د. جمعة كندة كومى  صدر فى هذا الشهر،  أكتوبر 2013،  كتاب جديد جدير بالإهتمام على مستوى الأكاديميين والساسة (لو يقرأون)، وصانعى القرار والباحثين عن السلام المستدام والإستقرار السياسى فى السودان المضطرب، المتحارب مع نفسه وشعبه على مدار سني ما بعد الاستقلال حتى اليوم.

الكتاب باللغة الإنجليزية وبعنوان: Sudan Divided, Continuing Conflict in a Contested State

الكتاب الذى يقع فى 272 صفحة من الجحم المتوسط، يمكن ترجمته إلى “السودان المنقسم وإستمرار الصراع فى دولة متنازع عليها”. الكتاب صادر عن دار نشر “بالقريف ماكميلان” (Palgrave Macmillan) ببريطانيا. شارك فى مادة الكتاب حوالى ثلاثة عشر كاتبا من عدة جنسيات نصفهم تقريبا أكاديميين سودانيين. قام بإعداد الكتاب كل من النرويجى قونار سوربو أستاذ علم أنثروبولوجيا الإجتماعية والمختص فى الدراسات السودانية لأكثر من أربعين سنة، حيث عمل فى مشروعات بحثية مشتركة فى السودان طيلة هذه الفترة حتى الآن، هذا بجانب زميله السودانى البروفسيور عبدالغفار محمد أحمد أستاذ علم الإجتماع بجامعة الخرطوم وأستاذ الدراسات التنموية بجامعة الأحفاد للبنات. ومن أبرز المساهمين فى هذا الكتاب القيم من حيث المادة والتوقيت البروفسيور عطا البطحانى أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، الدكتور والكاتب المعروف عبدالوهاب الأفندى المحاضر بكلية وست منستر بلندن، البروفسيور الهولندى والسودانى الأصل محمد أحمد محمد صالح، الأستاذ بمعهد الدراسات الإجتماعية (ISS) وجامعة لايدن بهولندا، والبروفسيور البريطانى المعروف والمختص فى الشئون السودانية لأكثر من نصف قرن والأستاذ بجامعة ريدنج (Reading) ببريطانيا.

فى المقدمة، قدم معدا الكتاب قونار سوربو وعبدالغفار محمد أحمد فكرة الأساسية للكتاب وموضوعاته الرئيسة بشكل رصين ومترابط. ويبدأ الكتاب بحدث إنفصال جنوب السودان فى يوليو 2011، وهى كما تعلمون النقطة هى المفصلية فى تأريخ السودان الحديث وربما القديم أيضا. لقد نظر الكثيرين إلى الإنفصال بأنه خاتمه ناجحة لإتفاقية السلام الشامل الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية والجيش الشعبى لتحرير السودان فى 2005. ولكن سرعان ما صارت الأمور فى اتجاه معاكس. ففى الوقت الذى أحتفل فيه شعب جنوب السودان بميلاد دولتهم الجديدة، تفجرت خلافات عميقة بين الدولتين نتيجة للعديد من القضايا العالقة بينهما وأهمها: المناطق الحدودية المتنازع عليها، قضايا المواطنة، قضية البترول، مشكلة أبيي ومستقبل منطقتى جبال النوبة والنيل الأزرق فيما يتعلق فى حقهم فى ممارسة المشورة الشعبية. وقبل الإنتهاء من الإحتفالات فى دولة الجنوب تجدد الحرب فى السودان بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال، وفى ذات الوقت إستمرت الحرب مستعرة فى دارفور بالرغم من إتفاقية الدوحة الموقعة فى 2011. ولإرتباط قطاع الشمال – على الأقل – سياسيا وأيدولوجيا مع الحزب الحاكم فى دولة جنوب السودان، تعمق الخلافات أكثر بين الدولتين. بعدها خاض البلدان حربا إقتصاديا بوقف ضخ وتصدير البترول وقفل الحدود وغيرها من الإجراءات التى أنهكت البلدين فى كل النواحى سياسيا وإقتصاديا وعسكريا ودبلوماسيا.

فى السودان إنتهز الحزب الحاكم – المؤتمر الوطنى – مرحلة ما بعد الإنفصال وعمل على الإنفراد وتعزيز قبضته على الحكم فى السودان، بصورة أكبر من أى وقت مضى، وعمل على تعزيز أجندته السياسية الإسلامية. فأوصلت رسائل واضحة إلى الشعوب السودانية ذو الهويات غير العربية أو غير الإسلامية بأن عليها الإزعان إلى عملية التحول الثقافى من تعددية ثقافية ودينية ولغوية إلى مجتمع أحادي الهوية والدين، أو مواجهة المزيد من التهميش والإقصاء. بإختصار، عودة السودان الى مربع الحرب والعنف السياسى والمقاومة المسلحة فى مرحلة ما بعدالإنفصال قد عقد المشهد السياسى والإجتماعى والإقتصادى أكثر من أى وقت مضى. وهذا يعنى أن الإنفصال لم يجلب السلام المرتجى ففقدنا الجنوب شعبا وثقافة وأرضا ومواردا، وفى ذات الوقت لم نكسب بل خسرنا السلام، ليس فقط بين السودان وجنوب السودان ولكن بين السودانيين أنفسهم.

يستشهد مقدمة الكتاب بآراء بعض النقاد لعملية السلام التى قصد منها تحقيق السلام المستدام والإستقرار السياسى فى السودان بعد الإنفصال. إذ يرى هؤلاء النقاد أن أزمات ونزاعات السودان ما بعد الإنفصال، إنعكاس طبيعى لمنهجية صنع السلام في السودان. وفهو منهج فوقي ومفروض من الخارج، دونما إعتبار لأصوات غالبية الشعب السوداني الذي لا يحمل السلاح. المنهج يجهل العلاقة التلازمية بين السلام المستدام والتحول الديمقراطي من جهة، وضرورات إحداث تحولات هيكلية ووظيفية في بنية الدولة السودانية. وعيوب هذا المنهج تكمن فى تعامله مع أزمات وحروب السودان علي أساس أقليمي مع فصل كل مشكلة عن الآخر. بينما الحقائق على الأرض تدل على أن الجذور والأسباب السياسية لكل مشكلات السودان واحدة: هى فشل دولة السودان في إحداث تنمية متوازنة إقليميا وإجتماعيا، وفى خلق إحساس وشعور قومى طوعى بالولاء للدولة ومؤسساتها ورموزها على أساس المواطنة، مع الإحتفاء بالتنوع كمصدر غني ووحدة وليس العكس.

ويلح الكتاب إلي ضرورة البحث عن منهج شامل يسمح بتحقيق السلام المستدام في السودان. سلام قائم علي مخاطبة أزمات السودان ونزاعاته بشكل متكامل. بالرغم من أن هناك عدد من الفصول تتناول الفاعليين الدوليين في عمليات فض النزاعات وتحقيق السلام في السودان، إلا أن الكتاب يركز بالأساس علي العوامل والفاعلين الداخليين. ويركز بشكل خاص علي المشروع الإسلامي للنظام الحاكم وتأثيره علي التطورات في السودان. ومن أبرز هذه التأثيرات هي سياسة التعامل مع النزاعات والإزمات كل علي حده، وما يحدثها من إنقسامات علي المستوى المحلي والإقليمي والقومي، مصحوباً بمواجهات بين المجتمعات فيما بينها وبين المجتمعات والدولة من جهة أخرى. والقاسم المشترك العام بين هذه المواجهات أنها تعزز العلاقة النزاعية بين المركز القابض والمسيطر علي كل شئ (الثروة والسلطة والهوية) والهامش المهمش تهميشاً مركباً إقتصادياً وسياسياً وثقافياً. وهذا الوضع يلقي بظلاله وبالتالى يجعل من الصعوبة حصول السودان علي سلام مستدام وإستقرار سياسي يؤمن وحدة بقية السودان في حاضره ومستقبله.

الكتاب هام للغاية ويتناول بالتحليل الموضوعى العميق الموضوعات الأساسية لأزمات السودان الحالية مثل بناء الدولة، تجربة الإسلام السياسى وإفرازاته، قضايا الإقتصاد السياسى، الثروه (البترول)، الهوية، الحدود والمناطق المتنازع عليه، والنزاعات فى الجنوب الجديد (دارفور، جبال النوبة، النيل الازرق) وشرق السودان. كل هذه الموضوعات تمت تلخيصها فى مقدمة رصينة تحت العناوين الجانبية الآتية:

  1. العلاقة بين التنمية وبناء الدولة والنزاعات فى السودان
  2. النمو التصاعدى للتيار الإسلام السياسى فى السودان
  3. تسيس الإثنية/ العرقية فى الممارسة السياسة والحياة العامة
  4. الدولة والإقتصاد وفرض معادلات غير إقتصادية
  5. العلاقة الدياليكتية بين المركز والهامش وتمرد المهمشين على المركز
  6. البعد الدولى لنزاعات السودان بين التسهيل والتعقيد والتدويل

الكتاب إضافة نوعية لكل مهتم بالدراسات السودانية فى مجال العلوم الإجتماعية، خاصة الإقتصاد، علم الإجتماع السياسى والإجتماعى، الجغرافيا، العلوم السياسية، والتأريخ الحديث. لنا عودة لنواصل إستعراض بعض موضوعات الكتاب فى الحلقة القادمة.