استقلاليّتها عن بواعثها الأوّليّة، وبالتّالي فتحت أمام المرأة فرصاً كبيرة للتّحرّر من ربقة تبعيّتها، وهي فرص قد اهتبلتها بالفعل قطاعات كبيرة من النّساء، بينما لا تزال هناك قطاعات أخرى عريضة تقوم بأداء هذه الممارسات وفق البواعث الأوّليّة. وتعتبر طبقة السّودانيّين الذين يعيشون في دول البترول النّموذج الأمثل فيما نحن بصدده.

من هذه الأمثلة ما يعرف في الثّقافة السّودانيّة الشّماليّة بالدّخان (نوع من حمّام البخار الحار حيث تجلس المرأة فوق حفرة بها نار من حطب ذي رائحة عبقة، قويّة، ونفّاذة، فيتعرّق جسمها بغزارة، وهي ممارسة موقوفة على المرأة التي تزوّجت) الذي يمكن الزّعم بأنّ بواعثه الأوّليّة كانت الذّهاب بقاذورات الدّورة الشّهريّة وروائحها الكريهة عندما لم تكن تتوفّر المعالجات الصّحيّة اللازمة hygienic من فوط قماشيّة أو قطنيّة، فضلاً عن كون ممارسة الدخّان علامة قروء، وبالتّالي تهيّؤ للمواقعة الجنسيّة. فالملاحظ الآن أنّ هناك قطاعات مستنيرة من النّساء تمارس الدّخّان بوصفه حمّاماً بخاريّاً قد يلجأن إليه من وقتٍ لآخر، باستقلاليّة تامّة، أو شبه تامّة، عن بواعثه الأوّليّة. هذا بينما هناك قطاعات أخرى من النّساء كرّست نفسها للدّخّان وتوابعه من حنّاء إلخ، بوصف كلّ هذا من الشّروط اللازمة لكونهنّ نساء متزوّجات، وبوصف ذلك من شروط النّظافة الأنثويّة.  هذا وإن تكن المجموعة الأولى (اللائي جمعن بين الأصالة والمعاصرة عبر الاستقلال بالممارسة) أغلبها من العاملات ذوي التّعليم (قلّ أو زاد)، إلاّ أنّ المجموعة الثّانيّة (المغرقة في التّقليديّة) تشهد أعداداً كبيرة من النّساء عاليات التّعليم اللائي ربّما انكفأن على المنزل كخادمات مجّانيّات لأزواجهنّ (الذين ربّما كانوا بدورهم زملاء دراسة سابقة)، فأصبح لا شغل لهنّ غير الحنّاء والدّخّان بالإضافة إلى الخدمة المنزليّة، ثمّ الثّقافة الاستهلاكيّة من شراء وبذخ، فضلاً عن باقي أنماط السّلوك الاستحواذي.

تكمن المشكلة في أنّ هذه الطّبقة من النّساء عادةً ما يُنظر إليها على أنّها صفوة الصّفوة. وهذا قد يكون صحيحاً إذا ما تمّ تعريف الصّفوة على أنّها الطّبقة المتعلّمة و/أو ذات الوضع المادّي المائز نسبيّاً. هذه الصّفوة، بهذا الفهم، تعاني من اغتراب ينطوي على حالةٍ من التّناقض يمكن التّمثيل له باهتمامها المبالغ فيه بالتّقاليد الجماليّة من حنّاء ودلكة إلخ من جانب، بينما تبدي اهتماماً موازياً بطقوس التّجميل الحديثة من ميك أب Make-up إلخ من جانب آخر، حيث يبالغن في استخدام المكياج، مثلاً، بدرجة قد تجعل منهن أشبه بنموذجالغازيّاتأوالعوالمفي الثّقافة السّينمائيّة المصريّة. هذا بينما كان في إمكانهنّ أن يجعلن من حالة التّناقض المحتملة جرّاء الجمع بين السّلوكين مدخلاً لحالة من الاستقلاليّة إذا ما تمّت الموازنة بين نمط السّلوكين بوعي فكري.

إزاء هذا الخضوع الذي تعيش فيه، تبرع المرأة في تطوير قدرات لا قبل للرّجل بها من شأنها أن تجعل الرجل يردّ لهنّ خضوعهنّ بخضوعٍ موازٍ. فغالباً ما ينتهي الأمر بالرّجل إلى أن يتحوّل بدوره إلى آلة لجمع المال بحث تتمكّن الزّوجة من احتياز أكبر قدر من الخيرات المادّيّة، الاستهلاكيّة بوجه خاص منها، إذ إنّها دالّة رفاهيّة، وبالتّالي دالّة رقي اجتماعي. على رأس هذه الرّغبة في الاحتياز، تأتي شهوة ملكيّة الأراضي، وليس مجرّد بناء منزل لتقيم فيه الأسرة. كما ذكرنا، تمثّل مجتمعات ما يعرف بالمغتربين (أي السّودانيّين الذين يعملون ويعيشون في دول البترول العربيّة بالخليج) أوضح مثال لهذه القطاعات، لتأتي بعدها مجتمعات المهاجرين (أي السّودانيّين الذين هاجروا للعيش في الدّول الغربيّة وأمريكا وأستراليا إلخ). يعطينا هذا الوضع التّناقضي صورة غير متوافقة؛ فمن جانب يبدو كما لو كان حداثويّاً، بينما هو مغرق إلى حدّ الإسفاف في التّقليديّة غير البصيرة.

في ظلّ هذا الوضع التّقليدي المغلّف بالحداثة، من الطّبيعي أن تحدث حالات نكوص حداثويّة حادّة حتّى بموجب المعايير التّقليديّة العاديّة، وذلك كلّما زاد الاستغراق في هذا الزّيف الحداثوي. فكلّما خضعت المرأة، بألاّ تعدو كونها خادمة مجّانيّة وآلة للجنس والمجامعة والإنجاب، كلّما زاد استحواذها لقشور الحداثة الاستهلاكيّة، وكلّما ضعفت قدراتها الفكرانيّة. من جانب الرّجل، نلاحظ أنّه كلّما زاد خضوعه لهذه التّقليديّة المتخفّية وراء قشور الحداثة، كلّما أيقظ هذا الوضع مكامن الطّبيعة التّقليديّة فيه بما يصحب هذا من امتيازات اقتطعها الذّكور لأنفسهم على حساب الإناث. فإذا كان الرّجل قد خضع لهذا الإطار التّقليدي الذي فرضته عليه زوجته (أو فرضه هو عليها، ومن ثمّ قبلت به وتماهت فيه)، إذن فعليها أن تتحمّل تبعات التّقليديّة. وهكذا، باختصار، يبدأ الرّجل، ذو الحداثة القشريّة، في رحلة نكوص من هذه الحالة ـ حالة البين بين التي يتأرجح فيها بين التّقليديّة في تجلّياتها التّخلّفيّة، وبين الحداثة الحقّة. ويتمثّل هذا النّكوص في سعيه الواعي وغير الواعي لاستعادة جميع الامتيازات الذّكوريّة التي يمنحها له الوضع التّقليدي، وعلى رأسها حقّ تعدّد الزّوجات في أحسن الأحوال، أو حقّ تعدّد العلاقات الجنسيّة مع نساء أخريات. عندها يستيقظ الرّجل على وهم الحداثة الذي ظلّ يعيش فيه، بدءاً من وهم علاقة الحبّ السّامية التي جمعته مع زميلته الجامعيّة (زوجته الآن)، معلّلاً نفسه بأنّ المرء قد تأخذه سورة الشّباب إلى اتّجاهات عديدة، إلاّ أنّه في نهاية المطاف لا محالة سيعود إلى ثقافته وتقاليدها الرّاسخة.

 

النّكوص الحداثوي في مجتمعات المغتربين

وفي الحقِّ، يقف مجتمع المغتربين بدول البترول العربيّة كنموذج لفشل طبقة الأفنديّة في الوصول إلى ثقافة نوع متوازنة ولو بالقدر الذي عليه الأوضاع في الوسط الاجتماعي الذي قدموا منه. فهذا مجتمع يكاد أن يكون أعضاؤه بالجملة ينتمون إلى الصّفوة التي أفرزتها مؤسّسات التّعليم العالي على مستوى الزّوجين. فضلاً عن هذا، فإنّهم يُنشّئون أطفالهم باعتبارهم صفوة المجتمع السّوداني بسابقة تميّزهم الاقتصادي، فيبرزوا متوهّمين أنفسهم كما لو كانوا طبقة أرستقراطيّة، وما هم بذلك. تتدهور العلاقات النّوعيّة في مجتمع المغتربين بصورة مغرقة في التّقليديّة التي لا تتشابه ونمط حياتهم ذات الشّكل الخارجي الممسك بآخر منتجات تكنولوجيا الغرب من أسباب الرّفاهيّة وبحبوحة العيش (ولو كان تظاهراً). فالانفصال بين الجنسين في مجتمع الكبار لا يتناسب والحياة الجامعيّة المختلطة التي صدر منها هؤلاء، خاصّةً عندما تجمعهم بدرجة كبيرة المجايلة. فالمرء قد يجد فيهم أبناء وبنات الدّفع التي تعاصرت في فترة الدّراسة الجامعيّة حيث كانوا جميعاً كالأسرة يلتقون يوميّاً. ولكن، بالنّظر إلى نمط حياتهم الاغترابيّة، تنعدم هذه التّداخلات الاجتماعيّة إذ يعيش الأفندي مع زوجته الأفنديّة المضادّة (كونها جامعيّة متعلّمة وتعمل كخادمة مجّانيّة لزوجها زميل الدّراسة) في عزلة غير مجيدة، لا يزورون ولا يزاروا إلاّ من قبل دائرة ضيّقة للغاية من الأهل والمعارف. في هذه المجتمعات، تكفي الرّجل مكالمة عادية يُجريها مع امرأة أخرى لإشعال فتيل المشاكل الزّوجيّة المتراكمة جرّاء خيبات مثل هذه الزّيجات الفاشلة بنيويّاً. ففي هذه المجتمعات المنتكسة إلى حالة من التّقليديّة “مقطوعة الطّاري”، لا قبل للمجتمع التّقليدي في السّودان بها، تتدهور المرأة إلى حالة بهيميّة من الخدمة اللامتناهية التي لا عزاء فيها غير تغذيتها بأحلام الأرستقراطيّة الزّائفة من تربية خارقة للأطفال وابتناء الدّور واكتناز المال والتّحلّي بالذّهب الأصفر وزاهي الملابس. ولا تملك المرأة (عالية التّعليم عديمة العلم والثّقافة في نفس الوقت) في ضياعها هذا غير نار الغيرة كقوّة دافعة. ويكمن التّناقض في أنّها ليس لها من تسلية غير تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين، من تجاذب أطراف الحديث مع ذويها بالسّودان بالهواتف الإسفيريّة، فضلاً عن تزجية الوقت بالشّراء المحموم ومشاهدة مسلسلات الحبّ والعشق في القنوات التّلفزيونيّة، وهي نفس حالات الحبّ التي تحرّمها على بناتها (اللائي يشاهدن معها ذات المسلسلات) باستثناء الأبناء، فليلهوا ما شاء لهم اللهو. ولكن مع من؟ مع بنات أخريات بالطّبع، لكن ليس بناتها؛ على غرار أنّ الزّوج عادةً ما يكون آخر من يعلم.

وقد دفع هذا الوضع في مجتمعات المغتربين بالأزواج إلى الانفصال التّام عن زوجاتهم لعدد من الأسباب. فأوّلها هو تجنّب أيّ مواقف يمكن أن تجمع الرّجل بأيّ امرأة أخرى في حضور زوجته. فهذا ممّا لا يمكن التّنبّؤ بعواقبه، خاصّةً في ظلّ تدهور المرأة إذ أصبحت مجرّد خادمة مجّانيّة مصابة بحمّى الشّراء وحمّى الغيرة الحارقة. من جانب آخر، عفا هذا الوضع المنتكس الرّجل نفسه من الاكتواء بنار غيرته الدّاخليّة في حال تعرّفها وتعاملها مع الرّجال الآخرين. فضلاً عن هذا، أصبح الرّجل في حلّ من مرافقة زوجته في الأنشطة الفكريّة الثّقافيّة التي انكفأت على الرّجال وحدهم دون نسائهم. في ظلّ هذه الأوضاع، واستشراء ثقافة التّحرّش الذّكوري بالمرأة في الوطن الأمّ، أصبح الرّجل المغترب (مثلُه في ذلك كمثل الرّجل غير المغترب بالوطن) يتعامل مع أيّ امرأة يلاقيها في الشّارع فتردّ عليه تحيّته باعتبار سودانيّتهما، في حال باشرها بالسّلام، مطعونة في نواياها. فإذا ردّت السّلام، فهي إذن إشارة للمضيّ قُدُماً في التّحرّش عسى أن يخرج من هذه الحالة العارضة بعلاقة عارضة أيضاً. وبالطّبع، الخاسر الأكبر في جميع هذا هو المرأة، ولا يُلام غيرُها. فقد فرّطت في قدرات حداثويّة كبيرة أُتيحت لها بالتّعليم وفرصة أن تتزوّج بطريقة غير تقليديّة، فضحّت بجميع هذا. والكاسب الخاسر بالطّبع هو الرّجل الذي تمّ إعفاؤه من جميع مطلوبات هذه الحداثة التي فُرضت عليه فرضاً.

يتجلّى هنا تناقض paradox آخر يعود إلى أنّ المرأة المنتمية إلى هذه الحداثة المجروحة، بمجرّد اكتشافها لهذه الخيانات (بما في ذلك الزّيجات، إذ عادةً ما ينظرن إليها باعتبارها كذلك)، تصاب بصدمة، انطلاقاً من نفس قيم الحداثة التي لا تقبل تعدّد الزّوجات. وبالتّالي، انطلاقاً من حداثويّتها الذّرائعيّة هذي، قد تشرع في ندب أيّام الجامعة، باكيةً على ذلك العشق المشبوب الذي باشرها به زوجها حينها، هذا بينما تكون هي التي سدّدت أولى الطّعنات لمشروع حداثويّتها وإعطابه بإصرارها غير النّقدي في التّشبّث بامتيازات التّقليديّة. في مثل هذه الحالات، يقول المنطق الصّوري إنّه لا بدّ من ردّ الصّاع صاعين، والعين بالعين، والسّنّ بالسّنّ، والبادئ أظلم؛ إذن فخيانة بخيانة (دون أن تملك الجرأة لأن تزعم بأنّ لها الحقّ في زواج مقابل ـ ولهذا يصبح زواج الرّجل بواحدةٍ أخرى مجرّد خيانة برغم تقليديّة الوضع). وعلى أيّ حال، فالنّهاية الواقعيّة لهذا الوضع هو زوال الأوهام، بما يستصحب من خيبة أمل وإحباط مقيم، وبالتّالي انهيار محتمل لمنظومة القيم، التّقليديّة الموروثة منها والحداثويّة المعطوبة. وهذا أحد أوجه المناقشة القائلة بأنّ الزّواج، في حال تأرجحه بين التّقليديّة والحداثة، قد أصبح مؤسّسة اجتماعيّة فاشلة.

بالطّبع لا يعني هذا إطلاق الحكم؛ فهذه الصّورة تعكس الحالة النّمطيّة، دون أن تتضمّن الحالات الاستثنائيّة. فهناك الحالات الكثيرة التي تشهد عن الزّوج الذي لا يخطر في باله أن يخون زوجته لسبب أو لآخر، من قبيل الوعي الظّاهري أو الباطني (أو كليهما) بضرورة تجنّب المحرّمات. كما هناك، مثلاً، ممّن تنتظمهم الظّاهرة التي نتناولها، أي الزّوج الذي يجد نفسه في هذا الوضع عن أصالةٍ، بمثلما يمكن أن يكون الزّوج قد تماهى بصورةٍ تامّة في هذا الوضع، مع احتمال القدرة على تطوير مقدراته الفكرانيّة بمعزل عن وضعيّة المدجّن المستسلم. كما هناك الزّوجة التي قد تخون زوجها المدجّن وذلك بعد أن تكون قد كرهته لمجرّد خنوعه وخضوعه … إلخ. عليه، يصبح من الصّعب حصر الحالات التي لا تدخل ضمن الظّاهرة المرصودة. وهذا أمر ضروري ولا بدّ من التّنويه إليه في معرض مناقشاتنا أدناه.

 

مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان