د. جمعة كندة كومى 1.      مدخل تنطلق فكرة هذا المقال من بواعث تهدف للإجابة على السؤال الجوهرى: ما هى السبب أو الأسباب الرئيسة لأزمة الحكم فى السودان؟ بمعنى أخر لماذ ظل السودان أسيراً للدورة السياسية الخبيثة: حكم مدنى، ثم عسكرى، ثم مدنى فعسكرى مرة أخرى؟

تأتى أهمية الإجابة على هذا السؤال فى الوقت الراهن الذى ينادى فيه الكل بالتحول الديموقراطى والتداول السلمى للسلطة. إن لم نجاوب علي هذا السؤال بوضوح شديد، فلا داعى للمناداة بالتحول الديموقراطى، لأن ذلك سيكون حلقة أخرى من حلقات الدورة الخبيثة فى السياسة السودانية. بالرغم من أن الإجابة على هذا السؤال أمر فى غاية التعقيد، ولكن فى تقديرنا هناك سببين أساسيين يشكلان معظم – إن لم يكن كل – الإجابة، وهما:

  1. الوصف أو التشخيص الخاطئ، لما يسمى الدورة الخبيثة (المدنية والعسكرية) للأنظمة التى حكمت، وما تزال تحكم السودان.
  2. غياب الممارسة الديموقراطية داخل الأحزاب السودانية، بما فيها التى ترفع شعار الديموقراطية مبدأ لحكمها.
  3. 1.      الوصف أو التشخيص الخاطئ للأنظمة التى حكمت وما تزال تحكم السودان

تشير الأدبيات المتعلقة بالسياسة السودانية، بأن السودان مر بحقب من حكم مدنى من 1956-1958، ومن 1964-1969، ومن 1985-1989. وتخللت تلك الحقب المدنية (الديموقراطية) حقب عسكرية من 1958-1964، ومن 1969 إلى 1984، ومن 1989 إلى (؟). قد يختلف الناس، ولكن بالنسبة لى المعيار الذى يميز بين النظامين، هو ما إذا كان رأس الدولة ببزة عسكرية أم مدنية؟ بالطبع الحقبة الحالية هى الأكثر جدلية إذ يراها أنصارها بأنها ديموقراطية قح، بينما تراها المعارضة بأنها شمولية حتى النخاع، وبين هذين الموقفين توجد آراء سياسية متعددة لصالح أو ضد أى من الموقفين. نقطتى الرئيسة هنا هى أن وصف تلك الحقب بالعسكرية تارة، ومدنية تارة اخرى، يعتبر وصفا غير دقيق بكل المعايير السياسية. فإذا نظرنا بالتدقيق إلى الكيفية التى ينتقل بها الحكم من حقبة مدنية الى عسكرية، نجد ظاهرها إنقلاب عسكرى على نظام مدنى، ولكن باطنها عبارة عن شكل من أشكال تسليم السلطة عبر خطة متفق عليها بين الطرفين، مثل عبود – خليل فى 1958، أو عبر خطة بين حزب مدنى حاكم أو فى المعارضة، مع مجموعة من العسكريين المسيسين: نميرى والشيوعيين فى عام 1969من جهة، والبشير والجبهة الإسلامية فى عام 1989من جهة أخرى نماذجا. فى كل هذه النماذج، تجد تحالف ساسة مدنيين فى الحكم أو المعارضة، مع عسكريين مسيسين أثناء الخدمة العسكرية.

خلاصة القول هنا، أن كل حكومات الحقب العسكرية المذكورة أعلاها، مسنودة علنا أو فى الخفاء بحزب سياسى، أو هى حكومات تقودها خلطة عسكرية مدنية متحالفة. وبالمثل فإن حكومات الحقب المدنية مسنودة علنا أو فى الخفاء، بعسكريين فى الخدمة لكنهم مسيسون حزبيا. بالطبع لا يمكن وصف هذه الحقب بأنها عسكرية ومدنية، لأن العسكري هو مدنى فى ذات الوقت، والعكس صحيح. وإن قبلنا هذا التحليل، فيجب أن نتحدث عن أى شئ، عدا ما يسمى بالحقب الديموقراطية فى السودان، لأنها هى غير موجودة أصلا فى تأريخ السودان حتى اللحظة على الأقل.

  1. 2.      غياب الديموقراطية داخل الأحزاب الديموقراطية

يشير التأريخ السياسى للسودان، أن هناك جيلاً ما، فى معظم الأحزاب التى حكمت السودان، قد شارك بشكل ما فى الإنقلاب على نظام مدنى ديموقراطى. وهذا يطرح تساؤلات مشروعة حول صدقية وإيمان مثل هذه الأحزاب، تأريخيا وحاليا، بمبدأ الديموقراطية. أما الشاهد الحى والأقوى والدال على عدم إيمانها بالديموقراطية، فهو عدم ممارسة قيادة الأحزاب للديموقراطية داخل مؤسسة الحزب، ويترتب على ذلك بقاء الزعيم فى قيادة الحزب مدى الحياة. وهنا لابد من الإشارة وبصورة عابرة إلى كتاب البروفسور عطا البطحانى “أزمة الحكم في السودان / أزمة هيمنة أو هيمنة أزمة”. اذ يقدم الكاتب حججا دامغة تجاة عجز الطبقة الحاكمة في السودان فى إرساء قواعد وممارسة للحكم الراشد منذ الاستقلال، وبالتالى إخفاقها المتكرر في كيفية تداول السلطة سلميا. أخفقت وستظل تخفق لطالما جل الأحزاب وقياداتها مزدوجة المواقف، حينما يتعلق الأمر بالديموقرطية، إذ تنادى بها شعارا للحكم، لكنها لا تطبقها داخل مؤسساتها الحزبية.

إن كان هناك ممارسة ديموقراطية فعلية داخل الأحزاب – كل الأحزاب الحاكمة والمعارضة – فكيف نفسر بقاء رؤساء الأحزاب فى قيادة الحزب مدى الحياة؟ والغريب فى الأمر، أن تتصدر القائمة شخصيات تعتبر فى نظر الكثيرين فى الداخل والخارج، أنها رموز للديموقراطية والحرية والإصلاح السياسى فى السودان. لا تسألنى عن قائمة الأسماء فهذا عصف ذهنى بسيط ولكن نتائجه مذهل للغاية، ويمكن لأى شخص عادى أن يتحقق من ذلك. إن الأمانة تقتضى بأن نقول لا فرق بين زعيم يبقى فى قيادة الحزب فى المعارضة – أى خارج سدة الحكم – لعشرات السنين مع آخر يجلس على سدة الحكم والحزب معا لعشرات السنين. إن أى زعيم حزب جالس على كرسى الزعامة لمدة لا تحدها إلا يوم مماته، فإن تشدقه بالديموقراطية يعتبر فى هذه الحالة نوعاً من أنواع النفاق السياسي الصريح. إن التداعيات السياسية لغياب ممارسة الديموقراطية داخل الأحزاب كثيرة، ولكن أهم مظاهرها هى:

  1.  إستمرار الدورة الخبيثة لأزمة الحكم، وعدم الأستقرار السياسى، وغياب ثقافة التداول السلمى للسلطة فى السودان.
  2. إحتكار شخصيات سياسية محددة داخل كل حزب لفرص الإستوزار (أى أن يصبح وزيرا). وتتحرك مثل هذه الشخصيات المحظوظة، من وزارة إلى أخرى، كمن يتحرك من كرسى إلى آخر داخل منزله الخاص. ولطالما حزبه حاكم، فهو وزير وبالتالى فإن التعديلات الوزارية تعنى لمثل هؤلاء فرصة أخرى لتجديد بقائه فى نفس الوزارة، أو التحرك إلى وزارة أخرى.
  3. نفاد صبر الأحزاب المعارضة بإعتبارها هى حكومات ظل مرتقبة، تنتظر دورها دون ظهور اى بوادر فى الأفق بقرب مجئ دورها، لأنه كلما يمر الزمن تتشبث مجموعة محدودة داخل الحزب الحاكم بالسلطة أكثر، فيتململ الكل داخل الحزب الحاكم والمعارضة معا.
  4. ظهور إنشطارات أميبية داخل الاحزاب، بما فيها الأحزاب الحاكمة. أعطونى حزبا واحدا كبيرا أو صغير، ديموقراطيا أو شموليا لم تطله إنقسامات مركبة. تلك الأنقسامات لا بسسب خلافات جوهرية فى المبادئ والفكر أو المنهج. ولكن بسبب الضيق من الرأي والرأي الأخر داخل الحزب لغياب الديموقراطية، وبسبب أن كل واحد من أعضاء الحزب ينتظر دوره ليشارك فى الحكم. ولكن ذاك الدور لن يأتى أصلا.

فى الختام أعود فأقول، إن أزمة الحكم فى السودان، هو بسبب غياب ممارسة الديموقراطية داخل الأحزاب السياسية، بما فيها تلك التي ترفع الديموقراطية شعارا ومبدأ للحكم، دونما تطبيق داخل مؤسسات الحزب، سواء كان فى المعارضة أو فى سدة الحكم. ولن ينصلح حالنا فى السودان، ما دام الساسة يمارسون نفاقا سياسيا نهارا جهارا باسم الديموقراطية- وبكل أسف يجدون طيلة هذه المدة من يصدقونهم على الدوام.