دين م1930، ودين 2013م!!  ـــ  مقتطفات من الموسوعة الاجتماعية، الأدبية، السياسية  ـــ (ملامح من المجتمع السوداني)  للأستاذ حسن نجيلة  ـــ (الحزء الأول)   كل من يطلع على سفر المعلم العظيم حسن نجيلة (ملامح من المجمتع السوداني)، بجزئية، لابد أن يتساءل بحسرة.

هل أرتد فهمنا العام، وتراجع نمط الحياة الشعبية، وتحجر؟ فكم كانت هناك سعة في الفهم الشعبي، والنخبوي،  فلم؟

ولم صار الفقيه المتحجر حكم الساعة والساحة؟ ولم فسد هواء الحوار حتى في الأحياء والاندية؟ أي هوة سقطنا فيها بتسلط الهوس الديني في العقود الماضية، فكم كانت لنا صحافة حرة “طبعا نسبيا”، حتى في عصر المستعمر، وما بعده، وكم كان الرأي العام سمحا لا يضيق بتعدد الرؤى، والسلوك، وكم كانت هناك أركان نقاش حرة، وحوار طيب، في الجامعات والأندية، والبيوت، ولكن صار الوضع مأساوي بصورة غريبة، وخطيرة، فأرتفعت البنادق في كل حوار خاص وعام، حتى في حوار الببيوت بين الاهل بما تبثه وسائل إعلام ضارة بالحياة والدين والفكر، فأشتعل الهوس، بدل الفكر الرصين والحوار الموزون، ومحبة المعارض، وتوقير المختلف، وتلك هي سنة الحياة، في جدلها الإبدي، الإبداعي، بين المتناقضات، ولكنا صرنا حلفاء رأي واحد، أحد، والويل لم يخالفه، حتى أرتد بعض من الرأي العام، للتكفير، بدل التفكير، والتمحيص، والجدل لكل رأي مخالف، جرئ وعميق..

هناك كارثة، هناك ازمة (ومجمتع جديد، أو الكارثة)، ندرح هنا، بعض من حكايات المعلم حسن نجلية، عن سودان الثلاثينات، وعن رجال الدين، وعلاقتهم بالشعر، والفن، وكل انماط السلوك، وتجليات الحياة، وللحق كتاب “ملامح من المجمتع السوداني،، هو منجم، مصدر اجتماعي، وسياسي، لتلك الحقبة والعقود المهمة في تاريخنا السياسي والفكري والاجتماعي والأدبي، وتحس بتلك القطيعة الحادة، مع تراث شعبي في التعامل بين شرائحه المختلفة من رجال دين (والكل رجال دين)، وفنانين، ومفكرين ولاعبي كرة، وكل يوقر الآخر، ويقدر طاقاته في خدمة الحياة العريضة، المطلقة (بصورة شبه مرضية، وليتها تسامت)، ولكنها ارتدت على اعقابها، فصرنا نسمع محاكمة فنان، وجلد شاعر، واغتيال مفكر.

في وصف كرومة (كما سطر نجيلة):

ربع القامة، أقرب للقصر، أسمر اللون، ممتلئ الجسم، في غير ترهل، وسيم الطلعة، على خديه شلوخ عريضة في أعلاها، وكانت من سمات الجمال آنذاك للجنسين معا، أنيق في ملبسه إلى حد المغالاة، يحب لبس القفاطين، ويتشريها من الأنواع الغالية، وقد يغير ثيابه مرتين في اليوم الواحد، خاصة إذا علق بها أقل قدر من الوساخة، فسرعان ما يعود لداره ليستبدل ثيابه بغيرها، يحمل في يده دائما عصا جميلة من الكريز، تكلمة للأناقة..

(كأن كرومة أمامك؟ إليس كذلك!! شكرا حسن نجيلة على دقة الوصف!! ولمن يبحث عن أحذية الاستقراط فليسأل عن ديفيز براين؟ ولكن ماهو؟ نتابع الوصف، من كتاب ملامح، في وصف للفنان كرومة): 

وكان ينعله في رجليه جزمة يحسن اختيارها من المحلات الأفرنجية في السوق الأفرنجي بالخرطوم، وأشهرها محل “ديفز براين”، الذي يستورد السلع الإنجليزية، الذي يرتاده الانجليز وكبار الأجانب وقلة من الأفندية الارستقراط.

ثم لقائه بالشيخ العظيم، قريب الله :

الليل خافت الأضواء والحركة، يسري نسيمه رخاء، والقمر يرسل أشعته الفضية على دور أمدرمان الداكنة ( وجلّها من الجالوص ) فيضفي عليها شيئاً من الرواد. وخلف هذه الجدران وجوه تهفو لها القلوب وتظمأ الأرواح ، ففي كل حي وجوه ألهمت شعراء الأغنية ، وأطلقت أوتار المطربين وسارت على ألسنة الناس ، في أمدرمان وفي سائر مدن السودان ، التي كانت (البقعة) منارة هادية لها في كل جديد يصدر عنها. هنالك في حي (القلعة) حيث الوجه الفاتن الذي ألهم (أبو صلاح) :


العيون النوركن بجهــــرا غير جمالكن مين السهرا يا بدور (القلعة) وجوهـرا .

وفي ود نوباوي تلك التي كانت تلهب مشاعر الشباب كلما تثنت في حلبة الرقص  ويغنون لها:

في النسايم شاكي

لي ودنوباوي تروح

بي لطف تغشاكي

ياشريكة الروح

وفي العباسية الحسناء (آسيا) التي تمنى عمر البنا أن يحمل إليه النسيم عبيرها مساء كل يوم ، عسى أن يُخفف عنه ما يلاقي من (ألم البين) ، فيقول :

يا نسيم الروض زورني في الماسية وجيب لي الطيب من جنـــاين (آسيا) وانعش روحي من ألــــــــــــــم البين

كرومة . يتوسط حفل عرس في حي ودنوباوي .. الذي تمنى فيه أبو صلاح أن يغشى النسيم (بي لطف شقيقة الروح) . وقد اكتظت الدار بالجنسين ككل مرة يغني فيه كرومة ، الذي إنطلق صوته في هدأة الليل صافياً عذباً ، يهُزُ المشاعر طرباً ، والفتيات يتهافتن للرقص . على ألحانه الشجية.

دار العرس ليست ببعيدة عن دار الشيخ قريب الله شيخ الطريقة السمانية بأمدرمان ، وقد جلس الشيخ التقي الورع على (تبروقة) الصلاة وحوله بعض مُريديه .

وتلامذته جلوساً على (البروش) يستمعون إلى إرشاداته وأحاديثه الموجهة للخير كعادته معهم .. ويصمتُ الشيخ في بعض الفترآت ولا يتحدث ، وإنما ينصرفُ إلى تأمُلآته وينفرد بنفسه.

ويحملُ النسيم إلى الشيخ ومن معه صوت كرومة الرآئع يُغني :

يا ليل أبقالي شـــــــــاهد على نار شـوقي وجنوني يا ليـــــــــــــــــــــــــــــــل

وينصتُ الشيخ إلى هذه المُناجاة العُذرية لليل. الليل الذي يُقيمُه تعبداً وتهجداً وتلاوةً للقرآن . ألا ما أحسن هذا الذي يسمع من كلمات ويلتفتُ الشيخ إلى تلاميذه سائلاً . من الذي يُغني لليل ؟!  فيقولون له إنه مُطرب إسمُه (كرومة). ويصمتُ الشيخُ قليلاً . ثم يتجهُ إليهم قائلاً .. اذهبوا إليه وأطلبوا منه أن يأتيني مشكوراً، ويخفُ بعض تلامذته إلى حيثُ يُغني كرومة في بيت العرس. كرومة وقد فرغ من أداء الأغنية وجلست الفتاة التي كانت ترقُصُ على (السباتة) لتُخلي الدائرة لأخرى ووصل رُسُل الشيخ، وهمسوا في أذن كرومة الشيخ قريب الله يُريدُك أن تحضُر إليه الآن ويفزع كرومة ويضطرب ويحار، ماذا يريدُ منه الشيخ كان بجانبه صديقه الشاعر عمر البنا ، يستمع للحديث، فيقول له مشجعاً :

سأذهب معك، ونهضا. ويخب التلاميذ أمامهما .. ويبلغان الحجرة التي فيها الشيخ وبعض مريديه، وينحني كرومة مسلماً ومقبلاً يد الشيخ  ويلقاه الشيخ في بشاشة ولُطف. ويؤتى لهما بشرآب من العسل الممزوج بالماء  يرشفانه في بُطء  ويزدآد إطمئنان كرومة. وينظُر الشيخ إلى كرومة ويقول له لقد سمعتُك الآن تُنشدُ كلمات طيبة عن (الليل) فهلا أسمعتني أياها؟

كان هذا آخر ما فكر فيه كرومة ، ولكنه نهض مُنتشياً بهذا الطلب ونهض معه عمر البنا ليقوم له بمُهمة (الشيال) أو (الكورس) وبدأ كرومة يُغني مطلع القصيدة في شئ من الإضطراب، ويُردد المقطع الأول في الأغنية :

والشيخ ينظر بعيداً ساهماً، الليل ، كم له فيه من تسبيح وتهليل. ويرتفعُ صوت كرومة بكل ما يحملُ من نبرآت ساحرة و (بحة فى صوته). آسرة.

يا ليل صار ليك مــعاهد طرفي اللي منامو زآهد يا ليـــــــــــــــــــــــــــــل .

ويهتزُ الشيخ، ويرتفع صوته في صيحة من تملكته نشوة الليل  ليل الصوفي العابد . صاح . الله!  ويسمعُ كل من في الحجرة صيحة الشيخ . الله! وقد إنكفأ على (التبروقة) مغشياً عليه!

ويُسرعُ تلاميذ الشيخ الذين جاءوا بكرومة وصاحبه وقد وقفا وسط الحُجرة كتمثالين جامدين لما أصابهما من دهشة، ويصحباهما إلى خارج الدآر ليُكملا ليلتهما في دآر العرس، ويتركا الشيخ حتى يفيق مما غشيه من هذا الكلآم الذي يُدركُ وحده عمق معانيه، وليُكمل ليله في عبادته وتهجُده وذكره.  

(ولكن أن تقارن بين دين م1930، ودين 2013م، كما حكى نجيلة، ودين اليوم القابض على الدولة زورا وبهتانا، وكيف حرق مكتبة صوتية لعثمان حسين والكاشف ووردي، بل الكثير الكثير، وجلد فنانين امام جمهورهم العريض، وبتر جزء من نسيج الوجودان الكثير، بلى (مجتمع جديد، أو الكارثة)!! 

فقرات من

(ملامح من المجتمع السوداني)

 (المعلم حسن نجيلة