خالد فضل صديق مثقف , حائز على أعلى الدرجات الأكاديمية , من عليه الله بالعيش لسنوات فى كنف العالم الأول دارسا , ثم واتاه الحظ فنال الجواز الامريكى استحقاقا تكفله اجراءات اللوترى ,

عاد من قريب للسودان فخالط أنماطا من طبقة المتعلمين , لكنه فيما يبدو وجد الالقاب والمواقع ولم يعثر على شاغليها وحامليها , بدا منزعجا  من سيادة مفاهيم البداهة فى تكوين الانسان رغم أن الوسط الذى يتعامل معه يفترض أنه وسط قد تجاوز تلك المفاهيم . هونت من أمر انزعاجه ذاك ودللته على نماذج طيبة لوعى وتقدم يتصف به أعداد متزايدة من الشباب السودانى من الجنسين , ولكن مع ذلك تظل جبهة المفاهيم السائدة من الجبهات التى تتطلب بذل كثير من الجهد لسد فراغاتها البائنة  , وإذ أذكر هنا مقولة للراحل د. جون قرنق عندما سئل عن تحرير السودان من من؟ فاجاب بدقة “التحرير ليس من من بل من ماذا؟” ولأن ماذا هذه يحملها من فالواجب مخاطبتهم مباشرة . كما أذكر اجابة للدكتور منصور خالد ردا على من سأله عن اختياره الانضمام للحركة الشعبية وهى حركة ذات قوام جنوبى غالب قال “أتمثل قول المسيح , هى زكاة أوديها نيابة عنكم وأنا صاعد الى عليائى” وقد قصد د. منصور أنه يؤدى الزكاة نيابة عن العقل الشمالى الذى لم يكن قد خرج بعد من أتون متاهته الكبرى وما يزال بعض ذلك العقل ماكث فيها مع الاسف.  يقول صديقى المار ذكره أنه لحظ تأثر حركة الانتفاضة ضد ممارسات سلطة الانقاذيين وخاصة الاخيرة هذه , بالخطاب الايحائى العنصرى الذى بثته السلطة حول طابع الانتفاضة الجماهيرية وتصوير المسألة كأنها عمل دبرته الجبهة الثورية , وبالتلى فإن العقل الجمعى الشمالى الذى يفترض فى هويته العروبة , قد جفل من الاستمرار فى ثورة سيرثها غير العرب أى (العبيد) حسبما يتم تصنيف الناس عرقيا هنا فى السودان. وبالطبع لا يمكن انكار أثر مثل تلك الدعايات الخبيثة لدى أوساط اجتماعية مهيأة سلفا لتقبلها , فالوصول الى مرحلة الوعى والانتقال من مفهوم البداءة والبداهة يتطلب جهدا فكريا وعملا عقليا كبيرا دون شك , ويحتاج قبلا الى بيئة اجتماعية ملائمة ووسائط تعليم وتثقيف فعالة وهى المعطيات الغائبة مع الأسف هنا فى السودان حيث تسلط على زمامه فى آخر عهده فريق من الناس يمثلون انصع الطبعات وضوحا من حيث الشعور بالاستعلاء على الآخرين , ولا تفلق دماغك كثيرا بما تراه من أدبيات مثالية فحقيقة الأمر  أن هذه الادبيات لا تمثل الا عدة شغل لممارسة الاستعلاء , أفلم تنظر الى أن الاستعلاء قد ابتدأ متخذا طابع الدين واعتبار حزب الله هم الاعلون , فجاز فى حق الآخر كل شىء بما فى ذلك القتل , وشرع الجهاد ضد من تم تصنيفهم ضربة لازب كفارا , حدثنى مرة السيد عمر عبدالرحمن المشهور بـعمر فور وقد صار وزيرا فى دارفور على أيام اتفاقية السلام بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان , قال: إنهم كانوا يستمعون الى أحاديث قادة الحكومة الاسلامية فى الخرطوم وأدبيات التعبئة التى يبثونها عبر الاذاعة , وتركيز تلك التعبئة على مسألة محاربة الكفار والمارقين وأعداء الله والاسلام , بينما يكونون هم على بروش الصلاة يؤدون فى أوراد طرقهم الصوفية داخل الخنادق , قال لى عمر إن سماعهم لحديث الافتراء ذلك كان يزيدهم ايمانا ويقينا بصحة ما اختاروه من موقف أى “تحرير السودان من مثل تلك المفاهيم الخائبة التى تزعم للنفس سيادة وأحقية وتمنح الذات فوق ما تستحق فى مقابل التحقير والافتراء على الآخر زورا وبهتانا” ولما كان الشعور بالاستعلاء وتضخيم الذات ينمو ويكبر  بمرور الوقت إن لم يلجم النفس لجام من خلق ووعي وعلم وخبرة ودين , فان هذا الشعور يتحول الى سلوك آلى يمارسه المستعلى دون أن يرمش له جفن , بل يظل يبحث دوما عن مظان الضعف لدى الآخر ليبرر بها استعلاءه عليه , فعندما يعدم مناقشك مثلا حيلة لتبرير شعوره بالاستعلاء على الآخر يلجأ مثلا الى ترديد نص دينى معتقدا افحامك به , فإذا وجد عندك فهما مغايرا لذات النص سرعان ما حاول الاستعلاء عليك بادعاء بطلان فهمك للنص وهكذا الى أن يعدم حيلة فيتهمك مباشرة بالكفر وهكذا يغلق معك باب التفاهم, ولان مناخ الكبت السياسى والثقافى والفكرى هو السمة الابرز فى حياة شعبنا وبلادنا منذ خروج الاستعمار وازدادت ضراوته باستيلاء جماعة الاسلام السياسى . على السلطة , فان هذا المناخ وتلك التربية السلبية لمشاعر ازدراء وتحقير الآخر قد تناسلت , وحتى عندما غرب وجه الاسلام عن السلطة (والتعبير قاله د. الترابى عشية اقصائه من الحكم) فان ميراث الاستعلاء ظل باقيا وان اتخذ مسالك أخرى ذات طابع اثنى , وباعتبار أن معظم اتباع الترابى كانوا من الدارفوريين ومن المجموعات غير العربية بصورة خاصة , فان عمليات تطهير دولاب الدولة من الترابيين قد سارت على منوال الاثنية بصورة واضحة ولدرجة أن الكتاب الاسود الذى صدر عقب انقسام الانقلابيين الاسلاميين لم يجد دحضا أو تشكيكا فى محتوياته واحصاءاته بل انصب جل الهجوم عليه فى طابعه العنصرى ودوافعه وهكذا. ثم وبتوالى الوقائع ازدادت حدة الاستقطاب العنصرى فى السودان , وعندما وقعت أحداث عنف عقب مصرع د. جون قرنق اطلق عنان الدعوات العنصرية بصورة سافرة وانشئت منابر وصحيفة ذات نفس عنصرى بائن , يقول الطيب مصطفى صاحب المنبر والصحيفة أنه إذا انفصلت دارفور وكردفان بعد انفصال الجنوب فلا تثريب , ثم إنه لا يأسى لما يمكن أن يحيق بالمسلمين الجنوبيين تحت حكم علمانى وغاية ما يقدمه لهم دعوته لهم بالجهاد ضد الحركة الشعبية , ودعوة الطيب مصطفى ليست نائية عن دعوة عبدالرحيم حمدى صاحب نظرية مثلث حمدى ذى الخصائص الاثنية والثقافية المتقاربة, ودون أن يكلف نفسه مشقة السؤال المضنى عن الحق فى التنمية المتوازنة وبناء الوطن على أساس العدالة وغيرها من أدبيات لا يأبه بها من قر فى وعيه مفهوم الاستعلاء , ثم جاءت أحداث حملة حركة العدل والمساواة بقيادة المرحوم خليل ابراهيم ودخول قواته الى قلب العاصمة وما تلى ذلك من ملاحقات اتخذت طابعا عرقيا لا يمكن الكذب بادعاء غيره , ثم جاء ميلاد الجبهة الثورية ومعظم مكوناتها تنحدر من أبناء جبال النوبة ودارفور وكردفان وجنوب النيل الأزرق (أى العناصر غير العربية من السودانيين) فكان لابد من اطلاق دعاية محددات العرق والعنصر هذه المرة إذ لا قبل لدعاة الاستعلاء باطروحة سياسية فكرية يبزون  بها ما تطرحه الجبهة الثورية من أفكار تجلت فى وثيقة الفجر الجديد التى واجهتها الفئة المستعلية بسيل من الهجوم والوعيد والتهديد , وكل هذه من سمات المستعلي عندما يعجز عن تبرير وتسويغ استعلائه صراحة فيلف ويدور ويهتبل الفرص لابراز استعلائه , وما يحدث هذه الايام من نشر لصور وتكرار أحاديث عن التخريب والمخربين وتهويل الوقائع ونشر الشائعات , كل ذلك يتم وينم عن مفهوم ما يزال مستعمرا (بفتح الميم) ويحتاج الى تحرير ليرى الدنيا وقد تغيرت والانسانية قد تقدمت والبشرية قد ازدهرت ولذلك تظل المسئولية أمام كل من يحمل وعيا ليبثه رغم العوائق فالتغيير الاجتماعى مسار صعب لكنه سيحدث بالمثابرة.