محمد جلال احمد هاشم المرأة المومس تبدو الثّقافة الذّكوريّة كما لو كانت تكنّ احتقاراً عميقاً وخاصّاً للمرأة المومس. ويمكن أن يلتمس مردّ هذا الاحتقار في العديد من القيم الإنسانيّة بوصف البغاء عملاً يحطّ من كرامة الإنسان، ذكراً كان أم أنثى

فالمومس (وينطبق الأمر على الذّكر والأنثى) تتحوّل إلى سلعة؛ فبمجرّد دفع الثّمن، لا يبقى هناك مجال للرّفض. فبائع البضاعة لا يجوز له أن يرفض تسليمك إيّاها إذا ما قمت بدفع الثّمن. ويعني هذا انتفاء أحد أهمّ العوامل التي يتميّز بها الإنسان عن باقي الموجودات المادّيّة والحيوانيّة والنّباتيّة، ألا وهو حقّ الاختيار القائم على مبدأ وحقّ الاستقلاليّة فيما يتعلّق بممارسة الحبّ. من المؤكّد أنّ بعض الحيوانات تبدو كما لو كانت تتمتّع بقدر نسبي بهذا الحقّ، إلاّ أنّ العمليّة في غالبها تحكمها فصول التّزاوج واللقاح. هذا بينما لا يحقّ للمومس أن ترفض بمجرّد دفع الثّمن، بما يعني أنّها مجرّدة من حقّ الاستقلاليّة كأحد أهمّ الحقوق الإنسانيّة التي جُبل عليها الإنسان، وبها يحقّق ذاته. يمكن الزّعم بأنّ هذا كلّه صحيح. إلاّ أنّ للمسألة وجهاً آخر فيما يتعلّق بالمجتمع ذكوري الهيمنة.

تشكّل المرأة المومس خطراً جائحاً للمجتمعات ذات الهيمنة الذّكوريّة، ولهذا يتمّ نفيها خارج حدود الأحياء السّكنيّة عادةً. فواحدة من تكتيكات تكريس الهيمنة الذّكوريّة على المرأة، تصوير الرّجل كما لو كان وحشاً كاسراً سوف يفترس المرأة لدى أوّل سانحة. ويكمن هذا الافتراس ببساطة في مجامعتها، ولو كان ذلك ضدّ رغبتها. تتمّ تنشئة المرأة في مثل هذه المجتمعات بحيث تتجنّب الجنس ما وسعتها الحيلة، حتّى لو كان الجنس مشروعاً، أي عبر مؤسّسة الزّواج مثلاً. وحشانيّة الرّجل هذي لا تعدو كونها فزّاعة ورقيّة تكتشف المومس أمرها أوّل ما تكتشف بمجرّد زوال رهاب الجنس عنها في بادئ خطوات تعهّرها. وتستعرض نوال السّعداوي (1974؛1991) العديد من الحالات التي ينفش فيها الرّجل ريشه كما لو كان كالدّيك، وما هذا إلاّ لتغطية ضعفه، بل استعداده للقبول بالخضوع إذا ما وُجدت المرأة (الماتريارك، أي الأمّ) التي يمكنها أن تفعل ذلك.

زوال رهاب الجنس هو نفسه الذي يحدث للنّساء كبيرات السّنّ حيث قد يترخّصنّ في تناول قضايا الجنس، بل مجاذبة الحديث فيها بتلذّذ سادّي إزاء غيرهنّ من النّساء اللائي لم يبلغن مبلغهنّ، وتلذّذ ماسوشي باسترجاع لحظات المجامعة الغابرة التي لم يعد لهنّ من سبيل إليها. ويمكن النّظر إلى شخصيّة بنت مجذوب في رواية الطّيّب صالح (موسم الهجرة إلى الشّمال، 1981) بوصفها أوضح مثال لما نحن بصدده. فبمجرّد عودة الرّاوي إلى قريته بشمال السّودان، عند منحنى النّيل، باشره الأهل، كلٌّ يسأله عن أوروبّا، هل النّاس هناك مثلهم، هل لديهم أسر وحياة اجتماعيّة مترابطة كما لديهم في القرية، وهل فيهم مزارعون وعمّال … إلخ. ولكن بنت مجذوب باشرته في ذلك الجمع بتعليقها: “خفنا أن تعود لنا بنصرانيّة غلفاء” (المرجع السّابق: 8). تذهب نوال السّعداوي (1991: 126) إلى أنّ الرّجل لا يخشى المومس، ولذا يكون صريحاً معها في كشف الكثير من مناحي السّلوك غير السّوي (من قبيل النّعات السّاديّة أو الماشوسيّة) الذي لو عرفت به زوجته لسقط في نظرها. ومع اتّفاقنا معها فيما ذهبت إليه، نرى أنّ المقصود هنا هو عدم تحرّج الرّجل مع المومس في أن يكشف عن مثل مركّبات النّقص هذه. هذا بينما يخشاها الرّجل ويخاف منها أن تقترب من محيطه الاجتماعي، مثل سكنى الحيّ نفسه، أو التّداخل مع الأسرة، ولهذا يتمّ عزل المومس اجتماعيّاً وأخلاقيّاً، ثمّ جغرافيّاً.

يعود الاحتقار الممعن للمجتمع الذّكوري للمرأة المومس إلى أنّ معظم العلاقات النّوعيّة (بما فيها الزّواج) قد قام الرّجل بتشكيلها على أساس تفوّقه الجسماني (بما يضمن له القدرة على إخضاع المرأة ـ أي اغتصابها متى ما قدر على ذلك)، ثمّ بناء العلاقات النّوعيّة على أساس البيع والشّراء. فالمهر المدفوع، الذي بدونه لا يمكن أن ينعقد الزّواج، ليس سوى ثمن مجامعة المرأة. وتحكم هذه القاعدة الشّرائيّة القائمة على التّثمين المادّي للعواطف العديد من العلاقات النّوعيّة. فخروج رجل مع امرأة في نزهة، يعني في أغلب الحالات أن يقوم الذّكر بدفع قيمة المشروبات والمأكولات. حتّى في المجتمعات الغربيّة، لدى التقاء ذكر بأنثى، وفي سبيل تعميق صلاتهما، تجري العادّة بأن يقوم الذّكر بالمبادرة بدعوة الأنثى إلى غداء أو عشاء حيث يقوم هو بدفع قيمة ما يتناولانه. كما هي العادّة نفسها بأن يقوم الذّكر بشراء هديّة للأنثى تقرّباً منها. في هذا يكون السّلوك المثالي للأنثى هو انتظار أن يُشترى ودّها (ولاحقاً جسدها بالطبع، أكان ذلك عبر الزّواج أم عبر علاقة خارج مؤسّسة الزّواج) عبر هذا السّلوك التّجاري. والصّورة المثلى تقليديّاً للأنثى في هذا الوضع هو صورة البنت البريئة التي يمكن أن ينخدش حياؤها بأقلّ سلوك غير مهذّب، أو البنت الرّقيقة؛ أي، بختصار، المرأة الغزالة التي تجفل وترعب من أيّ نأمة. وخطورة أن يكون هذا هو الوضع في الغرب مردّه إلى أنّ مشروع الحداثة في شكله الصّوري غالباً ما يستمدّ من الغرب على ما في ثقافة الغرب من تخلّف نوعي نسبي وهيمنة ذكوريّة نسبيّة، أصبحت راسخة، بمعنى أنّ هذا هو الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يتنازل عنه المجتمع الذّكوري. ولكن ماذا عن بعض المجتمعات التي تقوم فيها المرأة بدفع مهر زواجها، كما هو الحال في بعض ثقافات الهند؟ كان يمكن لهذا السّؤال أن يكتسب حجّيّة قويّة ضد ما نذهب إليه، إذا ما كان هذا الأمر قد دفع بوضع المرأة في هذه المجتمعات إلى التّحرّر من ربقة الهيمنة الذّكوريّة. فهذا عندنا أشبه بما كان يحدث في المجتمعات الأمريكيّة التي نالت حظّاً كبيراً من جاه الثّروة والغنى على ما يحيط بماضيها الأسري من زراية طبقيّة، كونها تحدّرت في أصولها البعيدة من الطّبقات الدّنيا في مواطنها الأوروبّيّة الأولى. لهذا كانت الأسر في هذا المجتمعات تشتري الأرستقراطيّة بمالها وذلك بتدبير زواج بناتها من رجال الأسر الأرستقراطيّة بالقارّة الأم (خاصّةً بريطانيا وبصورة أخصّ إنكلترا). كانت الطّبقة الأرستقراطيّة بإنكلترا (مثلاً) ترحّب بمثل هذه الزيجات لأنّها كانت تدرّ عليهم مالاً وفيراً، إذ كانت تعيش في فقر مالي مريع بينما ترفل في العزّ الطّبقي الآيل للاندثار. يعود هذا الانتعاش المالي إلى حقيقة أنّ أسرة البنت كانت هي التي تدفع المهر، سعياً منها لاكتراء ذلك العزّ الطّبقي الأرستقراطي تعويضاً عن ماضيها البروليتاري.

إذن، يقوم القالب السّلوكي الذي يحكم العلاقات النّوعيّة في المجتمعات التّقليديّة بعموم (نعني بها المجتمعات التي تحكمها الأيديولوجيا الإسلاموعروبيّة بوجهٍ خاص، مثل المجتمع المستعرب في السّودان)، وتلك التي استشرفت قدراً نسبيّاً كبيراً من الحداثة الحقّة، على ما فيها من مخلّفات survivals تقليديّة ضدّ حداثويّة (مثل المجتمعات الغربيّة)، على نفس القاعدة التي تحكم العلاقة المهنيّة عند المومس من حيث الدّفع وشراء الخدمة. وتكون المردودات الإجماليّة لمثل هذه العلاقة (الدّفع والشّراء) بالضّرورة خصماً على حقوق المرأة، بما يعني بالضّرورة أيضاً تكريس هيمنة الرّجل عليها ولو بدا لها الأمر أنّ لها الخيرة فيما اختارت. بالعودة إلى المرأة المومس، نلاحظ أنّها أوّل من يتحرّر من ربقة هذه الهيمنة، ذلك عندما ترتضي التّخلّي عن أيّ سيماء الأنوثة التّقليديّة جرّاء سقوطها القيمي في المجتمع، وبالتّالي تعويلها على تحصيل القيمة المادّيّة مقابل الخدمات الجنسيّة التي تقدّمها للذّكور. فهي، أوّلاً، تكتشف حقيقة أنّ الجنس ليس عمليّة ماحقة لكيانها، فيزول عنها رهاب الجنس المغروز عميقاً في وعي المرأة التّقليديّة؛ ثمّ بعد هذا تكتشف سخافة الصّورة التّقليديّة للمرأة الرّقيقة (المرأة الغزالة)، فتكتسب قدرات عمليّة practical في توجيه علاقاتها النّوعيّة والجنسيّة، التّجاريّة منها (البغاء)، الإمتاعيّة، حيث تعرف كيف ومتى تستمتع بالجنس كممارسة إنسانيّة غير تجاريّة (مع الأصفياء، فرادى أو جماعة). كما تكتشف زيف وحشانيّة الرّجل وحقيقة أنّ الذّكور ليسوا سوى مخلوقات عاديّة يركبها وهم التّفوّق. فكلّ ما تقوم به من غنج ودلال أثناء منحها جسدها لأيّ ذكر دفع قيمة هذه الخدمة، ليس سوى تمثيل تقوم به وهي واعية بكونه تمثيلاً فجّاً، كما يقبله الذّكر وهو يعلم تماماً أنّه تمثيل.

تكمن خطورة هذا الوضع في قدرة المرأة المومس بالاستقلال بالعمليّة الجنسيّة لتحقيق ذاتها بممارسة الجنس مع من تحبّ كتعبيرٍ عن الحبّ الخالص، ثمّ قدرتها في أن تمارسه كمهنة حيث تقوم فيه بتمثيل دور المرأة المهيمَن عليها ذكوريّاً وما هي بذلك؛ أي صورة الأنثى التي لا يمكن أن تقبل بأن تمارس الجنس إلاّ بوصفه عمليّة اغتصاب وخضوع، تكريساً لهيمنة الرّجل. وليس أخطر لهيمنة الرّجل من مثل هذه المرأة، كونها تماشيه في خدعه وألاعيبه طالما يدفع لها. ولكن بمجرّد أن يتم الدّفع وتنتهي العمليّة، لا تعود للرّجل أيّ سلطة على هذ المرأة النّشاذ التي على استعداد لاستبداله بعشرات الرّجال الذي يتودّدون لها. ولهذا جرى عند بعض الحبّوبات المنتميات للوسط الإسلاموعروبي بالسّودان المثل القائل: “حبّ الـشّرموطة ما بداويهو غير العِرس”، أي أنّ حبّ الرّجل للمومس لا علاج له غير أن يقوموا بتزويجها له برغم كونها مومساً. وقد تمّ رصد حالات حبّ بين رجال (كلٍّ على حدة) مع مومسات محترفات؛ فكان من الطّبيعي للرّجل أن يأتي ثبيل منتصف الليل فيجلس خارج غرفة عملها في انتظارها لتفرغ من دوامها ليتجاذبا أطراف العشق ويبوحان بمكنونات الفؤاد، ثمّ لممارسة الجنس الحقّ باعتباره تعبيراً روجيّاً يتجاوز الجسد؛ هذا مقابل حالات الجنس غير المحصورة التي تكون المرأة قد مرّت بها خلال يومها، دون أن يكون لمجامعتها لأولئك الرّجال أيّ تأثير في الرّجل العاشق. ولهذا نلاحظ أنّ الرّجل بعامّةٍ في المجتمعات ذات الهيمنة الذّكوريّة لا يخشى أكثر من المرأة القادرة على الاستغناء عنه بحسبان أنّه ليس هناك أكثر من الرّجال، وكلّهم سواء.

 

 

 

مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان