د. جمعة كندة كومى  فى الحلقة الماضية إستعرضنا بشكل عام ملامح كتاب جديد صدر فىى أكتوبر 2013 باللغة الإنجليزية بعنوان: Sudan Divided, Continuing Conflict in a Contested State الكتاب صادر عن دار نشر "بلقريف ماكميلان" ،ببريطانيا. ساهم فى مادة الكتاب حوالى ثلاثة عشر كاتبا من عدة جنسيات ومن بينهم حوالى سبعة سودانيين، .

بينما قام بإعداد الكتاب كل من النرويجى قونار سوربو أستاذ علم أنثروبولوجيا الإجتماعية والمختص فى الدراسات، وزميله السودانى البروفسيور عبدالغفار محمد أحمد أستاذ علم الإجتماع بجامعة الخرطوم وأستاذ الدراسات التنموية بجامعة الأحفاد للبناتقلنا الكتاب هام للغاية ويتناول بالتحليل الموضوعى العميق الموضوعات الأساسية لأزمات السودان الحالية مثل بناء الدولة، تجربة الإسلام السياسى وإفرازاته، قضايا الإقتصاد السياسى، الثروه (البترول)، الهوية، الحدود والمناطق المتنازع عليه، والنزاعات فى الجنوب الجديد (دارفور، جبال النوبة، النيل الازرق) وشرق السودان. كل هذه الموضوعات تمت تلخيصها فى مقدمة رصينة تحت ستة عناوين جانبية. فى هذه الحلقة نتناول بنوع من التصرف الموضوع الأول تحت عنوان: “التنمية والنزاعات وبناء الدولة”.

يرى معدا الكتاب فى مقدمتهم الرصين أن هناك ظاهرتين مرتبطتين ظلتا تهيمنان على نمط التنمية طيلة فترة ما بعد الإستقلال. الأول هو المحاولات المتواصلة من قبل الصفوة والقلة المسيطرة على زمام الحكم فى السودان، على توحيد الناس والأقاليم حول الإسلام والعروبية كأيدولوجية ومؤشر لهوية السودان. لقد طبقت كل الحكومات الوطنية هذه السياسة مصحوبا بمركزية السلطة وإستخدام الدولة كأنما هى ضيعة خاصة بهذه الصفوة.

بينما يتعلق الموضوع الثانى بمقاومة الهامش لهذه السياسات المركزية، بالرغم من أن الكثير من صفوة الهامش ظلت متقاربة مع السلطة فى المركز، بغرض الحصول على مكاسب سياسية وأقتصادية. ولكن الأمر فى جنوب السودان كانت مغاير لذلك، حيث بدأوا فى بناء مشروع دولة مناهضة لتلك التى فى المركز بالخرطوم. النتيجة هى دخول السودان فى سلسلة من النزاعات والحروب والتى بدأت فى الجنوب قبل أن تنتقل إلى أقاليم أخرى، وظلت الحروب مستعرة فى هذه الأقاليم حتى الآن. والنتيجة الأوضح هو أنفصال جنوب السودان ربما إيذانا ببداية تفتت السودان! أما عملية تفتتها أكثر فهذا إحتمال مفتوح على مصراعيه فى ظل المعطيات الجارية على الساحة السياسية حاليا.

يقر الكتاب بأن عدم الإستقرار السياسى والنزاع الدائم بين المركز والهامش من جهة، وبين عناصر المسيطرة على مقاليد الحكم فى المركز نفسه هى مشكلات صاحبت السودان منذ إستقلاله. ومع ذلك يجب أن يتحمل النظام الإسلامى الحاكم منذ عام 1989المسؤلية الأكبر لحالة الإستقطاب السياسى والعنف السياسى المسيطر الآن على الحياة السياسية والعامة فى السودان.

وتشير مقدمة الكتاب إلى أن التنمية غير المتوازنة بين الأقاليم من جهة وبين المجموعات المختلفة من جهة أخرى، هى واحدة من عناصر المؤججة للنزاعات فى السودان. هى واحدة من ظواهر الإقتصاد الإستعمارى الذى ركز مشروعات التنمية فى وسط السودان حيث مشروع الجزيرة وغيرها والعاصمة القومية الخرطوم.  هذا النمط غير المتوازن فى التنمية لم يتم تغييرها، بل تم تعزيزها طيلة فترة ما بعد الإستعمار. لهذا فليس من المستغرب أن نرى العلاقة التلازمية بين الغبن التنموى والنزاعات من قبل الأقاليم المهمشة ضد المركز، حيث السلطة والثروة وفرض الذات والهوية.

بلغت عملية التنمية غير المتوازنة أوج قمتها فى السبعينات من القرن الماضى، وذلك عندما تحول الإقتصاد من زراعى إكتفائى إلى زراعى موجه نحو التصدير. عندها ظهرت الزراعة الآلية والتى توسعت على حساب إقتصادات المجتمعات الريفية، مستغلة أراضيها الغنية خاصة فى جنوب كردفان وجنوب دارفور والنيل الأزرق. هذه الأقاليم والتى تشعر بالغبن التنموى والتهميش السياسى والإقصاء الثقافى، تقع الآن فى حدود دولتى السودان بعد الإنفصال، وهى ذاتها التى تخوض حربا ضد المركز. لقد عمق قانون الأراضى غير المسجلة لعام 1970 غبن مجتمعات تلك المناطق، لأن هذا القانون لم يعترف بحقوق المجتمعات حول أراضيها وفق الأعراف والتقاليد التى تنظمها مؤسساتها الأهلية والتى تم إلغاؤها هى الأخرى. هذا يعنى أن عملية إسغلال الأراضى الريفية لتحديث الزراعة دون إدماج المجتمعات الريفية فى تلك العملية يعد واحدة من العوامل المباشرة التى الى أدت إلى تمرد المجتمعات المحلية على المركز، بعدما تم إفقارها بسبب فقدانها لأراضيها كمصدر سبل كسب عيشها.

بعد ذلك تدلف مقدمة الكتاب لتحليل كيفية إرتباط الأحزاب التقليدية – الأمة والإتحادى الديموقراطى –  بالدولة الإستعمارية وسيطرتها على مقاليد السلطة فى السودان بعد الإستقلال، وفى ذات الوقت إرتباطها دينيا بطائفتى الأنصار والختمية على التوالى.  لقد وضع جعفر نميرى حدا لهذه السيطرة عند وصوله للسلطة عبر إنقلاب قى 1969. بعدها بدأت التيار الإسلامى فى الصعود إلى أن وصل السلطة من خلال الجبهة القومية الإسلامية عبر أنقلاب آخر فى عام 1989. وهنا تم الإشارة إلى مقولة البروفسيور بيتر ودوارد بأن محدودية قدرة الحكومة المركزية منذ فترة الإستعمار جعلت السلطة المركزية فى السودان الحديث تعتمد على العلاقات العشائرية فى السيطرة على الدولة. وهذه المسألة أدت إلى نشوء منافسة حادة بين مختلف القوى السياسية فى السودان، وهذا بدوره شجع على الطائفية والقبلية والعشائرية فى العمل السياسى. عليه فى ظل وجود تنمية غير متوازنة مصحوبا بالتقسيمات المجتمعية الحادة، فإن أى فشل من الصفوة من إدارة الدولة بكفاءة يؤدى تلقائيا إلى نزاعات متعددة الأبعاد والنتائج. إن تقلبات الحكم فى السودان بين عسكرى وديموقراطى وإستمرار عدم الإستقرار السياسى هو إنعكاس لهذا الواقع الإجتماعى الإقتصادى الدينى.

فى ختام هذا الموضوع الأساسي فى مقدمة الكتاب، يشير معدا الكتاب إلى الدور المؤثر للدين فى الحياة السياسية فى السودان. ويتضح ذلك فى منطلقات معظم الأحزاب السياسية من قاعدة دينية من أجل إكتساب الشرعية،  وبالتالى كسب ود الناخبين وزعماء الطوائف والعشائر المختلفة. لهذا السبب فإن المنافسة السياسية فى السودان ليست بين الأحزاب ذات المنطلقات الإسلامية فحسب، بل هى أيضا بين الاحزاب الإسلامية فيما بينها. وبعد أن تم الإستشهاد برأى المزروعى يذهب معدا المقدمة بالقول أن الصفوة الإسلامية الحاكمة الآن هى إمتداد لتلك التى حكمت السودان وسيطرت عليه إجتماعيا وسياسيا وإقتصاديا منذ الإستقلال. نواصل