جاء في الخبر، أن رانية مامون، المبدعة المعروفة،  تهدد وحدة البلاد وسلامتها، وبأنها خطرة على البلاد، وعلى شارعهم في مدني، ولا بد أن تحاسب، وتحاكم!.      

وهو بالتأكيد،  (أي الخبر)، ليس فقرة من كتاب جمال الغيطاني، (الزيني بركات)، ذلك الكتاب الذي خلد “العنف المملوكي، وسلطة البصاصين “الأمن حينها”، ذلك الكتاب الذي تفوح من بين سطوره أنتن رائحة للبطش والتجسس، على المساكين، والتجار، والفلاحين، والأخيار، في حمى العصر المملوكي.

تكاد تتقيأ، حين تقرأ الكتاب، من عنف النفوس المريضة، وخبثها، وكيدها، وتلفيقها للتهم بقلب متحجر، حتى صار الكتاب، معلما، من معالم الجور، عبر التاريخ، وليس العصر الممولكي فقط، فهل تداعت فقراته، وعوالمه، لحمى مدينة مدني المسالمة، البسيطة، المقهورة، المنسية، ففي ذلك الكتاب يعيش المساجين في أقبية وجحور كالفيران، لا يعرفون سنة، أو شهر، بل لا ليل ولا نهار، شمسهم لاشرق يظهرها، لا غرب يسترها، عتمة أبدية، جحيم حل بهم قبل وقته، ولكن أين المماليك الآن؟ ومن قال بأنه سيعيش ويخلد بالكبت والقهر والجوع، والفتن؟ سوى مرضى النفوس والعقول والقلوب، على مدى التاريخ البشري..

 كما لم يكن ذلك الخبر  فقرة من زمان موسوليني، أو برلين ألمانيا، في عهد هتلر، حين لم يكن مسموح سوى التصفيق، والمديح للإله هتلر الفاتك، وصوره التي تظهر صلفه، وجبروته، ولكنه (أي الحدث/الخبر)، حدث وجرى في مدينة مدنى، من شعب أعزل، وبينهم الكتابة رانية، وبين سلطة متخمة بالأمن والاسحلة، أكثر من 85% من ميزانية الدولة لهما (الأمن والجيش، ومدني في قلب مشروع الجزيرة البور)، ومع هذا، تهدد تلكم الفتاة الصادقة أمن البلاد، ومدينة مدني وشارع حلتها، (أين نحن؟ وفي أي عصر، ومن يصدق هذا)؟ هل قول الحق يهدد البلاد؟ هل النصيحة جريمة؟.

نحن في تأخر عظيم، في زمان “الأنقاذ/المماليك”، تقهقرنا، رجعنا للوراء كثيرا، كثيرا، وهوينا لقاع ودرك لا تسبره الظلمة نفسها.

ماهذا؟،

كيف توزع التهم بلا حياء؟ وبمكر يعجز الشيطان نفسه؟

من أين أتى هؤلاء؟ بلى من أين؟ يا أيها الطيب صالح، هل تعرف من أين أتى هولاء حين تساءلت..

وإلى متى؟.

أتهددهم رانية؟ (بلا سلاح في يدها)، وهي لم تهددهم (لو بزهرة، كما يقال)، فلم الخوف؟ (يقال بأن الظالم يخاف من ظله، والقاتل، يخاف من اليقظة، وفي النوم من الكوابيس) وذلك قصاص الله، والضمير، ولكن أن يصير نعامة، يجفل من صفير الصافر،؟ فلله درك ياثورة سبتمبر، وما فعلتي بهم

..

عجبى، أيها المساكين (أي الشرطة) المتخمين بالأسحلة في شوارع آمنة، وشعب جائع، مسجون، تحوم السيارات والمدرعات بين المتظاهرين؟ باسم الاسلام؟ أم بطغيان سلطان غشيم؟  

 أهذا دين؟ كما يكذب أعلامهم وينعق من ربع قرن.

(ألم يصرخ إعرابي في وجه عمر ابن الخطاب في يوم حاشد؟ ومن عمر ابن الخطاب؟ أنه رجل قال عنه النبي، عليه السلام، لم يسلك عمر فجا، حتى سلك الشيطان فجا آخر، ومع هذا صرخ الاعرابي فيه)، وقال عمر قولته الشهيرة

( لاخير فيه، أن لم يقلها، ولا خير فينا أن لم نعيها).

فمن أي مرجع ديني بنيتم أمركم؟

لا الدين يشبهكم، ولا الفكر، ولا أعراف الناس الكريمة، من أي جحيم غرفتم فقرات دستوركم؟ ومن أي حياة شربتم صلفكم، وجوركم؟ وأي قدوة في التاريخ سرتم ورائه؟ فأي نخوة غابت؟.

 بل أهذه مرؤة إنسانية، ناهيك عن مرؤة سودانية اختبرت عبر الزمن، وتغنى بها الغاشي والماشي، فقد عرضت صورة لها (أي رانية)، وعينها حمراء من الضرب واللكم، أهذه مرؤة؟ أنها فتاة عزلاء في حمى محاكمكم؟ ألم تعرفوا كيف يتصرف الرجال الرجال مع الأسرى؟ ألم تسمعوا بابي بكر الصديق، حين أمر جيشه بأن لا يدخل بيتا، ولا يقطع شجرة، ويقتل هاربا من ظهره؟ من أي مشرب صغتم عنفكم، وقانونكم، وجوركم؟ والدين، والعرف من براء.

بعد ربع قرن، من القسوة، والثراء الحرام، تمخض المشروع الاسلامي، الرأسمالي الباهت، ولم يلد فأرا، بل عقربا، تلدغ كل وطني غيور، بسم الهوس، وحب الجاه، وعبادة الكرسي، ولو على جماجم شعب أعزل.

فتية صغار، ظلهم قرار زيادة اسعار المحروقات، زاد فقرهم، وجوعهم، فتكتم بهم أسحلة النظام، لأنهم قالوا مثل شخوص تشارليز دكينز، وطفله الشهير، “أوليفر تويست)،حين قال: (أريد قديدا)؟ فهوى الرجل الجشع بالمغرفة على رأسه الحزين، وهم قالوا (نريد مرقا، نريد كراسا، نريد أبا حاضرا، نريد أما متعلمة،)، فماذا كان ردكم لإغاثة الملهوف؟ لقد ضرب أوليفر الجائع بالمغرفة، ولكنكم ارديتم من طلب لقمة العيش، وبراح الحرية البندقية، فسالت أزكى الدماء في شوارع الخرطوم وحلفاء ومدني، والقضارف وكسلا، ولكن أرواحهم المظلومة، ستحلق فوق رؤوسكم، أبد الدهر، والله مع المظلوم، دوما..

فنمنتم أنتم في قصوركم الاسلامية فرحين، في حين نامت الخرطوم وأخواتها، حزينة، على أطفال صغار، وقلوب الأمهات الحزينة، تلعن وتدعوا لكل من قتل ابنائهم بالقصاص والعدالة (وهل السماء تنسى؟)، ولكنها تمهل ولا تهمل، فأنتظروا المصير، ولو من دعوات أوليئك النساء الحزانى، على فلذات اكبادهن، تلكم النساء، اللائي يقمن في غبشة الصبح، ويلبسن الأمل، أي ابنائهن قمصان المدارس، وحتى الجوارب، يمضين للسوق بمال بسيط، كي يطبخن الغداء، في انتظار عودتهم، هل تذوقت طعم عودة الابن من المدرسة، متعبا، حالما، والشنطة في ظهره،؟ ولكن

(يقولون من زمان..

يقولون في شجن

عن طفلي الذي مضى.

وعاد في كفن).. بعض تعديل لقصيد درويش..

هل تصدقوا، هؤلاء النساء، في صدق دعواتهم (سيهدمن عرشكم الخائر)، ورب السماء دون بندقية، أو أي تعبير آخر (تأكدوا من ذلك)، فالله عادل، قاهر، عظيم.

عاد الأطفال في أكفان، للمنازل، جاء الخبر كالصاعقة، فهل تحولت حتى الشوارع في المدن لحرب بين النظم، وأطفاله؟ عبجى من زمان باهت بالكذب والألاعيب، متى يعرف الشعب، ما يدور حوله، وعنه، في كواليس رجال يخافون من الحقيقة.

وأين مجلس الشعب؟ حتى الجماد، بل وتسخر حتى الجبال والانهر من ذلك المبنى، المكلف عند ملتقى النيلين، الذي يسمى برلمان الشعب؟ تلك الاكذوبة يمين الجسر، في مدخل امدر، ويا لحزنك يا امدر، من مجلس يطل على نيلك الخالد، ويكذب اهله، ويشهدون بالزور، ويأكلون أموال اليتامى، ويقتلون الاطفال.

هل تهددهم رانية، وأخواتها؟

قبيل شهر، منعوا مجلة الدوحة، من دخول البلاد، لأنها خطت فيه مقال عن “الغابة والصحراء، هل بيتوا لها الأمر؟ ومن يشك في ذلك؟ أنهم لا يحبون النصيحة الصادقة، بل أقلام رؤساء التحرير المعينين، من قالوا (نعم)، في وجه من قال لا، كما قال (امل دنقل)….

لاشك (رانية، وأخواتها)، أمل هباني، سمر، وغيرهن، فقد هددتهم بقلمها،  وقد فعلت،والقلم أقوى من أي فوهة حين يصدق، ويكون حبره دما، نبيلا، ورانية معروفة بعشقها للفقراء والمساكين، في كل أدبها، حتى كتابها الاخير،(ابن الشمس)، كان أبطالها ابناء الشمس، المنسيين، في قارعة الطريق، وهي كالأم تريزا، حامت بينهم، وكتبت عنهم، كتابا كاملا، أهناك عشق ووله أنبل من ذلك؟ فكيف تهدد البلاد، وهي أعمق من يحبها، ولكن شوفوا الخبر وشوفوا نحن وين من العالم الحديث، الراقي، الحر، أين وصلت هذه البلاد؟ أيه هواية سقطنا فيها؟… حتى الإبداع صار جرما، والتظاهر السلمي يهدد وحدة البلاد وأمنها؟…

شكرا لاتحاد الكتاب بمدني، وشكرا لابناء مدني، وكل من وقف مع المناضلة، الكتابة رانية مامون، وتلك شيم أهلي،وبلادي، دوما..