خط الاستواء  عبد الله الشيخ  اللغة العامية فى السودان ، تعد لساناً ناطقاً بحالة التسامح العرقي والثقافي ، لكنها بكل هذا التميز والايجابية تنقلب سلباً على  التماسك الاجتماعي حين تتخذها الفئة الحاكمة سبباً للاستعلاء العرقي والثقافي، وبالتالي ترتفع الأصوات ضدها، لا في الجنوب الذي يتحدث "عربي جوبا"، بل في الشمال أيضاً..!

بعد تجربة تاريخية طويلة، تسامت اللغة العربية لتكون قاسماً مشتركاً بين ألسنة القبائل.. ومن الطبيعي أن تأخذ العربية هذا الوضع في مجتمع شفاهي، كانت فيه ممثلاً لثقافة مدونة وذاكرة حية ومقدسة يجسدها  القرآن. واستغرق انتشار العربية في السودان اجيالاً عديدة، ومازالت تصارع اللهجات المحلية في ارجائه الواسعة،، فهي لغة وثقافة بسبيل تحقيق الانتصار الحاسم لكونها لغة التعليم واللغة الرسمية في القطر.

وبالنظر إلى تجربة اللغة العربية في الشمال والشرق، نجد ان الألسن لم تُدن لها تماماً رغم متاخمة سكان تلك المناطق من النوبة والبجة لمصر والحجاز، في حين انتشرت اللغة العربية في دائرة واسعة في الأواسط لاسباب تاريخية واجتماعية. ويعتبر التمسك بـ ” الرُطانة ” المحلية عند نوبة الشمال مثلاً، احدى وسائلهم في الحفاظ على التراث، لاسيما ان صمود لهجاتهم المحلية في مقابلة نفوذ العربية الطاغي يؤكد حيوية ثقافتهم المرتبطة بالنيل والارض . والارض في بلاد النوبة الشمالية تعد معياراً للتمايز الاجتماعي، والنوبي يرى نفسه “اصيلاً” على العربي الوافد لامتلاكه ارضاً على النيل، غض النظر عن اتساع رقعتها أو المكاسب التي تُجنى منها، ويكفي هنا توارث ذلك الامتلاك كمعيار للتجذر.

ارتبطت اللهجات النوبية بالارض والنيل ، واقترضت العربية من لهجات النوبة الالفاظ التي تتسمى بها ادوات الزراعة وغلاتها وحيواناتها وطيورها، مما لا عهد للعرب به في فلواتهم. وهناك اسباب مادية  كثيرة وقفت وراء تمنُّع الثقافة النوبية على الاكتساح العربي ، فكانت العربية في الشمال القصي حتى العقد الثالث من القرن العشرين لا ترقى لأن تكون لغة بديلة للرطانة.. فى عهد الفريق عبود اصدرت وزارة التربية والتعليم كتاباً بعنوان ” التعليم في المديرية الشمالية”، صدرت طبعته الاولى بالمطبعة الحكومية فى الخرطوم عام 1964، تجد فى الصفحة الثامنة من هذا الكتاب ما يلي: ” الاطفال في حلفا التي لا يتحدث اهلها الا رطانتهم المحلية، نجدهم يتقنون اللغة العربية كتابة ولا يفهمون منها الا القليل ولا يتكلمونها اطلاقاً”.. أى أن النوبية حتى ثورة اكتوبر، لم تستنفد دورها بعد كي تستبدل بالعربية، لكن الاقتراض والاستلاف والامتزاج والتوارث، وغيرها من أشكال التفاعل بين الثقافتين تظل محصلة ذلك الاحتكاك كعملية تاريخية، وليس موقفاً عاطفياً أو مزاجياً.

 ونأخذ عينة للأثر النوبي في العامية السودانية في ما تتسمى به الساقية واجزاؤها، وهي – أى الساقية – مما لم يكن معهوداً عند العرب في البادية، وكذلك الألفاظ التي تحدد مساحات الأرض وأوصاف الجروف النيلية، فالمساحة وضع جديد على العرب لكونهم رعاة يعيشون فى البوادي. لقد أخذ العرب من النوبية ألفاظاً مثل “التقنت، الانقاية، الساب،، الخ..”، وأسماء الآلات الزراعية مثل “الواسوق، السلوكة، الكوريق، الأربل”، واسماء الغلات والنباتات غير الموجودة في صحاري العرب.. وبقيت تلك الكلمات وغيرها في اللغة كتراث يصارع الزمن، و كذلك الكلمات المتعلقة بعادات الافراح “الجرتق، السومار، الكَبَريت، ومستلزمات الزينة والتعبد، كالتبروقة وغيرها. ومن أسماء الحيوانات تجد “العناق، والعنبلوق، الكديس،” ومن الطيور “البغج، ام قيردون، الكودي”، وكلها الفاظ تستغلق امام القاريء العربي الذي يجد في العامية السودانية مثل هذه المفردات كالطلاسم.

الواقع أن اللغة العربية في السودان دخلت في صراع تاريخي مع اللغات المحلية، فدوختها ولم تحقق انتصاراً كاملاً على  القديم وممثليه، و حققت نجاحاً وغلبة في دائرة الوسط، والقت بظلالها على الاطراف فصارت قاسماً مشتركاً بين الألسن السودانية،، وبذلك صارت من أهم مقومات الهوية الوطنية.