د .زهير السراج * كان الزميل (بهرام) حاضرا فى ذهنى يوم الخميس الماضى وانا أرى مئات الصحفيين امام مبنى (سيتى هول) مقر حكومة مدينة تورنتو العاصمة التجارية لكندا واكبر المدن الكندية واكثرها سكانا، وهم يحاصرون عمدة المدينة (روب فورد)

) حصارا محكما للحصول على تعليق منه حول المؤتمر الصحفى الذى عقده صبيحة نفس اليوم رئيس شرطة المدينة (بيل بلير) وقال فيه انهم عثروا على التسجيل المصور للعمدة وهو يدخن الكوكايين الخام (وهو احد اشكال الكوكايين الذى يمكن تدخينه واكثرها تسبيبا للادمان) مع ثلاثة اشخاص آخرين بأحد المنازل فى المدينة. 

* وقف فورد امام الصحفيين وهم يلقون عليه الاسئلة (على طريقة بهرام) بل اكثر جرأة منها، وسألته احدى الصحفيات سؤالا مشابها لسؤال  بهرام لوزير الاعلام السودانى مع اختلاف الموضوع ( لماذا ظل العمدة يكذب ويدحض وجود شريط مصور له وهو يدخن الكوكايين الخام) .. ؟! 

* لم ينهر العمدة الصحفية ولم يقل لها تأدبى (كما فعل وزير الاعلام مع بهرام) وكل ما قاله ردا عليها ” لا تعليق لان القضية رهن التحرى” ثم دخل الى المبنى تطارده عبارات السخرية والاستهزاء من الصحفيين بدون ان يعترضهم احد، ولو حدث هذا فى السودان لوجد الصحفيون نفس المصير الذى وجده المتظاهرون الابرياء العزل فى انتفاضة سبتمبر المجيدة ..!! 

* قصة العمدة (روب فورد) بدأت فى مايو الماضى عندما نشر احد المواقع الالكترونية قصة قصيرة عن احاديث تدور فى بعض الاروقة عن وجود تسجيل مصور للعمدة وهو يدخن الكوكايين الخام مع بعض الاشخاص فى منزل احد اصدقائه، وقامت الصحف المحلية بنقل الخبر مع الاشارة للمصدر، الامر الذى نفاه العمدة و سخر منه، وهو شخص مثير للجدل بسبب سياسته المالية المتشددة تجاه الطبقة الوسطى والشرائح الضعيفة فى المجتمع التى يتبعها منذ فوزه قبل ثلاثة اعوام فى انتخابات العمودية باغلبية كبيرة ممثلا لحزب المحافظين الذى يشكل الحكومة الاتحادية وبعض حكومات الولايات والمدن والمجالس المحلية، بالاضافة الى مشاكساته الكثيرة مع الصحفيين وغروره الكبير مقارنة بمن سبقوه فى المنصب الذى يعتبر من المناصب المهمة جدا فى كندا وولاية انتاريو وينبع ذلك من اهمية مدينة تورنتو التى يديرها. 

* شرطة المدينة لم تلق القبض على رئيس تحرير الموقع او رؤساء تحرير الصحف التى نقلت الخبر ولم تحاول التستر او الدفاع عن رئيسها العمدة ولم تعلق، ولكنها وفى صمت شديد فتحت تحقيقا حول الموضوع وسعت سعيا جادا للحصول على التسجيل المصور خاصة ان صديقا لفورد له صلة ببعض مروجى المخدرات رُصد (باذن قضائى) وهو يتحدث عبر الهاتف لشراء الفيديو من احد الاشخاص، وظلت الشرطة تبحث وتحقق فى صمت الى ان عثرت على الشريط فخرج رئيس الشرطة  على الفور معلنا فى مؤتمر صحفى عن عثور الشرطة عليه بدون ان يحاول التستر على رئيسه، بل علق قائلا انه “كمواطن قد اصيب بخيبة امل عندما شاهد التسجيل، وهو يعرف ان هذا الامر سيكون مؤلما على المواطنين وسمعة المدينة، ولكن لا بد لجميع المواطنين ان يعرفوا ماذا يحدث فى مدينتهم، والا فاننا لا نستحق شغل الوظائف التى نأخذ عليها مرتباتنا من المال العام) .. ثم اوضح ان بعض التهم قد وجهت لصديق فورد وان التحقيق لا يزال مستمرا تحت اشراف احد القضاة ..!!   

* هذا التحقيق والعمل المميز بدأته الصحافة واستلمته الشرطة ( وكان يمكنها الا تفعل فلم يطلب منها احد ذلك) وسينتقل فى اخر الامر الى القضاء ليقول كلمته العادلة فيه، وذلك بدون ان يتعرض صحفى او شرطى او محقق الى التأنيب او التوبيخ او النعت بقلة الادب او التهديد او التدخل فى عمله او الايقاف او الطرد او الضرب او الاعتقال أو .. او ..  رغم اهمية المنصب الذى يشغله الشخص موضوع التحقيق ..!! 

* ترى لو حدث هذا فى الخرطوم، ماذا كان سيحدث للصحفى الذى نشر الخبر  او الشرطى الذى اهتم به وسعى للتثبت منه وكشفه للرأى العام ؟!