بابكر فيصل بابكر  في رسالة ذكيَّة وجَّهتها للدكتور غازي صلاح الدين ورفاقه من إصلاحيي المؤتمر الوطني قالت الأستاذة رشا عوض : ( إياكم أن تقولوا لنا المؤتمر الوطني حاد عن النهج الإسلامي القويم ونحن خرجنا عليه لننشئ حزباً يطبق الإسلام الصحيح ). إنتهى

أرادت الكاتبة النابهة أن تُحذَّر المارقين على المؤتمر الوطني من خطر الوقوع في فخ تكرار الفشل, فشل إطلاق الشعارات الخالية من المحتوى, ودغدغة العواطف بإسم الدين, وهو الطريق الذي لن يؤدي إلا إلى ما أدَّت إليه التجربة التي خرجوا عنها بعد ربع قرن من الحكم .

ولكن قبل أن يجفَّ مداد قلم الأستاذة رشا, جاءها ردٌ من القيادي بتيار الإصلاح حسن رزق يؤكدُ مخاوفها, و يُبدِّد الآمال في أنَّ الذين خرجوا على الحزب الحاكم قد إستفادوا من الدرس, أو أنهم سينتهجون نهجاً جديداً يتجاوز الأفكار والشعارت التي لم نجن من ورائها سوى الحروب الأهلية والفقر والظلم والتفكك الإجتماعي والتدهور الاخلاقي.

في حوار أجرته معه صحيفة “المجهر السياسي” سُئل الأستاذ رزق السؤال التالي : كيف ستواجهون تحدي فشل تجارب “الإسلام السياسي” ؟

فأجاب قائلاً : ( السودانيون لم يكرهوا ولن يكرهوا الإسلام، إنما كرهوا الذين يتاجرون بالإسلام، ومتى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة، فإنهُ سيجد القبول من الشعب السوداني، ومن المسلمين خارج السودان ).

وقع الأستاذ رزق في المحظور الذي حذَّرت منه الأستاذة رشا بعبارته ( متى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة فإنه سيجد القبول) لأنَّ لا أحد يستطيعُ الإدِّعاء بأنه يعرفُ ما هو “الإسلام الصحيح”, وهذه البديهية كان يجب أن تكون الدرس الأكبر الذي خرج به أهل تيار الإصلاح من تجربة حُكم الإنقاذ التي خرجوا عليها.

إن كان هناك درساً واحداً يتعلمهُ الإصلاحيون من تجربة حكم الإنقاذ للسودان فهو ضرورة الإبتعاد عن إقحام الدِّين في أمور السُّلطة والدنيا و الحُكم مرة اخرى بذات الطريقة التي جعلت أصحاب الشعارت البرَّاقة يُهرعون للغنائم والمكاسب والأموال, وحوَّلت الدين لمجرَّد مظاهر وشعائر وشعارات فارغة من المحتوى.

الغريب في الأمر أنَّ الأستاذ رزق قال في نفس الحوار كلاماً يُناقض حديثه أعلاه, وذلك عندما سُئل السؤال التالي :  هل توجد أمثلة لحكم إسلامي حقيقية وأصيلة ؟

-فأجاب قائلاً : (المثال الوحيد هو الخلافة الراشدة وتجربة حكم “عمر بن عبد العزيز”، حيث لم توجد تجربة إسلامية غير هاتين لن نجد عليها مآخذ).

الإجابة أعلاه تثبتُ بوضوح أنه لا يوجد شىء إسمهُ “الإسلام الصحيح”, وهو الأمر الذي يستلزم بالضرورة وجود شىء آخر إسمه “الإسلام الخطأ”, والدليل على ذلك أنَّ الأستاذ رزق لم يستطع أن يذكر مثالاً إلا تجربة الحُكم الراشد والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وهى الإستثناءات التي تثبت القاعدة. 

وقد سبق لنا أن قلنا في معرض سعينا لدحض فكرة وجود “إسلام صحيح” وآخر خطأ أنه لا توجد تجربة إسلامية تحتذي سوى تلك التي إرتبطت بالرسول ( ص) بوصفه مبعوث السماء للأرض وما عدا ذلك فهو مُجرَّد إجتهادات بشرية تحتمل الصواب والخطأ, بما في ذلك تجربة الخلافة الراشدة.

وهذا هو الدرس الذي يُعلمنا لهُ تاريخ الدولة الإسلاميَّة منذ خلاف السقيفة , ومنذ أن سالت دماء المسلمين في الجمل وصفيِّن والنهروان وكربلاء, مروراً بإمبراطوريات المُلك الوراثي العضوض للأمويين والعباسيين والفاطميين, وصولاً لخلافة بني عثمان التي ثار عليها المسلمون في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك ثورة الإمام “المهدي” في السودان, وانتهاءً بحُكم ملالي إيران و طالبان أفغانستان وشباب الصومال.

إنَّ عجز تجربة القرون الطويلة  لأنظمة الحكم الإسلامي عن إنزال ما يُسمى بالإسلام الصحيح لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات – هي فترة الرسول (ص) – من مجموع أكثر من ألف وأربعمائة عام يعني أنَّهُ لا يوجد منهج متفقٌ عليه و أنَّ التجربة الصحيحة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

يقول إصلاحيو المؤتمر الوطني أنهم خرجوا على حزبهم بسبب غياب الديموقراطية والشفافية, ولأنَّ عصبة محدودة العدد أضحت تسيطر بالكامل على مقدرات الحزب واشتكوا من إنتشار الفساد وغياب المُحاسبة.

إنَّ غياب الديموقراطيَّة و ممارسة الإقصاء وتغييب المساءلة وغيرها من الأدواء لم تأت من فراغ, بل هى نتاج طبيعي للأفكار والمبادىء, هى مولود شرعي للمنهج الذي نشأت وتربَّت عليه قيادات المؤتمر الوطني.

ماذا يتوَّقع الناس من قيادات نشأت على مبدأ “السمع والطاعة” والثقة المُطلقة في القيادة ؟ و ماهى الممارسة المأمولة من كيان يُربي أعضاؤه على أفكار جاهلية المجتمع والإستعلاء بالإيمان والعزلة الشعورية ؟ وماذا يُرجى من أناس زرعت في عقولهم فكرة الخلافة والأمميَّة الإسلامية ؟

مبدأ السمع والطاعة ينسفُ الأساس الذي تنبني عليه عملية “المُحاسبة والمساءلة” لأنَّ المطلوب من عضو التنظيم أن يكون في حضرة قيادته “كالميت بين يدي غاسله”, و”الإقصاء” هو بالضرورة الإبن الشرعي لفكرة الإستعلاء على المجتمع, أمَّا “الوطن” فهو لا يعني شيئاً أمام فكرة الأخوة الإسلاميَّة. المأزق إذا هو مأزق الأفكار, وهو المجال الذي يجب أن يبدأ منهُ الإصلاحيون نقد تجربتهم حتى لا تتكرر المأساة.

لا مجال لأن يخرج أحدهم بعد الآن ليقول  أنَّ “الإسلام هو الحل” لأنَّ التجربة أثبتت أنَّ الشعارات وحدها لا تصلح لحكم الدول, وأنه لا بُدَّ من وجود برامج مُفصَّلة توضح للناس الكيفية التي سيحلُّ بها مشاكل الإقتصاد والإجتماع والسياسة وغيرها من المشاكل بعيداً عن التمسح بالدين و المتاجرة به لشراء عواطف الناس.

الإسلامُ ليس” ديناً ودولة” بالمعنى الذي يرمي إليه هؤلاء (السلطة), الإسلام دينٌ فقط. إنَّ مُجرَّد ربط الدين بالسلطة يعني إهدار معناه, ذلك لأنَّ السلطة تفسد الآيديولوجيا (العقيدة) وهو إفساد – كما يقول جمال البنا – في طبيعة السلطة ولا يُمكن أن تتخلص منه, وكل نظام يحاول الإقتران بالسلطة بقصد اصلاحها وتطويعها لا بُدَّ أن يقع فريسة لها وبدلاً من أن يكون سيدها يصبحُ تابعها.

ليست الأفكار وحدها هى ما تحتاج للمُراجعة, ولكن المصطلحات أيضاً تحتاج لإعادة نظر تضبط دلالاتها, وفي مقدمتها مصطلح “إسلامي” الذي يُطلق على من يتبع نهج الإخوان المسلمين بفروعهم المُختلفة, وهو مصطلح لا يعرفهُ الإسلام. الإسلام يعرف “المسلم” (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ), ولا يصحُّ أن ينسب شخص إجتهاده الخاص في فهم الدين للإسلام. هذا المصطلح المُفخَّخ يحملُ في داخله دلالة إقصائية غير مباشرة توحي بأنّ من لا يوصف به لا ينتسب للإسلام.

قد كتب الدكتور غازي صلاح الدين بعض المقالات التي تتضمن محاولة لإستكشاف ردود الفعل حول بعض الأفكار الجديدة كان أهمها على الإطلاق مقاله المنشور بموقع شبكة الجزيرة تحت عنوان “الخبرة التركية في إبتعاث الفكرة الإسلامية” تناول فيه تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في الحُكم, موضحاً الفروقات بين النموذج التركي والنماذج الأخري في الشرق الأوسط.

المشكلة الأساسية تتمثل في أنَّه لم يطرح رؤاه بوضوح يكفي للقول أنَّ أفكاراً جديدة باتت تتشكل في عقول دعاة الإصلاح. وهنا يتبدى بوضوح الفارق بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وفي السودان.

في مصر خرجت على الجماعة قيادات عليا من العيار الثقيل من أمثال الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد , وعبد المنعم أبوالفتوح نائب المرشد, وكمال الهلباوي مسئول الجماعة في أوروبا لسنوات طويلة, إضافة لأسماء عديدة أخرى من القيادات الوسيطة والشبابية مثل ثروت الخرباوي ومختار نوح وغيرهم.

لم يكتف هؤلاء الخارجون بنقد الممارسة السياسية للجماعة, ولكنهم قاموا بنقد الأفكار والمبادىء الأساسية بشجاعة شديدة, وهو الأمر الذي يفتقدهُ جميع الذين إختلفوا مع المؤتمر الوطني في السودان. وهو أمرٌ مثير للإستغراب و التساؤل, إذ أنَّ نقد سلبيات الممارسة فقط لا يكفي لعلاج المُشكلة, ولا يمنحُ مصداقية لبدايات جديدة.

ولدينا في هذا الإطار أمثلة كثيرة يُجسِّدها أشخاص مثل محمد الحسن الأمين, و الحاج آدم يوسف وغيرهم من الذين إنتقدوا تجربة المؤتمر الوطني وخرجوا عليها, ولكنهم عادوا لنفس الحزب وأصبحوا من أكثر المدافعين عنه وعن سياساته التي خرجوا عليها بالأمس !!    

إذا أراد إصلاحيو المؤتمر الوطني تسويق سلعة جديدة لمختلف قطاعات الشعب السوداني , فعليهم تقديم بضاعة غير منتهية الصلاحية, وإذا عجزوا عن فعل ذلك فلن يتعامل معهم أحد سوى بعض زبائنهم القدامى, وسيكون من الأجدى لهم عدم مغادرة حزبهم لأنهم حتماً سيعودون إليه في يوم ما, وبطريقة ما.