فائز السليك عندما تلتهب ميادين جامعة الخرطوم بالمواقف الوطنية في بدايات تسعينيات القرن الماضي ، وتحتشد جنبات الجامعة العريقة بحمى المقاومة، ويعلو الحماس وتتصاعد الأحداث، كنت أنت يا  صديقي الجميل تشق الآلاف  بعودك النحيل،

وتدفع بيديك كرسيك المتحرك، وابتسامة تعلو شفتيك، وبريق اصرار يتسلل من بين عينيك، وطاقة خرافية تنبعث منك، فتتمدد جزيئاتها، وتنداح حلقاتها، وتتسرب في نفوس الآخرين.

ثم تخرج من حنجرتك  كلماتٍ كالرصاص ،  أنت كاتبها، تهتف بها بكل صدق.

   لون اللهبة ..

دم الشهداء..

 مهر الحرية الجايا عروس..

 فيعلو التصفيق،  فتستاك الأفواه بالهتافات، وتزداد درجات الحماس ارتفاعاً ، وتغتسل الدواخل بماء الوطنية،   ثم يواصل صوتك القوي موجهاً رسائله النارية تلك نحو الأمنجية،  أو كلاب الأمن، مثلما يسميهم الطلبة.

 لمو وسائل القمع المعروفات..

  البمبان الرصاص ..

 الألغام، الدانات..

 كل الجيش الفي الثكنات..

 كلاب الأمن بالميات..

 ويصل التصفيق مداه وصديقنا يردد ..

في نص نعيم بلدتنا وخيرا..

واقف الظالم شايل راية..

كاتب فيها العدل الغائب..

لابس كاكي وتحتو عباية..

بوتو بلمع بس ممسوح بجلد يتامى..

 كابو مرصَّع الا بغطي أفكار هدامة..

 شايل مدفع وبرضو بقول على نفسو حمامة..

وما أن تتقدم الجموع في مظاهرة حاشدة، تتحدى الغاز المسيل للدموع، والهراوات الغليظة، ينسحب البعض، ويتراجع آخرون، وتختفي بعض قيادات، إلا أنك أنت  يا صديقنا تتقدم ببسالة، وبخطوات واثقة نحو مقدمة الصفوف،  فوق كرسي ذلك، فيشعر كثيرون  بضآلة،  وطاقتك الخرافية تلك تزيد من حولك  شجاعةً، وتشعرنا كأن رائحة الغاز البذئ  تلك هي أريج ياسمين، وللمفارقة فالناس مختنقون  لكنهم ماضون في طريقهم، رغم العسسس، وقنابل موته، وعصي تعذيبه.

صديقي جعفر ..  لم أكن مستغرباً ، وأنا أقرأ خطابك المؤثر يوم أمس، وموقفك الشجاع، وأنت تهزم ( الأمنجية)، داخل زنازينهم، وتقول لهم بكل جرأة، وأنت تحت قسوة قلوبهم المريضة، لا ترهبك ساديتهم، تقول لهم، وأمام وجوههم القبيحة  (أنتم اللصوص وليس نحن .. أنتم الصعاليك لا نحن).

هذا موقف يتسق تماماً مع مواقفك  ياصديقي جعفر خضر، المناضل الحقيقي، والرجل الجرئ، و الذي أفتخر بمعرفتي به،  منذ حوالى عشرين عاماً، فقد كان جعفر طالباً في جامعة الخرطوم، بكلية الأقتصاد والعلوم السياسية يلهب الجامعة بأشعاره وبمواقفه.

لقد أقشعر بدني، وأنا أقرأ رسالتك تلك، والتي تقول فيها ( في داخل مكاتب الجهاز اتهمني مدير جهاز الأمن بالقضارف العقيد عبد الحليم محجوب بأنني سرقت مال المنظمات الموجه للعمل المعارض وبنيت به صالوني الذي أسميته قاعة عدن ، وكان الرائد إيهاب الإمام قد وجّه لي ذات التهمة من قبل ـ فقلت لمديرهم عبد الحليم لحظتها : هل أنتم حريصون على مال المنظمات والمعارضة لدرجة اعتقالي وتوجيه مثل هذه التهمة ؟ وكيف هو حال “الإسلاميين” مع مال الشعب ؟ وأقول لك أيها العقيد عبد الحليم مشكلتكم أنكم تظنون أن كل الناس مثلكم لصوص أو تتمنون أن يكونوا لصوص مثلكم ، مثل القرد مقطوع الذيل الذي اجتهد في قطع أذيال باقي القردة بإغوائهم بسرقة البطيخ . وعليك أن تعلم أن الأغلبية الساحقة من هذا الشعب من الأنقياء الذين لم يلوثوا أيديهم بمال الشعب ولم يطعموا أولادهم المال الحرام .. وأنتم اللصوص لستم سوى قلة قليلة .. وعندما أقول أنتم فأنا أعنيك أنت أيها العقيد عبد الحليم .. فأنت لص .. نعم أنت لص .. ولي دليلان الأول أنك استوليت على كاميرا دجتال سوني تخصني وحقيبة منذ قرابة السنتين (14/1/2012) دون قرار محكمة ودون إذن قضائي بل دون حتى تحقيق أو تهمة ، كما استوليت على موبايل يخصني منذ 25/6/2013 دون محكمة دون قضاء دون تحقيق دون تهمة ، وها أنت تحاول نهب كمبيوتري ـ فإذا كان قانونكم المعيب يبيح لكم كل ذلك فالمشكلة أخطر في وطن يكون فيها القانون أحد أدوات جرائمكم القذرة ، وبذات الطريقة نهبتم ممتلكات الآلاف من المواطنين . الدليل الثاني الأهم هو أن 70% من ميزانية الدولة تذهب إلى الأمن والدفاع وهذه المبالغ الضخمة لم يحدث أن صُرفت على الأمن والدفاع في تاريخ الدولة السودانية.

جعفر خضر، أو الشهيد الحي؛  والذي تغني لشهادة طارق محمد ابراهيم في جامعة الخرطوم في بداية التسعينيات، هو ذاته الذي يكتب في رسالته الأخيرة  المثيرة، والوطنية الصادقة  (نحن على درب الشهداء صلاح سنهوري ، والدومة آدم ، ومازن سيد أحمد ، ووفاء محمد إبراهيم ورفاقهم البواسل سائرون ولأفضل لنا من عيشة المذلة أن نلقى الله شهداء على أيديكم أيها الطغاة وينفتح باب الحرية على مصراعيه على ربوع الوطن ).

 وجعفر خضر، الذي يسعى إلى الشهادة طوعاً،  حباً في الوطن، ورفضاً للذل، وبرأس مرفوع، هو ذات الرجل المتفائل، الذي يحلم بالحرية ، لأنه يبصر ضواءً في آخر النفق، أو ليس  هو ذاته القائل (  كل ضلام بعقبو الضوء والموية العكرة مصيرا تروق). اي رجلٍ ، وأي مناضل أنت يا صديقي!!!. دائماً تحول السجان إلى سجين، والمستبد إلى مقهور،  ويقلب كل نظريات المستبدين وخططهم الشريرة التي  تقوم على تحويل الضحايا إلى جناة، وتحول الوطنيين إلى خونة، والديمقراطيين إلى مارقين، لكن جعفر يسقط كل هذه النظريات، وفي قلبه ذهنه وقلبه قول محجوب شريف للطاغية ( وترجف وانت في قصرك، ونرقص ونحن في ي أسرك).