محمّد جلال أحمد هاشم ما هو الشّرط اللازم للحداثة؟ تنطوي الإجابة على هذا السّؤال على جملة من المنزلقات، ذلك لأنّ للحداثة أكثر من شرط لازم. فشروط الحداثةن لازمة كانت أو غير لازمة، تتحدّد بالمنظور الذي من خلاله تتمّ مقاربة مفهوم الحداثة. ولكن، مع هذا، يمكن استخلاص بعض العناصر التي يمكن النّظر إليها على أنّها لا بدّ من توفّرها في سبيل أن يصدع المرء بأنّ هناك حداثةً ما.

أوّ هذه العناصر حقيقة أنّ الحداثة ليست مجرّد منتج ماديّ، أو مظهر خارجي؛ فأوفق المقاربات في أمر الحداثة كونها أمراص يتعلّق بالعقليّة الإنسانيّة. فالتّقليديّة ليست سوى عقليّة متعيّنة تتضّح معالمها في حال أفعالها وردود أفعالها إزاء الواقع المتعيّن في فضاء الزّمان والمكان. وكذلك الحداثة يمكن وصفها بأنّها عقليّة قلقة، غير مستقرّة على ذات الأوضاع المتوارَثة، فتسعى بالتّالي إلى تغييرها أو تعديلها، وربّما تتّصف بالتّمرّد على ذلك الواقع. وبما أنّ جميع هذا يتعلّق بأفعالها وردود أفعالها إزاء الواقع، يكون من المتوقّع أن يُفضي هذا الأمر إلى استحداث منتجات مادّيّة جديدة لصناعة وإنتاج الحياة، يكون لها من الطّبيعي مظهرها الجديد، إمّا المتصالح مع ذلك التّقليدي أو المتقاطع معه كيفما اتّفق. ولكن كلّ هذا يعود في أساسه لحالة عقليّة جديدة غير خاضعة لجملة التّوافقات consensuses الموروثة. هذه العقليّة إمّا أن تكون واعية بما عليه حالها، وبالتّالي تكون ذات وعي فكراني، نقدي، بواقعها وبما ينبغي لها أن تفعله، ثمّ بمجمل التّسبيبات الرّافضة للواقع ولزوميّة تغييره. أو، في المقابل، لا تكون واعية بذلك ولو كانت خاضعة لتيّاره العامّ، وبالتّالي تكون عرضةً للتّأرجح ما بين تيّار الحداثة الموّار من جانب، وذلك التّيّار التّقليدي السّاكن، الهادئ.

في رأينا أنّ هذا هو شرط الحداثة اللازم: الوعي الفكراني intellectual awareness بحالة الحداثة نفسها كمشروع متكامل مقابل واقع تقليدي لا مناص من تجاوزه. باستخدام ألفاظ كارل ماركس، يمثّل الذين يعيشون الحداثة كمشروع واعٍ، حالة حداثة لنفسها for itself؛ أمّا الذين يعيشون الحداثة كمشروع غير واعٍ، فيمثّلون حالة حداثة في نفسها in itself. في الواقع السّوداني، يكون من الصّعب الإشارة إلى مجموعة بعينها على أنّها تمثّل الحالة الأولى، مع احتمال وجود حالات لا تزال مسجونة في إطار التّجربة الشّخصيّة، لمّا تتحوّل بعد إلى ظاهرة منداحة اجتماعيّاً. هذا بينما يجوز الزّعم بأنّ الغالب الأعمّ من السّودانيّين يقع داخل التّصنيف الثّاني، وهذا أخطر جانب في أزمة الحداثة في السّودان. داخل التّصنيف الثّاني، يتراجع موقع المرأة بالقياس إلى موقع الرّجل إلى مسافات غير مقبولة بالنّظر إلى ما في يدها من أسلحة وأدوات حداثويّة كالتّعليم والوظيفة. بالطّبع، من الممكن والمقدور عليه أن تتفوّق على رصيفها الرّجل، ذلك إذا ما اكتسبت وعياً فكرانيّاً بمشروع الحداثة، بدلاً من أن تخوض في الحداثة المجروحة مع الخائضين. فالرّجل لا يزال يصدر في مقاربته للحداثة من موقع امتيازاته التّاريخيّة، غير راضٍ في دخيلة نفسه بحداثة سوف تجرّده من هذه الامتيازات لتساويه بالمرأة. وتكمن انهزاميّة المرأة في إقبالها إلى المشروع الحداثوي ـ كيفما كان وعيها بها ـ مستصحبةً معها ذات الامتيازات الوهميّة التي أسبغها عليها الرّجل التّقليدي بغية إيهامها بمكانة مائزة لها. فهي، إذا أرادت فعلاً أن تتحرّر من هيمنة الرّجل، أن تردّ إليه جميع الرّشاوى السّلوكيّة التي أسبغها عليها للتّحكّم عليها. ولا سبيل إلى هذا بدون اكتساب وعي فكراني بمشروع الحداثة، بنفس القدر الذي ينبغي على الرّجل في هذا المجال.

تراوح المرأة المتعلّمة بين التّقليديّة والحداثة

نالت المرأة التّعليم وفق ثقافة الأفنديّة القائمة على استهداف احتياز أكبر قدر من الخيرات المادّيّة. وهذا موقف مفهوم، إذ في مرحلة معيّنة يصبح التّملّك إحدى وسائل تحقيق الذّات، وقد لا يستطيع الإنسان فهم كينونته إلاّ عبر التّملّك اختزالاً. وهذه في أصلها تطوّرت من سعي الإنسان لتأمين نفسه أوّلاً، ثمّ بعد ذلك أخذت إطارها وتبلورها من الثّقافة الذّكوريّة ذات الأساس في بنية الوعي البرجوازي (راجع إريك فروم، 1989: 29-30). تكمن أزمة هذه الثّقافة في أنّها عاملت المرأة نفسها بوصفها أحد المكتنزات المستهدفة وجزءاً من الحيازات. وقد تكرّس من جرّاء هذا مفهوم الشّرف المادّي عبر تحالف كلّ هذا مع بنية الوعي التّناسلي، وهو التّحالف الذي أعطانا ما يمكن أن نسمّيه “بنية الوعي المتخلّف”. لهذا لم يكن من المتوقّع أن تنجز المرأة المتعلّمة أي قدر من التّحرّر الحداثوي عبر نظام تعليمي كهذا. فقد تمسّكت المرأة المتعلّمة في غالبها الأعمّ بجميع الامتيازات الوهميّة التي وفّرتها لها بنية الوعي المتخلّف، ومن ثمّ تقدّمت للمطالبة باستحقاقات الحداثة المتعلّقة بالمساواة مع الرّجل دون أن تستوفي شروط التّحرّر من بنية الوعي المتخلّف.

مع كلّ هذا، ينبغي أن نكون على وعي بالتّضحيات الجسام التي انطوى عليه هذا العمل نفسه وذلك في سياق ثقافة يسيطر فيها الرّجل على أوضاع المرأة. لقد تجشّم الرّعيل الأوّل من النّساء المتعلّمات صعاباً مهولة في سبيل أن ينلن التّعليم وفق هذه القسمة الضِّيزى. وكان من أسباب نجاحهنّ النّسبي أن قمن باتّباع تكتيك توفيقي compromise قُصد منه أن يمكّنهنّ من الجمع ما بين الحداثة والتّقليديّة، لكن دونما رؤية راشدة بهذا الشّأن. ويتحمّل الرّجل كبر المسئوليّة عن هذا التّقاصر، ليس بحكم سيطرته على الأوضاع فحسب، بل بحكم تقدّمه النّسبي المفترض على المرأة فيما يتعلّق بالقدرة على اجتراح رؤية بهذا الشأن. ولكنّ الرّجل فشل في اجتراح رؤية وطنيّة راشدة استشرافاً لنهضة وطنيّة تتساكن فيها جميع الإثنيّات. فكيف له، والوضع على هذا الحال، أن يقدّم العون للمرأة بما من شأنه أن يجعلها تتحرّر من سيطرته! وبهذا جاء جماع جهد المرأة المتعلّمة فيما كان ينبغي أن يكون مشروعاً للأصالة والمعاصرة بوصفه توفيقة compromise شكلانيّة بين الحداثة والتّقليديّة انتهى بها الأمر إلى أن تكرّس من تقليديّتها في أجيالها اللاحقة، أي تلك التي تعاملت مع منجز التّعليم الحداثوي كمعطى، إذ لم تجد نفسها في مواجهة معركته الأولى. فقد رضيت المرأة المتعلّمة أن تشغل نفسها، وأن تقوم بجميع واجبات ومستلزمات المرأة غير المتعلّمة، بدءاً من الأعباء المنزليّة والتّربويّة وانتهاءً بالواجبات الجماليّة والاجتماعيّة. بجانب هذا أثقلت المرأة المتعلّمة كاهلها بأن زادت فوق هذا أعباء الحداثة من عمل مكتبي ومهني، ثمّ حركي ومنشطي يستهدف الاستنارة ونشر الحداثة في المجتمع، من جمعيّات واتّحادات.

على جسامة الجهد الجبّار الذي قامت به المرأة الرّائدة في سبيل الجمع بين هذه النّقائض، إلاّ أنّ النّتيجة لم تكن في صالحها. نعم كانت لها وظيفة لا تقلّ عن وظيفة زوجها، ولكن هذا مع كامل التزامها بالواجبات الأخرى من خدمة منزليّة وتربية أطفال ومواجبات اجتماعية وفق الطّريقة التّقليديّة، بينما كان الرّجل معفيّاً من كلّ هذا. لم تكن النّيجة لصالحها بسبب غياب أيّ مشروع حداثوي جيّد التّنظير به يمكنها أن تجمع بين الحداثة والمعاصرة. فقد كان جماع حداثويّتها يقوم على توفيقة خاسرة وفاشلة failed compromise. فبمرور الزّمن وتعاقب الأجيال وضعف روح الرّيادة الأولى، ظلّت المرأة المتعلّمة تتراجع عن الحداثة لتغرق في التّقليديّة. هذا في الوقت الذي ظلّت دائرة التّعليم تتّسع بطريقة تناقضيّة paradoxical لا تتساوق منطقيّاً مع هذا الوضع. ففي الجانب المهني يمكن ملاحظة كيف ثبّطت هذه المهامّ والواجبات في الغالب الأعمّ من همّتها المهنيّة الحداثويّة. إذ ليس أيسر من ملاحظة نكوص المرأة المتعلّمة في متواترها الغالب عن خطّ الحداثة الذي رادته الأمّهات الأوائل. فالفكرانيّة intellectuality في أوساطهنّ لا تزال متراجعة عمّا عليه الحال بين رصفائهنّ من الرّجال في دواوين العمل والنّشاط العام. هذا مع التّسليم بنكوصٍ موازٍ من جانب الرّجال في متواترهم الأعمّ، قياساً بما كان عليه حال الرّوّاد الأوائل، هذا بالرّغم من اتّساع دائرة التّعليم أيضاً. فمستوى الفكرانيّة بين المعدّل العام من خريجي المدارس الثّانويّة حتّى ستّينات القرن الماضي تتفوّق كمّاً ونوعاً عمّا عليه الحال الآن بالنّسبة إلى خرّيجي الجامعات، دع عنك خرّيجي الثّانويّات.

جرّاء هذا النّكوص الحداثوي ظللنا نشهد تواتر الحالات التي تنتهي فيها الفتاة المتعلّمة إلى مجرّد ربّة منزل. إذ ليس من الغريب أن تنحوَ المرأة المتعلّمة إلى تعليق تعليمها كلّه (شهادة التّخرّج) على جدار لمجرّد الزّينة والمباهاة، ومن ثمّ تلزم صحن بيتها كما لو لم تقرأ  حرفاً واحداً، فتتحوّل إلى مجرّد خادمة ومربّية مجّانيّة، ثمّ آلة للمضاجعة، غالباً غير مرغوب فيها من زوجها الذي ربّما كان زميل دراستها. وفي أفضل الأحوال، من حيث توفيقها حسب المعيار السّائد، تتحوّل إلى زوجة وإلى أنثى وفق المعيار التّقليدي للأنوثة، أي ناقصة عقلٍ ودين، وهي التي ربّما درست وتخرّجت في أكبر الجامعات. ومن ثمّ تفرد المرأةُ أشرعتها في بحر التّقليديّة في خاتمة مطافها، فلا يصبح لها همّ غير تسجيل النّقاط (في المأكل والملبس والأطفال وفي كلّ أشكال زخرف الحياة ومظاهرها) ضدّ صديقاتها اللائي ربّما كُنّ نفس زميلاتها في الجامعة أو العمل. ربّما كانت تحمل مؤهّلاً عالياً، وربّما كانت تقود أحدث سيّارة، وربّما كانت تسكن في قصر، وربّما كانت تقضي إجازاتِها في أوروبّا، وربّما كانت قمّة في الأناقة إذ تشتري ملابسها من أشهر المصمّمين وأغلى المحال، وربّما كان أطفالُها “أشطر” أطفال في المدرسة؛ ولكنّها، رغم كلّ هذا، تكون كأبعد ما تكون عن الحداثة؛ فحالُها كما يقول المثل العامّي العربي السّوداني: “قلم ما بزيل بلم”! لقد صعدت سُلّماً عالياً، صعباً وخطراً، كما لو للا لشيء إلاّ لتسقطَ منه، فواهاً لها بعد العُلى تتخلّفُ. وكلُّ هذا سببُه أنّها أرادت أن تشتري الحداثة 0التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة) دون أن تدفع فاتورتَها، أي دون أن تتحرّر من تقليديّتها بتجاوزها، كما لو كانت هذه التّقليديّة حقّاً مكتسباً يصعب التّخلّي عنه. فلا غَرْوَ أن تغلّبت عليها تقليديّتُها، إذ غلب الطّبعُ على التّطبّع، فالمرءُ قد لا يحتاج لأكثر من خمس دقائق ليكتشف أنّه بإزاء شخصيّة جاهلة تماماً، ولا علاقةَ لها بما ينبغي أن تعكسَه تلك الشّهادات المعلّقة بالجدار. لقد تغلّبت التّقليديّة المكرّسة عبر القرون على الحداثة “الحَدَثيّة”، العرضيّة، الزّائفة، أي “مقطوعة الطّاري”.

نحو مفهوم جديد للأنوثة والرّجولة

تتساوى المرأةُ مع الرّجل في عين ما تُعيّر به. فإذا كانت المرأة تقوم بتكييف وتركيز وعيها الأنثوي في الجسد، فهذا أيضاً ما عليه حال الرّجل. وإلاّ فيم النّزعة إلى التّأنّق والتّجمّل عند الرّجل التي أساسُها كيف يبدو في مظهره دون مخبره أو سريرته. وما مظهر الرّجل إلاّ جسدُه. ومع هذا قلّما تجد رجلاً يتأنّق ويتجمّل، متملّياً نفسَه أمام المرآة، بينما يتصوّر في ذهنه لحظة المجامعة الإخضاعيّة، إلاّ أن تكون لحظة استمناء مرضي، وهذا أبعد ما يكون عن الأناقة والجمال. وتكمن المفارقة في رفض الرّجل الاعتراف بأنّ هذا هو نفسه ما عليه المرأة في حال تأنُّقِها وتجمُّلِها، مهما زادت فيه وأفرطت.

من هنا نشأت جدليّة الإظهار والإخفاء لكلا جسدي المرأة والرّجل في سياق العلاقة النّوعيّة الجنسانيّة، وليس العمليّة الجنسيّة؛ فالجنسانيّة ما هي إلاّ وعي بالجسد النّوعي (أنثويّاً كان أم رجوليّاً) دونما فعل بالضّرورة، بينما العمليّة الجنسيّة ليست سوى فعل بالجسد، يبدأ بالجسد وغالباً ما ينكفئ عليه، في حال عجزه عن أن يتسامى بالانطلاق في شفافيّة الرّوح المطلقة. وعلى هذا يحتمل الوعي الجنساني مجموعة قيم جماليّة وأخلاقيّة عالية تتعلّق بالجسد من حيث هو قابل مادّي للجمال، ومن حيث هو منصّة انطلاق نحو الجمال المطلق. وهذا ما أعطانا جمال الفنون في تاريخ البشريّة. ويسبّب الخلط بينهما الكثير من المشاكل، كما يدلّ على انبهام الرّؤية، الأمر الذي يُفضي إلى الظّلم الغاشم للمرأة وذلك بتصويرها على أنّها مجرّد طاحونة للجنس ينبغي أن تدور إلى آخر لحظة من حياتها. بهذا يتمّ تجريد المرأة من إنسانيّتها.

إذن، هذا كلُّه يدخل في الوعي الجنساني النّوعي العام، مشتملاً على كلا الوعي الأنثوي والوعي الذّكوري. فما الذي يمكن أن يحقّق لنا توازناً نوعيّاً يقوم على العدالة واحترام الآخر النّوعي (تحديداً من جانب الرّجل إزاء المرأة)، ومن ثمّ النّظر إليها كإنسان، لا كطاحونة جنس؟ في رأينا أنّ هذا يمكن استشرافُه عبر تحقيق الاستقلاليّة التّامّة (في مستوى الوعي المباشر) بين الوعي الجنساني النّوعي (كلا الأنثوي والذّكوري) وبين العمليّة الجنسيّة، وذلك في مضمار جمالي واحد. أي أن ننظر إلى كلا الوعي الأنثوي والذّكوري (جسداً وروحاً) على أنّهما ينطويان على عمليّة جماليّة روحيّة ذات تجلّيات مادّيّة مستقلّة عن لحظة المجامعة التي بدورها ينبغي تحريرُها من خصائص الإخضاع الحيوانيّة. هذا من جانب، من الجانب الآخر، علينا أن نرتقي بالعمليّة الجنسيّة من حيوانيّتها إلى إنسانيّتها، وذلك كيما تصبح أرقى وسيلة للتّعبير عن العاطفة السّامية، ألا وهي الحبّ الاصطفائي الأوحد (تمييزاً له عن باقي أنواع الحب بالمعنى الإنساني الكبير). وتكمن جدليّة العمليّة الجنسيّة في ارتفاقها بالجسد استشرافاً لأفق الرّوح السّامية، حيث يمكن للإثنين (الرّجل والمرأة) أن يتجاوزا وعيهما النّوعي في لحظة مكثّفة، ليدخلا فضاءً إنسانيّاً هو نفسه عبارة عن منطقة وسطى عبرها يستشرفان عالم الرّوح المطلق. ويكون بدءُ هذه اللحظة الرّوحيّة بحدود الجسد ريثما يتمّ التّحرّر منه انطلاقاً في عالم الرّوح الشّفيف. في هذا نتّفق مع هيغل عندما اشترط في نظامه للعلم System of Science المنطق (أي القواعد)، ثمّ الطّبيعة (أي المادّة)، ثمّ الرّوح (وهو عنده يعني العقل أيضاً، أي ناتج تفاعل الإنسان مع الطّبيعة وفق القواعد التي تحكمها، الأمر الذي يجعلُنا قادرين على أن نتحرّر من المادّة استشرافاً للرّوح). وهذا أشبه بانطلاق وعي الإنسان من مادّيّة وجسديّة التّحديق في جسم مادّي صغير يتدلّى ويتأرجح أمام العين ريثما ينفصل عنه وعيُه المباشر ليدخل عالم الوعي الباطن في نوبة تنويم مغناطيسي. بهذا لا تصبح العمليّة الجنسيّة مجرّد فعل جسدي، ذلك طالما قمنا بإضفاء المشروعيّة على الوعي الجنساني المتوازن أنوثةً وذكورة، متصالحين مع الجسد وبتشريعه، لا بتعييره. عندها يكون هذا الوعي أساس العمليّة الجنسيّة، لتبدأ منه، فتعبر الجسد لتنطلق في عالم الرّوح. إذن، تحرير الجنس من رِبْقة الجسد تبدأ بتشريع الوعي الجنساني المتوازن، أي الذي يساوي بين النّوعين في الحقوق والواجبات، والإنسانيّة، ويتصالح مع جماليّة الجسد كمنصّة انطلاق للرّوح. عند هذا يكون الإنسان قد تحرّر من رِبْقة بنية الوعي التّناسلي من جانب، ومن رِبْقة بنية الوعي البرجوازي، مستشرفاً بذلك آفاق بنية الوعي الخلاّق وفق ما قال به الشّيخ محمّد الشّيخ (1987). حينها يتمّ التّحرّر من ربقة مفهوم الشّرف المادّي، أي المستند على الجسد، استشرافاً لفضاء الشّرف الأخلاقي، الجمالي، أي الذي يستند على قيمة الأخلاق والجمال دون الجسد.

ينطوي تحرير المرأة، كما قلنا أعلاه، على تحرير الرّجل. ولكن مناطّ التّحرّر هنا يعني المرأة بالدّرجة الأولى، وذلك باعتبار أنّها مهضومةٌ حقوقها. في هذا نرى أنّ المرأة يمكنها أن تفعل الكثير، ذلك لقناعتنا بأنّ المرأة، مطلق امرأة، يمكنها صنع الرّجل، بينما لا يستطيع الرّجل، مطلق رجل، أن يصنع المرأة، إلاّ استثناءً. فتحرّر المرأة من سجن الجسد، إذا كان ينبغي أن يمرّ عبر أنوثتَها، لا ينبغي له أن يمرّ عبر الوعي الأنثوي الغَنَجي المستند على براءة الطّفولة الخادعة وجميع موتيفات ثقافة ضعف المرأة النّفسي والجسدي وما تنطوي عليه من تكريس تثاقفي بما يمكن تسميته بالاستعداد الشّبقي الذي يتكرّس عبر قرون الاستعباد الجسدي. ألا تلحظون كيف قد ينفرّ قطاع عريض من الرّجال نفوراً كبيراً من المرأة فائقة التّعلّم، شديدة الثّقة بالنّفس، مهما فاق جمالُ جسدها الأخريات؟ هذا ما نريد للمرأة أن تنشأ فيه وعليه، دون أن يفتّ في عضُدِها انصراف الرّجال من هذه الشّاكلة، إذ لا خير لها فيهم. مع هذا نُريد من مثل هذه المرأة ألاّ تتماهى في معايير الثّقافة التّقليديّة التي قد تسمُها بانعدام الأنوثة، لا لشيء سوى ثقتها بنفسها.

مجتزأ من الفصل الرّابع من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان