خالد فضل ريثما يفصح عن نفسه وبرامجه , فإن مصطلح الاصلاحيين فى المؤتمر الوطنى سيظل معلقاً فى فضاء التناقضات والمزاحمات المستمرة بين ربائب السلطة , خاصة مع معرفة الناس الاكيدة لنوع السلطة التى تقبض على تلابيبهم وتقضم فى أمالهم غير آبهة بما صارت اليه أوضاع الناس من مآسى يرق لها قلب العدو العلنى ولا تلين لها منهم قلوب.

قلنا حتى يحدث شىء آخر فإن الصراعات بين اساطين السلطة لم تهمد نارها فى يوم ولم يخب أوارها  وتنتهى معظم خلافاتهم بخروج البعض من دائرة صنع القرار أو المنصب الحكومى وانضمامه المؤقت وفى الايام الاولى من أيام الخصومة الى المنادين بتغيير الاوضاع واصلاح الشأن العام , ثم يخمد الصوت قليلا قليلا وينزوى , وتنشط بعد فترة الصلات القديمة ويُغرى من يُغرى بالعودة الى حضن السلطة المتدفق الامتيازات , فيهرع من يهرع مكتفيا بمنصب (أمين هيئة الدعاء والتضرع مثلا أو توحيد أهل القبلة) وفى أثناء ذلك ربما لاحت فرصة شغلانية بشوية قريشات  كتفريغ الميناء أو غيرها من مظان الفلوس فتسند لكادرهم المغاضب فيتبدل الرفض  لرضاء وتصريحات فى أجهزة الاعلام تبقى الفرد منهم حاضرا  فقط فى دائرة الذاكرة الاعلامية , إذ فى الغالب تكون ذاكرة الفعل الطيب والانجاز المشهود خالية إذا لم تكن حافلة بالموبقات . آخر تقليعات الانقسامات  خروج غازى صلاح الدين وبعض كوادر التنظيم الحاكم بعد أن أطلق التنظيم رصاصة الموت على فرصة الاصلاح بحسب ما نقل عن العتبانى , وهنا تستعيد الذاكرة مقولة منسوبة للراحل د. جون قرنق عندما سئل عن امكانية اصلاح المؤتمر الوطنى فاجاب بطريقته الذكية (إن الماكينة المعطوبة تماما لا يمكن اصلاحها بل ابدالها) لهذا فإن التنظيم المعطوب والذى ولد مشوها لا يمكن الحديث عن اصلاحه , فما هو المؤتمر الوطنى اصلا ؟ ألم تصنعه السلطة يوم كانت تبحث عن صيغة تضليلية تخفى بها وجهها الانقلابى الذميم ؟ هل نسى الناس أنه الحزب الوحيد الذى ظل يمارس نشاطه لانه وكما اسلفنا أحد صنائع السلطة فى وقت كانت فيه الاحزاب الطبيعية محظورة ومطاردة ومقموعة ؟ ثم جاء زمان استنساخ أحزاب للزينة فمنح النور جادين لافتة حزب الامة , والشريف الهندى (يرحمه الله) لافتة الاتحادى وحتى الحركة الشعبية صنع لها مجسم من كرتون المؤتمر الوطنى , فى تلك الاوقات كان غازى وصحبه البهيون يزينون التشويه ويدافعون عن الغش والخداع تارة باسم الاسلام وتارات بحجج الساسة , وتسنم غازى الرتب العلية فى تنظيم الشمولية الكرتونى هذا , وهو لابد عارف بخبايا أساليبه , ومنهج الخم الشيطانى تحت غطاء المنهج الربانى كشعار فضفاض , وللحق  فان غازى كان يحاول أن يكون وقورا فى خطابه ولم تسجل ضده الفاظ وقحة مثل لحس الكوع  وتحت الجزمة  كما عهد الناس فى أركان الانقاذ الآخرين  من من اشتهروا بالفجاجة والفظاظة,  كما لابد من تسجيل وقائع أصالة غازى فى تنظيم الاسلاميين فهو ضمن مجموعة الشباب الذين انضموا لقوات الجبهة الوطنية التى كانت تنازل حكم مايو فى السبعينيات من القرن الماضى , وعاد الى الخرطوم مع تلك القوات فى العام 1976م  فيما عرف بقوات الغزو الليبى , ولم يكن غزوا ولا ليبيا ولكنه اعلام الشمولية البغيض يلون الحقائق بلون السلطة الزائف كما هى الحالة الآن ومنذ ربع القرن من الزمان.                       

  عندما كان غازى يتدرب على السلاح فى صحراء ليبيا ليدحر حكم النميرى ليقيم على أنقاضه حكم الشريعة , أو حكم الاسلام هو الحل الفضفاض , كان من ضمن ضباط الجيش السودانى المنوط بهم دحر الغزو , عمر البشير وعبد الرحيم  وبكرى والزبير ..الخ الخ, ولما كان عهد نميرى يسمه بعض طابع الانسانية مقارنة بعهد حكم الغزاة من صحب غازى العتبانى , فقد عاد طلبة جامعة الخرطوم الى جامعتهم ليواصلوا دراستهم ونشاطهم السياسى رغم اشتراكهم فى محاولة عسكرية لقلب النظام , فعاد عوض جادين الى كلية العلوم والى قيادة اعلام التنظيم من غرفته تلك فى ركن مسجد الجامعة , ولو كان النميرى بمثل فظاظة نميرى هذا الزمان لاطلق أوامره (صوب لتقتل) ولمات جمع من سدنة الحكم اليوم بأيدى القناصة أو الجنجويد وهم وقتذاك شباب وطلاب فى مثل أعمار صلاح السنهورى وهزاع.  وهنا مكمن المعضلة فقد فقد الناس الثقة فى الاسلاميين لدرجة جعلت تصديق ما يقولون منعدمة ومن اعتاد على الكذب وعاش عليه كتب عند الله والناس كذابا , فاختلاف الاصلاحيين مع غير الاصلاحيين فيما يبدو لا يدور حول مسائل مبدئية تتعلق بطبيعة الحكم من حيث شموليته أم ديمقراطيته ومن موضوعات حقوق الانسان بين كفالتها وصونها أو إهدارها , ومن الوفاء بالعهود والاستقامة والنزاهة أو نقض المواثيق والتملص من الالتزامات والدغمسة والفساد , الى بناء الدولة الوطنية بين أن تكون دولة قائمة على المواطنة ذات الحقوق المتساوية أو تستمر كما هى الآن دولة خاصة ببعض السودانيين منبوذ منها من لم يقع تحت مظلة الخواص عرقا أو جهة أو معتقدا ؟ مثل هذه المحكات المبدئية هى التى تحدد بصورة كبيرة مدى جدية الاصلاحيين , وبالتالى اعتبارهم اضافة للصف الوطنى الديمقراطى وخصما على جدار الاستبداد الغليظ. أما أن يختلف بعض أعضاء منظومة واحدة حول محاصصات وتهميش وازاحة فيما بينهم فهذه خلافات لا يعول عليها , فقد أذيع على الناس عشية اعتقال صلاح قوش وود ابراهيم وزمرتهم  بأن مخططا تخريبيا قد تم احباطه , ثم جاء من ألسنة السلطة من يتحدث عن انقلاب مكتمل الاركان بما فيها البيان الاول , قبل أن يتحدث لسان آخر بأنها محاولة تصحيحية , فحار الناس فى أمر هؤلاء المخربين التصحيحيين ولا عجب فى زمن العجائب هذا. ولا عجب أن أرتاب الناس فى اصلاح غازى ورهطه , فالرجل ظل على مدى ربع القرن من القادة السياسيين والتنظيميين حزبا وحركة اسلامية وحكومة وبرلماناً, وعلى مدى ربع القرن حيكت مؤامرات وتم تدمير البلاد تدميرا ممنهجا ومثابرا وانقسمت البلاد وحظيت بارذل المقامات فى المحيط الاقليمى والاسرة الدولية  من ادانات مجلس الامن الى ادانة الاتحاد الافريقى قبل أيام , ومن المقرر الخاص لحقوق الانسان الى نشر القوات الدولية , الى ذيل القائمة فى كل الحسنات وتصدرها فى السيئات , كل هذا وغازى وشيعته يتداولون المناصب والمواقع كأن ليس فى السودان غيرهم , ثم هاهم الآن ينادون بالاصلاح وفى سبيل اصلاح البلاد قدم الآف السودانيين أرواحهم فى الجنوب والشمال والغرب والشرق والوسط فهل ينضم غازى ومن والاه الى أولئك الاصلاحيين من دعاة وطن للسلم أشرعتو وضد الحرب اسلحتو وطن شامخ وطن عاتى وطن خير ديمقراطى أم أن الأمر لا يخرج من فقاعات تتلاشى ؟.