خط الاستواء  عبد الله الشيخ  الحكم على الثورة المهدية بانها ثورة سلفية أو تجديدية فيه إهدار للبعد التاريخي، لأن منطق التغيير الثوري لا يغربل الأفكار أو يركن إلى آراء السلف أوالمجددين ساعة فورانه.

 لقد تحرك الإمام المهدي فكرياً بين معسكر ابن عربي والشعراني، و معسكر الإسلام العام ممثلاً في ولاء الناس لنموذج دولة المدينة، فخرجت المهدية من بين هذين القوسين كأفكار استقرت في ذهن القائد انطلاقاً من مستوى وعيه وبيئته المحيطة، و تمرحلت كرؤية على ثلاث مراحل..كانت ثورية عقدية في عهد الإمام المهدي، وزعامة أبوية في عهد السيد عبدالرحمن، وخلال هذه المرحلة تحول الزخم الثوري العقدي إلى حزب سياسي طائفي. ثم أُدخلت فيها  نسبياً ، على عهد الإمام  الصادق، رؤوس مواضيع وقصاصات ” نظرية ” من مبادىء الديمقراطية.   

لم يتمكن المهدي من شرح رؤيته الكلية  للمهدية لانغماسه في العمل العسكري لأربع سنوات انتقل بعدها دون أن يقول الكلمة الأخيرة في تصوره لها،الأمر الذى أجهض الوجه الفكري للثورة فجاءت التجربة كتغيير ثوري للأوضاع السياسية، ثم انقلبت بعد ذلك إلى ملك قبلى عضوض فى عهد التعايشي. وكذلك كان حال الانقاذ التي انتقل مركزها الى ” ود بانقا الجديدة” فاصبحت نظاماً لاسرة قابضة ذات قصور وجسور ومزارع واطنان من ذهب… واسثمارات و قنوات وصحف ،، الخ..!

 في تجربة المهدية يصعب الفرز بين ماهو صوفي وماهو فقهي، بين ماهو اجتماعي وما هو روحي، لأن الثورة كانت وليدة بيئة السودان الثقافية التي تختلط فيها الرؤى والأفكار كاختلاط الأنساب والأعراق. فالمهدية من واقعها ذاك هي تداعيات المهدي وفهمه للتعاليم الدينية كما بدت فى مناشيره التي تخرج في مناسباتها، ولا تأتى تلك التعاليم والمناشير في كمال الفكرة التي وجدت حظاً من الدرس والتمحيص لأن أجواء الثورة لا تسمح بمثل تلك السياحة الفكرية.. و رغم إعلان الإمام المهدي رفع العمل بالمذاهب الأربعة  إلا أنه في أجواء الثورة اعتمد رؤية أسلافه في تقسيم العالم إلى دارين، دار كفر ودار إيمان، دار حرب ودار سلم، وتبنى الفتاوي الفقهية الواردة في هذا الباب كإجابات شافية تجعل مناصريه يتحشدون في صفوف القتال مطمئنين إلى نصٍ مقدس. ولا تتوقف انتقائية المهدي من الفقه فقط، بل انتقي كذلك من التصوف لجهة إنشاء رافده الصوفي الخاص تحت شعار عريض هو “طريقنا لا إله إلا الله ، ومذهبنا السنة والكتاب”.. ثم تخَّير المهدي من اسهامات السلف الصوفى والفقهى ليصل الى رؤيته الدينية الخاصة التى عبر عنها على النحو التالي:ــ “هؤلاء الأئمة جزاهم الله خيراً، فقد درجوا الناس ووصلوهم إلينا كمثل الروَّاية وصلت الماء من منهل إلى منهل حتى وصلت صاحبها بالبحر، فجزاهم الله خيراً فهم رجال ونحن رجال ولو أدركونا لاتبعونا”.. ومن أمثلة انتقاء المهدية ما يناسبها من التراث اتخاذ الهجرة كاحدى دعامات التغيير، كان نداء الهجرة يهدف إلى أن ينفض أبناء القبائل اياديهم عن كل شئ ويرحلوا لمبايعة الإمام على القتال، خاصة الحيران في حلقات الدرس عليهم الانصراف إلى واجب الجهاد، وجاء نداء الهجرة والجهاد على لسان شاعر المهدية ود تميم فى عبارات تدين من لا يلبى النداء.. قال ود تميم : ” لي هجرة إمام الناس ـــ يا ناوي القعاد إفلاس.. يا علماء ويا دُراس  ــــ خلو قراية الكراس.. أنزعوا عنكم الوسواس ـــ  لا دين إلا بعد دواس “..

بالله عليكم ، ما الفرق بين الانقاذ والمهدية..؟ ما الجديد الذي قدمته  الانقاذ على المستوى الفكري والسياسي والاجتماعي، عدا انها  استقدمت المحاسيب وأسكنتهم فى كافوري ،استخدمت اسلوب” الكشة”، كمقابل لدعاوى المهدية فى الهجرة والجهاد..؟  واذا كان المفكر الاستراتيجي للانقاذ حسن الترابي قد تم اقصاؤه بمؤامرة من تلاميذه ، فعلى اي مشروعية تقوم هذه الدولة ” الكافورية”..؟

ما طبيعة الانقاذ فى اسلامويتها المدعاة..؟ أهي سلفية أم شيعية أم صوفية..أم ماذا..؟ فى حقيقة الأمر  هذه دولة بوليسية غاشمة، ليست سلفية ولا تجديدية ولا يحزنون.. انها  دولة “صلفية”، لا اكثر ولا أقل..!