د .زهير السراج * كان الجاهليون يدفنون بناتهم احياء خشية العار حتى نزلت الاية الكريمة (واذا المؤودة سئلت، باى ذنب قتلت) التكوير الايتان 8 و9 ، فتوقف الناس عن دفن بناتهم أحياء، ولكن هل بالفعل توقفت هذه الجريمة أم لا تزال تُرتكب حتى اليوم وبأشكال وطرق أكثر وحشية وفظاعة ؟!

* لا شك انها ترتكب حتى الان فى مجتمعاتنا الشرقية بأكثر مما كانت عليه فى العهد الجاهلى، فالمرأة لا تزال حتى اليوم تتعرض لشتى اشكال الظلم والاضطهاد بل والقتل فى كثير من الاحياء بما لا يختلف كثيرا عن الدفن .. وان اختلفت الطريقة، فالنتيجة فى آخر الامر واحدة وهى فقدان الحياة، والرعب الكبير الذى تعيشه الضحية قبل ان تؤد أو تقتل.

* لا يزال مجتمعنا يمارس استعباد المرأة، واسترقاقها ومعاملتها كجارية او خادمة بل ما هو اسوأ: معاملتها كعار يمشى على رجلين ولا بد ان تُعتقل اعتقالا مطلقا حتى لا تجلب العار للاسرة. على هذا الاساس الفاسد لا تزال المرأة تُعامل فى كل المجتمعات العربية والاسلامية التى تدين بدين الاسلام ولكنها لا تعى شيئا عن الاسلام، ولا تحاول فهم الاسلام ولا تجتهد لوضع تفاسير جديدة للاسلام تتماشى مع التطور .. ولا تعلم بان الاسلام دين متطور يصلح لكل زمان ومكن، ولكنها للأسف توقفت به عند محطة ما قبل الدفن فظلت المراة تدفن حية حتى اليوم مع اختلاف اسلوب الجريمة، كما ظل المجتمع يمارس نفس ما كانت تمارسه الجاهلية من ظلم للمرأة التى انصفها الاسلام وجعلها أُما ومعلمة للمؤمنين ووضع الجنة تحت اقدامها قبل خمسة عشر قرنا بينما عدنا بها نحن الى ما قبل نزول الاسلام .. حيث كانت المرأة إما جارية او عارا لا بد ان يقتل حتى لا يكلل جبين الاسرة بالعار ..!!

* عندما تساءل القرآن قبل خمسة عشر قرنا (وإذا المؤودة سئلت، بأى ذنب قتلت) لم يكن بالتأكيد يقصد وسيلة القتل وانما كان يقصد جريمة القتل، بالدفن كانت او بالسكين او بالمسدس او بالشك وما يجلبه من معاملة سيئة واثار نفسية سيئة تماثل القتل، فالدافع واحد فى كل وهو خشية العار، وما دمنا حتى الان نتعامل مع المرأة من هذا المنطلق الفاسد حتى وان كففنا عن وأدها، فلا بد اننا نئدها بالفعل مع اختلاف الوسيلة ..!!

* لا زلنا حتى الان نطارد المرأة بمفاهيم اجتماعية وقوانين حكومية تهين كرامتها وتنتهك حقوقها وتقتلها بالحياة وتئدها فعلا لا قولا .. والامثلة كثيرة وعديدة يمكن ان تملأ ملايين الصفحات، وكلنا قد عرف او صادف بعضها او ارتكب مثلها ما يضعه فى خانة القتلة والمجرمين والوائدين الذين يستنكف الله تعالى (من فظاعة ما ارتكبوه من جرم بشع)، ان يوجه لهم السؤال عندما يمثلون امامه يوم القيامة ، فيتوجه بالسؤال الى الضحية، الى المؤودة التى قتلت ظلما بدون ذنب، وهو ما يبين لنا المهانة والمذلة التى ينظر بها الله تعالى الى مرتكب هذه الجريمة الوحشية فيستنكف حتى عن مجرد سؤاله والحديث اليه، واذا كانت عقوبة الذى ارتكب هذا الجرم قبل نزول القرآن هى مجرد التوبيخ واللوم باعتبار أن الاسلام لم يكن قد نزل بعد على الناس، فلا جريمة بلا نص، او ما عبر عنه القرآن بالقول (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) الاسراء، 15، فان عقوبة الذين ظلوا يرتكبون هذا الجرم بعد نزول الدين هى ما يمكن استنتاجه من قوله تعالى (من قتل نفسا بغير نفس او فساد فى الارض فكأنما قتل الناس جميعا) المائدة، 32 .. فما هى عقوبة من يقتل الناس جميعا فى شرعنا الارضى، دعكم من الشرع السماوى؟!

* انها جريمة بشعة ان نظل نظلم المرأة حتى اليوم بعد خمسة عشر قرنا من نزول الدين وتعاليم الخالق ونهينها وننتهك كرامتها ونئدها بالحياة وفى أحيان كثيرة جدا نقتلها ونريق دمها فعلا بلا ذنب خوفا من الفضيحة والعار .. !!

* اننا نحن الرجال .. العار، وليس المرأة التى كرمها الدين ووضع الجنة تحت اقدامها، فمن يستنكف المولى عن مجرد الحديث اليه وسؤاله عن جريمته هو العار .. وليس المرأة التى ظلمها وجنى عليها ووأدها فعلا او قولا أو سلوكا بدون ذنب ..!!