محمّد جلال أحمد هاشم الزّوجة الخادمة ما القالب السّلوكي للمرأة الخادمة إلاّ نتاج اندماج قالبين سلوكيّين، أوّلهما القالب السّلوكي التّقليدي للمرأة مسلوبة الحقوق (المرأة المستعبدة)، والثّاني هو القالب السّلوكي للمرأة شبه الحداثويّة (المرأة الموهومة)،

التي مع إذعانها لأن تكون زوجةً خادمةً، مجّانيّة، تعمل جاهدةً لأن تأخذ بأسباب الحداثة التي أتاحتها المجايلة العصريّة، دونما رؤية نقديّة بنّاءة، وبالتّالي دون أن تتمكّن من بلورة مشروع حداثوي واعٍ. ولهذا تتعامل هذه المرأة مع الحداثة بوصفها مظهراً، وليس جوهراً. هكذا أصبح لدينا قالب سلوكي يبدو كما لو كان حداثويّاً من حيث شكله الخارجي، إذ يبدو عليه أنّه ينتمي إلى عصرنا الحاضر، بينما محتوياته من الدّاخل مغرقة في التّقليديّة المناقضة للحداثة بسبب انعدام المنهج الرّاشد الذي يمكن أن يقارب بينهما. هذان هما القالبان اللذان شكّلا لدينا القالب الثّالث الذي وسمناه باسم قالب المرأة الخادمة.

ضمن ظاهرة المرأة التّقليديّة ذات المكياج الحداثوي، تبدأ الزّوجة الخادمة يومها ولا شغل لها غير التّحضير لطعام زوجها وأطفالها، وقد تتفنّن في تصانيف الأطعمة، لذيذها ودسْمها. تبعاّ لهذا قد ينشأ الأطفال ولا همّ لهم غير الطّعام، يتبعهم في هذا الزّوج الذي يتكرّس فيه إحساسه بتفوّقه لمجرّد كونه رجلاً، ثمّ لكونه زوج هذه المرأة الخادمة، المتفانية. فبالنّسبة للمرأة، تشكّل المائدة الحافلة وسيلة لتكريس إحساس زوجها، وعلى وجه أخصّ أطفالها، بتميّزهم على غيرهم، ذلك لأنّ المائدة واحدة من أقوى التّجلّيّات للوضع الاقتصادي من ناحية، ولنجاح المرأة التّقليديّة من ناحية أخرى. ولهذا تتحرّى المرأة الخادمة، وبالأخصّ ذات التّعليم العالي، تحضير الأطعمة من كتلوكات مشاهير الطّباخين فيما ترفد به أجهزة الإعلام الحديثة من مجلاّت وتلفزيونات. كما تصحب كلّ هذا مظاهر إسراف غير رشيد في إتاحة جميع أصناف الحلوى والأطعمة السّريعة غير الصّحّيّة لأطفالها، تمييزاً لهم عن أولئك الأطفال الذين يشتهون مثل هذه الأطعمة دون أن ينالوها. هذا مع تنشئة الأطفال بتشكيل سلوك طعامي غير وطني لديهم، كأن ينشأوا وهم يتأفّفون من الأطعمة والمأكولات الشّعبيّة التي قطعاً نشأ عليها الوالدان. عادةً ما يكون هذا الاستغراق والتّفاني في عمليّات التّسمين البهيمي خصماً على حساب التّربية الرّاشدة. ففي أغلب الحالات ينشأ الأطفال وقد نالوا نصيباً ضئيلاً من التّربية، مقابل كمّ وافر من السّمات السّلوكيّة المضادّة اجتماعيّاً.

ليس بالضّرورة أن تكون الزّوجة الخادمة عالية التّعليم، أو عاطلة عن العمل. إذ يمكن لكلا المرأة المتعلّمة وغير المتعلّمة أن تتمثّلا هذا القالب السّلوكي (المرأة الخادمة)؛ كما يمكن أن تتمثّله كلا المرأة العاملة وغير العاملة، كونه أصبح قالباً سلوكيّاً يعمل باستقلاليّة عن بواعثه الأوّليّة. كما يمكن للمرأة المتعلّمة أو غير المتعلّمة، العاملة أو غير العاملة، أن تقي نفسها من أن تقع في حبائل هذا القالب وذلك باستشرافها لحداثة واعية وراشدة. ما نودّ قوله هنا إنّ النّسبة الغالبة من قطاع المرأة السّودانيّة الخاضعة لحرائك الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة، تنتمي لهذا القالب. هذا القالب الذي بلغ قمّة تطوّره فيما يعرف بثقافة مجتمعات المغتربين بعد أن خرج من حقل تذريعه الأوّل، ألا وهو ثقافة مجتمعات الأفنديّة.

 

المرأةُ الغزالة: نؤوم الضّحى ومِشية السّحاب

يتعلّق هذا الموضوع، في جانب كبير منه، بمسألة استعراب الشّعوب السّودانيّة ودخول العرب إلى السّودان، ذلك كونه يناقش بروز الثّقافة العربيّة الإسلاميّة بوصفها أيديولوجيا السّلطة والحكم في السّودان، أي أن تصبح الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة كوعي طبقي أرستقراطي، تبذل الطّبقات الدّنيا ثقافيّاً قصارى جهدها للانتماء إليها. ولكن هل دخل العرب إلى بلاد السّودان كطبقة أرستقراطيّة حاكمة، أم دخلوها كأعرابٍ سائحين خلف قطعانهم؟ في رأينا أنّ الإجابة على هذا السّؤال يمكن أن تكون ضمن أهمّ المقدمات لإيجاد المدخل الصّحيح لابتناء رؤية حداثويّة راشدة. ولهذا، في الفصل العاشر من هذا الكتاب، نتناول إعادة قراءة دخول العرب إلى السّودان في معرض نقدنا لخطاب الأسلمة والاستعراب. لهذا السّؤال علاقة كبيرة بموضوع المرأة الذي نناقشه في هذا الفصل. إذ ليس أخطر من القيم الجماليّة في حياة المجتمعات. دون التّورّط في موضوع إعادة قراءة دخول العرب إلى السّودان، يمكننا بكلّ اطمئنان أن نقول إنّ العرب لم يغزوا السّودان، وبالتّالي لم يعطونا طبقة أرستقراطيّة حاكمة. وبكلمةأرستقراطيّةنعني وجود طبقة حاكمة تملك الأرض بما عليها ومن عليها، لا تخدم نفسها، بل يخدمها باقي الشّعب، وتجد نفسها في تكريس إحساسها بأنّها تختلف عن باقي عموم الشّعب في العرق والشّرف وفي الثّقافة. واحدة من أخطر مهدّدات التّكامل الوطني في السّودان، وواحدة من أخطر محرّكات الحرب الأهليّة، وواحدة من أكبر حقول تذريع الغبن والحقد، وبالرّغم مع انعدام وجود طبقة أرستقراطيّة حقيقيّة، سلوك مستعربي السّودان النّيلي الشّمالي، على بادي أفريقيّتهم التي يبدو أنّه لم يخطئها أحدٌ غيرهم، كونهم يتصرّفون بنظرة استعلائيّة إزاء باقي الشّعوب غير المستعربة بعموم، ثمّ تلك الأوغل منهم في سيماء الأفرقة. ما يجعل الثّقافة العربيّة متورّطة في هذا، أنّ مجمل السّلوك القيمي الجمالي عندها قد تمّ تبنّيه من قبل جماعة من النّاس بالسّودان، تحوّلوا في دوالّ ثقافتهم إلى العروبة. وما يجعل الإسلام (وفق وعي معتنقيه) متورّطاً في هذا، أنّ جميع هذا يتمّ تسويقه باسم الدّين الحنيف، باعتبار الارتباط العضوي بين الثّقافة العربيّة والإسلام. وبما أنّنا نختلف في هذا معهم، لذا اتّخذنا مصطلحالإسلاموعروبيّةللتّعبير عن هذا الاتّجاه الأيديولوجي (لمزيد من التّفصيل، يرجى مراجعة الفصل العاشر أدناه).

يتّصف القالب السّلوكي للمرأة السّودانيّة بنمط الأنوثة الرّقيقة، وما يتبع ذلك من مشية متأنّية، متثاقلة، تحرّيّاً لمظهر أرستقراطي من أناسٍ أناخ الفقر بكلكله عليهم وعلى وطنهم لقرون وقرون، فوسمهم بميسمه، فسيماه على وجوههم ولو أصابوا بعد ذلك شيئاً من الغنى. وما كلّ هذا إلاّ لإيهام أنفسهم، قبل الآخرين، بتميّزٍ مُتوهّم، أسُسُه الأولى عرقيّة، ثمّ تتمدّد لتصبح ثقافيّة. وتعود علقة هذه العرقيّة إلى توهّم العروبة، ومن ثمّ الإزراء بالأفرقة. ولأنّ جميع هؤلاء قومٌ سود في بلدٍ اسمه بلد السّود (السّودان)، ولأنّ هذه الحدود premises القيميّة هي نفسها الحدود التي على أساسها يتمّ الإزراء بالأفرقة داخل محيط العرب العاربة (أي بالسّودانيّين تخصيصاً وبالأفارقة تعميماً)، بهذا لا يكون هناك من مردود أخير لهذه الأيديولوجيا الواهمة غير شرعنة احتقار الذّات. وهنا تكمن الانهزاميّة الذّاتيّة self-defeatism وعدم بنائيّة non-constructiveness هذه الأيديولوجيا واتّصافها بنزعة تحطيم الذّات. في هذا الإطار ينبغي فهم النّزعة الطّاغية لتمزيق الوطن توهّماً بأنّهم بذلك سوف يُخلّصون أنفسهم من معرّة أفريقيا انتساباً تشبّثيّاً بالعروبة.

من أخطر الآثار المباشرة لهذه الأيديولوجيا الواهمة، انعدام الحساسيّة sensitivity لدى مستعربي السّودان إزاء أيّ ملمّة أو كارثة قد تُلمّ بالمجموعات الأكثر تأفرقاً، مقابل حساسيّة مفرطة إزاء ملمّات العرب أو المسلمين غير السّود. فالشّارع السّوداني الإسلاموعروبي مفرط الحساسيّة، مثلاً، إزاء ما يصيب الفلسطينيّين، وهو كذلك إزاء ما قد يصيب مسلمي البوسنة والهرسك … إلخ. لكنّه، في المقابل، بارد الحسّ، عديم الحساسيّة، إزاء ما يُصيب أفريقيا أو أيّ مجموعات سوداء ولو كانت في مناطق أخرى خارج أفريقيا (مثل كارثة زلزال هاييتي عام 2010م). بل هو أيضاً عديم الحساسيّة إزاء ما قد يصيب بعض أهل السّودان ممّن لا يزالون على أفريقيّتهم. فقد أبدى الشّارع السّوداني الإسلاموعروبي عدم مبالاة وعدم اكتراث إزاء ما أصاب أهل دارفور، على إسلامهم، بيد النّظام الحاكم. هذا في الوقت الذي كانت فيه أخبار دارفور تملأ أشرعة الإعلام العالمي والإقليمي، وكانت أروقة المنظّمات الدوليّة والإقليميّة تضجّ بمناقشة ما يتمّ في دارفور من إبادة وتقتيل للمدنيّين لمجرّد كونهم أفارقةً سوداً. وعلى هذا فقس حساسيّة هذا الشّعب الموهوم إزاء مآسي جنوب السّودان، صافي الأفرقة، التي حصدت ما لا يقلّ عن إثنين مليون قتيل. وبما أنّ مصاب أهل الجنوب وأهل دارفور، ثمّ جبال النّوبة، وجنوب النّيل الأزرق، والشّرق، هو الحرب الأهليّة، فهذا يعني حالة من التّغابي والتّغافل عمّا يحدث داخل البيت السّوداني. وهذا يُشبه حالة المرء الذي تأكل النّار منزله، بينما هو متغافل عنها، يشاهد مآسي الفلسطينيّين وباقي مسلمي الأرض من غير السّود. هذا التّبلّد الوطني national stupification لا يمكن لمن يعاني منه أن يستيقظ إلاّ بلسعات لهيب النّار التي هي هنا الحرب الأهليّة التي حمي وطيسها مرّة أخرى.

لهذا، عوداً على بدءٍ، عندما تتظاهر المرأة المدينيّة الخاضعة لقالب الزّوجة الخادمة (وبالطّبع يمكن لهذا القالب أن يشمل المرأة التي تعيش في القرية، أي القرويّة المستلبة ـ كما تشمل الظّاهرة الفتاة غير المتزوّجة بالضّرورة كونها تتدرّج نحو مؤسّسة الزّواج) بالجهل التّام بما يدور من مآسي في ربوع الوطن تأفّفاً واستعلاءً على أهل الهامش المكتوي بنار الحروب التي تشعلها الدّولة ضدّه، فهي إنّما تكرّس من هيمنة الرّجل عليها بتحويلها إلى حارس أمين، متبلّد الحسّ، للأيديولوجيا السّائدة. وهذا أشبه بالعبد الذي يتماهى في عبوديّته، وبالتّالي ينظر إلى خضوعه لسادته على أنّ كلّ ذلك تمّ ويتمّ باختياره بوصف هذا أرقى مراتب الشّرف والفخار. هذا بينما لن تزيد قيمته الإنسانيّة عند سادته مقدار خردلة لقاء هذا السّلوك. بهذا يفوت هذه المرأة، وهي المرأة الأمّ، أن تستجيب، عند إلمامها بخبر الحروب الأهليّة في ربوع السّودان المختلفة، لصرخات الأطفال وبكائهم لفقدهم أمّهاتهم، أو لصرخات النّساء لفقدهنّ الزّوج، والولد والبنت؛ أو لنشيجهنّ وهنّ يستعدن أنفسهنّ من ذلّ الاغتصاب. بهذا لا يكون هناك فرق بين هذه المرأة القاتلة وبين ميليشيات الجنجويد، بالرّغم من أنّ لو سُئلت عمّن هم الجنجويد لجهلت أو تجاهلت ـ لا فرق.

يعتبر التّبلّد الحسّي common sense stupification، إزاء القضايا العامّة حالة من التّدهور ينفي عن المرأة أيّ جمال إنساني يمكن أن تتّصف به، بل ويجرّدها حتّى من مخايل جمالها الجسدي.

غدا نواصل

مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان