خط الاستواء  عبد الله الشيخ من اكبر جرائم الاخوان المسلمين فى السودان أنهم أججوا الفتن القبلية واستخدموا الانتماء العرقي والجهوي لتثبيت سلطتهم، فتقهقروا الى الوراء بمجتمعنا الى خمسة قرون خلت كان السودانيون قد بدأوا فيها تجاوز انتماءاتهم الضيقة، وكان مؤملاً أن نخرج من نفق الاحتراب الداخلي لولا مجيئ البشير، الذي يفخر بجريمة فصل الجنوب مدعياً أن الاحزاب قد أقرت حق تقرير المصير..!

العروبة فى السودان لم تكن استعلاءاً على طريقة قيادات المؤتمر الوطني، بل كانت هجرة العرب للسودان نقطة تحول احدثت آثارا عميقة في المجتمع أدت الى تصدع التنظيم القبلي، رغم كون العرب ذوي اعتداد بالعرق..كانت الهجرة حراكاً اجتماعياً اساسه التمازج العرقي والثقافي بين العروبية الوافدة، والزنجية صاحبةالدار..

بهذا التلاقح انتقل المجتمع إلى كيانات أكبر من اطار القبيلة، عندما تحالف العرب فى السودان تحت راية “جهينة هي الاصل”، ثم تطور تحالفهم تحت اسم “العبدلاب” ليكون تجاوزاً صريحاً للعرق والفخذ القبلي،، ثم قفز بعد ذلك متجاوزاً دائرة العروبة حين دخل الفونج في التحالف تلبية لحاجة الظرف التاريخي الى كيان جديد هو كيان السلطنة، أو “الدولة”  التي تنشأ ــ كما تقول الماركسية ــ على تفكك أوصال نظام القبيلة..

 في ظل اتساع التحالفات، تطور وعي الناس من مفاهيم “الشياخة” القبلية ليكون اختيار القيادة السياسية وفق شروط جديدة من نوع الكفاءة والجدارة والحنكة والقوة الاقتصادية، وأطل عصر القائد الذي يسمو فوق انتمائه القبلي الضيق ليحقق المصالح المشتركة بين أطراف الكيان الكبير..  فى تلك المرحلة من التاريخ توفرت في شخصية عبدالله جماع مواصفات القائد المطلوب، فهو ذو بعد روحي في نسبه العباسي، أي هو “الإمام” بمفاهيم التقريش ، هو كذلك ” الغريب الحكيم” الذي يفد إلى العناصر المحلية من خارج البلاد ويعلمهم فنوناً جديدة في معافرة الحياة.. وكان ادعاء الفونج النِسبة إلى بني أمية معادلاً لانتساب العبدلاب للعباسيين، وقد وفر هذا الادعاء للطرفين غطاءاً روحياً لقيادة مجتمع يؤمن بالدلالات الدينية والاجتماعية للعرق، بمعنى  آخر فقد كان “تحزُب” العبدلاب والفونج كعباسيين وأمويين، اشارة الى تمثل المجتكع الهجين لمواقف الأسلاف التى ظلت حية فى الاذهان بالمشافهة جيلاً بعد جيل..وتحالف هذه جذوره،  كان لابد أن يلتهب فيه الصراع،، الصراع الذي يلتهم أولاً ذلك الولاء القديم للعرق..!

 تحالف العبدلاب والفونج  لحكم السودان باستحضار روح الصراع الأموي العباسي ..! وفي الاستحضار لتلك الحالة الماضوية كان الطرفان يترصدان طائر الامتياز الروحي والعرقي ممثلاً فى الانتساب إلى قريش.. وشأن الفونج والعبدلاب فى هذا الادعاء هو شأن كل قبيلة في السودان ، حيث يقول نعوم شقير فى كتابه جغرافية وتاريخ السودان …. “ما من قبيلة في السودان الا ادعت لنفسها نسباً متصلاً بآل البيت” ..!  وغض النظر عن صحة ذلك الادعاء، فأن هذا الحال ينم عن استعداد نفسي واجتماعي لتجاوز العرقية والجهوية، بمعنى ان كل قبيلة سودانية كانت تحتضن في ذلك فى ذلك الادعاء جرثومة فناء لنعرتها ، فكأن ذلك الانتساب لمسوح الروحنة هو القاعدة المشتركة التي توحدت عندها مشارب القبائل التي تذاوبت بينها رابطة الدم بالاختلاط مع تقادم  السنين..

 المفارقة فى تاريخنا الراهن هي أن الاخوان  تحت دعاوى الاسلمة قد اعادوا مجتمعنا مرة اخرى الى براثن القبلية والجهوية فأساءوا بذلك الى الاسلام الذي كان أداة تحرر المجتمع من غلواء العرق ليدخل الى رحاب ” لتعارفوا ، ان اكرمكم عند الله اتقاكم “.. كان أشهر الحكام  الذين جمعوا بين الولاية والسياسة، الشيخ عجيب المانجلك فى زمان الفونج ، لكونه ابن عبد الله جماع، وحفيد الشيخ حمد ابودنانة، وتلميذ الشيخ البهاري.. وقد انتزع الامام المهدي تلك الخاصية بمثابرته في الدرس وبشجاعته في الرأي وفي القتال، وبنسبته إلى آل البيت. في نهايات القرن العشرين توهم كلاً من النميري والبشير حصولهما على مزية القداسة بادعاء تطبيق الشريعة..!! ولو لا أنه قيل فى محكم الكتاب أن ” لا نزر وازرة وزر أخرى”، لقلنا ان اللوم كله  يقع على الترابي، لأنه هو من أوعز للعسكر بهذا التوهان، فهؤلاء عسكر ليس فيهم متسع لادراك حقائق دقيقة كهذه..!