مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم مقاربات منهجيّة  نناقش في هذا الفصل موضوعة الفقه الإسلامي وتأرجحه ما بين الجمود والتّحرّر، وإشكالات استشرافه الحداثة بما يضمن توفيقه بين الأصالة والمعاصرة. ليس من هدفنا تقديم فقه حداثوي وإلاّ تحوّلنا إلى دعاة، ولسنا بذلك، حتّى لو أدّى ما نقوله إلى اختطاط شيء كهذا.

فأقصى ما نريد تقديمه، بجانب المناقشات، هو طرح تصوّرات احتماليّة لفقه حداثوي، ذلك بطرح هذه الاحتمالات كأسئلة بغية اختبار إمكانيّة قبولها. وفي هذا سوف نتّبع منهج أُلفة يوسف (2009)، ذلك برفع الأسئلة، ثمّ نزيد بأن نجعل هذه الأسئلة تتضمّن إجابات احتماليّة. لا بدّ بدءاً من أن نُشير إلى أنّ ما نعنيه بكلمة «حداثوي» لا تشمل كلّ أبعاد المصطلح. فمن حداثويّة ما نسعى إليه أنّ هذا الفقه، في حال تبلور أو لم يتبلور، ليس موجّهاً إلى عامّة النّاس، ذلك كونه يستهدف مجموعة بعينها دون جموع المسلمين إرسالاً وإطلاقاً، في سياق اجتماعي وثقافي بعينه. كما إنّه لا ينطلق من فرضيّة امتلاكه للحقيقة المطلقة؛ فالحقيقة التي يريد أن يعكسها، في سياق مرحلة ما بعد الحداثة، نسبيّة، لا تعني غير الذين يجدون أنفسهم فيه. بالنّسبة إلينا، المعنيّون بهذا الفقه ينحصرون في أولئك السّودانيّين المسلمين الذين لم يجدوا أنفسهم في الفقه التّقليدي.

نعني بالتّقليدي هنا جملة التّراث الإسلامي الموروث عن العصور السّابقة، وليس فقط ما تُعورف على تسميته بالفقه السّلفي، الأصولي المتشدّد. عليه، هناك تفريق بين ما نعنيه بالفقه التّقليدي وما نعنيه بالفقه السّلفي، الأصولي، كون الأوّل أعمّ وأشمل، فضلاً عن عدم سلفيّته أو أصوليّته بإطلاق. عليه، لا تكون التّقليديّة عندنا بشيء معيب، بل هي منصّتنا للانطلاق نحو الحداثة. ومع هذا، يمكن وصف الفقه في عمومه اليوم، حسبما ترفد بذلك التّجربة والواقع الإسلاميّين، بأنّه تقليديّ، كونه ينطلق من مسلّمات متّفق عليها، ولو كانت غير نقديّة، تنزّلت من ماضي المسلمين الأوائل، تسليماً بأنّ هذا ما كان عليه الأمر في زمن النّبيّ محمّد وصحابته. تمكّن هذا الفقه في زمانه من تقديم أفضل النّتائج فيما يتعلّق بالمسائل الشّائكة التي واجهتها تلك المجتمعات في العصور الأولى من الحضارة الإسلاميّة. وقد فعل ذلك في سياق أيديولوجي اجتماعي وثقافي بعينه، بما يشتمل ذلك على تحيّزات ومضادّات. كما لعب دوره على أكمل وجهٍ متاحٍ حينها، به وصلت الحضارة الإسلاميّة إلى شأو عالٍ. ولكن هذا الفقه أصابه الجمود والتّحجّر بأُخرةٍ حتّى استعصى عليه الواقع إدارةً وتدبيرا، دع عنك إنتاج الحياة وصنعها. عليه، نفرّق بين الفقه التّقليدي من جهة وبين الأصولية والسّلفيّة من جهةٍ أخرى.

 

الأصوليّة الإسلاميّة

برغم الاستخدام المتوسّع لمصطلح «الأصوليّة» إلاّ أنّنا نجد اختلافاً كبيراً بين الدّارسين والباحثين لدى تعريفه، وهو أمر خارج عن حدود كتابنا هذا. والأمر كهذا، لا مناص من أن نتطرّق للأمر من بعض زواياه. سوف نستعرض أدناه تعريفاً للأصوليّة قمنا باستخلاصه من عبد الوهاب المؤدّب (2002). تقوم الأصوليّة الإسلاميّة عند المؤدّب على مثلّث رأسه عند أحمد بن حنبل (780م ــــ 855م) وزاويته اليمنى هي تقيّ الدّين بن تيمية (1263م ــــ 1330م)، بينما زاويته اليسرى هي محمّد بن عبد الوهاب (1703م ــــ 1791م). لفهم الأصوليّة الإسلاميّة عند المؤدّب، علينا أن نستعرض ملامح التّيّارات التّنويريّة في الفكر الإسلامي وكيف تمّ إجهاضها، الأمر الذي أدّى إلى بروز الأصوليّة بزواياها الثّلاث. تبدأ الإشراقات التّنويريّة في الإسلام بحركة المعتزلة (ما بين 699م إلى 749م) التي سعت إلى تحرير الفهم الدّيني من المسلّمات غير النّقديّة. إلاّ أنّ حركة المعتزلة انهزمت من داخلها عندما عمدوا إلى «… فرض وجهة نظرهم بأساليب العنف الأكثر أذىً بالوسائل المتوافرة للطّاغية الشّرقي [أي الحاكم] …» (عبد الوهاب المؤدّب، 2002: 21-29). وقد كانت هذه الانتكاسة سبباً في خسوف شمس الاستنارة والتّنوير لفترة طويلة لا يتلمّس المؤدّب ضوءاً في نهاية نفقها إلاّ مع حركة أبي الوليد محمّد بن رشد (1126م – 1198م). فقد أتاح فكر ابن رشد درجة سامية من التسامح الدّيني والإثني والاعتراف بالآخر ثمّ الانفتاح على الثّقافات والمعتقدات الأخرى مقابل الاستغلاق الدّيني والثّقافي والخشية من ضياع الهوية والعقيدة في حال الانفتاح. كما فتح ابن رشد آفاقاً واسعة وكبيرة لتحرّر المرأة ومساواتها بالرّجل، تأسيساً على رؤى أفلاطون في جمهوريّته. ضاعت جميع هذه الجهود ولم يكن لها دور تحوّلي في واقعنا المعاصر، ولا غرو أن لم يكن لها أثر في حياة الفيلسوف ابن رشد نفسه (المرجع السّابق: 42-44). كما ضاعت على الثّقافة الإسلاميّة المعاصرة فرصة التّأسّي في مجال الاستنارة والانفتاح وعدم التّعصّب بمفكّر آخر ممّن يمكن أن يطلق عليهم مسمّى رجل قلم وسيف، ألا وهو الأمير عبد القادر الجزائري (1808م ــــ 1883م) الذي تسامى على هزيمته الفنّيّة في معاركه ضدّ القوى الاستعماريّة، كونه انتصر في معركة القيم والفكر ثمّ التّسامح الدّيني والإثني والانفتاح الثّقافي مع التّمسّك بالتّراث الإسلامي (نفسه: 17-19).

بعد هذا ينتقل المؤدّب لتفصيل تطوّر الأصوليّة التي بدأت بتقيّد أحمد بن حنبل الحرفي بالنّص القرّآني في مواجهته لتأويلات المعتزلة (نفسه: 59). انتقل هذا التّيّار الحرفي عبر عدة علماء وأجيال إلى أن بلغ غايته عند تقيّ الدّين بن تيمية الذي عمد إلى تنقية الإسلام من كلّ ما تثاقف معه من أفكار وفلسفات عتيقة ومعاصرة ليخلص إلى تجديد المجتمع المسلم (الرّعيّة) الذي لا يقوم له أمر إلاّ بانصلاح حال الحاكم (الرّاعي) في ظلّ حكم يستهدي بهدي الله المتمثّل في القرآن والسّنّة (السّياسة الشّرعيّة). فابن تيمية يجعل من تطبيق الشّريعة، بوصفها أحكاماً جزائيّة، الأساس للحكم. وقد بلغ ابن تيمية بالمذهب الأصولي غايته عندما اشترط أمرين لا ثالث لهما بخصوص الشّعب (الرّعيّة) والحاكم (الرّاعي)، أي كلّ ما يتعلّق بالعبادة من جانب ثم بالدّولة والسّياسة من جانب آخر: الأوّل عندما جعل تطبيق الشّريعة خطّاً إلهيّاً أحمر لا يملك معه الحاكم (الرّاعي) شيئاً غير التّطبيق الحرفي أو باء بالكفر ومفارقة الشّرع، هذا ولو دفعه هذا الأمر إلى حمل المجتمع (الرّعيّة) حملاً للإذعان. أمّا الثّاني فعندما جعل الجهاد (بفهم قتل غير المسلمين حتّى يسلموا أو يدفعوا الجزية صاغرين) شرطاً لازماً لصحّة الاعتقاد على مستوى الفرد والجماعة (الرّعيّة) وعلى مستوى الحاكم (الرّاعي) وعلى مستوى الدّولة (السّياسة). إذ يبدو ابن تيمية بموقفه هذا كما لو ساوى ما بين الجهاد وباقي الأركان الأربعة للإسلام (الشّهادة، الصّوم، والزّكاة، والحجّ). بهذا يؤسّس ابن تيمية فقهيّاً لثقافة عدم التّسامح الدّيني بين المسلمين إزاء غيرهم وإزاء من يخالفهم من بين المسلمين أنفسهم (نفسه: 65). وهكذا جعل ابن تيمية مهمّة الدّولة تطبيق الدّين على وجهٍ بعينه ليس ما عداه بصحيح؛ كما يجعل محاربة غير المسلمين إحدى شروط الإسلام الصّحيحة التي ينبغي على الحاكم أن يحمل كلا الشّعب والدّولة على إنفاذها بغير تسامح. يقول المؤدّب تعليقاً على هذا: «وهكذا نتبيّن إلى أيّ درجة كان هذا التّلازم الجوهري بين السّياسي والدّيني … من وضع فقيه تحوّل إلى مجاهد» (نفسه: 66).

يقدّم المؤدّب، نقلاً عن كتاب تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار للرّحّالة الأندلسي محمّد بن عبدالله بن بَـطُّوطَة (1304م ـــــ 1377م)، صورة عن حجم التجسيم الشّكلاني في فكر ابن تيمية. فقد حكى ابن بطوطة أنّه عندما كان بدمشق حضر خطبةً لابن تيمية  قال فيها الأخير: «’إنّ الله ينزل إلى سماء الدّنيا كنزولي هذا‘، ونزل درجةً من درجة المنبر» (مقتبساً في المؤدّب، 2002:  69). كما يورد بعد ذلك وصف ابن بطوطة لشخصيّة ابن تيمية بقوله: «وكان بدمشق من كبار الفقهاء الجنابلة تقيّ الدّين بن تيمية، كبير الشّام يتكلّم في الفنون، إلاّ أنّ في عقله شيئاً» (المرجع السّابق: 68).

ينتقل المؤدّب، استناداً على ما رواه ابن بطوطة من التفاف العامّة بابن تيمية واستعدادهم للتّنكيل بأيّ عالم يخالف الرّأي حتّى لو كان حنبليّاً، إلى الزّاوية الثّالثة في مثلّثه، ألا وهي محمّد بن عبد الوهّاب. يقول المؤدّب: «إنّ شهادة من هذا النّوع [أي تلك التي قدّمها ابن بطوطة في حقّ ابن تيمية] … تكشف لنا عن صورة عالم دين محرّض ومتحمّس، يحرّك الجماهير ويُثير حفيظة زملائه من أهل العلم والسّنّة، بل حتّى الحنابلة المنتمين إلى مذهبه الفقهي. وقد أعيت مواقفه وتحريضاته السّلطة السّياسيّة، فهو يمثّل صوتاً عقائديّاً يزعج السّلطات دون أن يحظى بإجماع العلماء. لكنّه في المقابل نال ’إعجاب الجماهير‘ التي تألف التّبسيط وتفضّل الالتزام بظاهر الرّسالة دون بذل أيّ جهد في القراءة والتّأويل. هذا هو صوت الرّقيب المهرّج الدّاعي إلى الغوغاء والعنف الذي سيُعثر على صداه بعد قرون في أولئك الذين أضرموا نار الأصوليّة وفي مقدّمهم مؤسّس العقيدة الوهّابيّة» (نفسه). بمراجعة أشهر كتب محمّد عبد الوهّاب (التّوحيد)، يخلص المؤدّب إلى أنّنا «نكتشف أنّه مجرّد ناسخ لا يملك أيّ ذرّة تجديد، وهو ما لا يستحقّ معه أن يعتبر مفكّراً. فالكتاب … يبيّن أنّ كاتبه ناقل أكثر منه مبدع»  (نفسه: 72). بعد هذا يلخّص لنا المؤدّب الأطوار التي تنقّلت عبرها الأصوليّة باعتبار قادتها الثلاثة الأساسيّين: «فهي انتقلت من التّساهل النّسبي مع ابن حنبل إلى الانتقاد الجذري النّظري في جميع الأحوال من جانب ابن تيمية، ووصولاً إلى استخدام العنف وهدم الأضرحة العريقة على يد أصحاب ابن عبد الوهّاب» (نفسه: 97). هذه هي نفسها الأصوليّة التي حرمت حركة طالبان من أيّ تسامح لدرجة تفجير تماثيل بوذا التّاريخيّة في منطقة باميان بهزارستان (أفغانستان) في مارس 2001م.

هذا الفهم، بصفته العامّة، نتّفق معه ويمكن أن نتبنّاه في استخدامنا لمصطلح «الأصوليّة» فيما يتعلّق بالسّلوك الفكري والسّياسي والثّقافي العامّ والخاصّ، الجماعي والفردي الذي لا يعرف التّسامح مع الآخر تقيّداً منه بالنّصوص في حرفيّتها الطّاهريّة. هذا وإن رأى بعض الباحثين، منهم عبدالله النّعيم (2006)، الإحجام عن تسمية هذا السّلوك الفقهي والحركي بالأصولي، مفضّلاً إسباغ هذه التّسمية على جميع المناظير الدّينيّة بالأصالة. من جانبنا، نختلف معه في إبقائنا لكلا مصطلحي «الفقه السّلفي» و «الفقه الأصولي»، إذ نستعمل أيّاً منهما، أو كليهما، كونه يزعم اتّباع ما جاء به السّلف حذو النّعل. كما يجوز أن نطلق عليه مسمّى «الفقه أو الحركات المستغلقة»، كونها تعجز عن الخروج من دائرة ذاتها لتنظر إلى الواقع بتجرّد وواقعيّة، كونها مستغرقة في تصوّراتها الرّومانسيّة للدّين وللمجتمع؛ هذا مع ما يُعرف عنها من تكالب غير ديني على متع الدّنيا المادّيّة، فهذا التّكالب في حدّ ذاته قد يشي باستغلاقها. إلاّ أنّنا، مع هذا، سوف نختطّ لنا فهماً آخر لمصطلح الأصوليّة هو ما نُطلق عليه «الأصوليّة الفقهيّة» وهو ما سنشرحه أدناه.

 

الأصوليّة الفقهيّة

تعني الأصوليّة عندنا الانطلاق من فهم مؤدّاه أنّه هو الفهم الصّحيح للدّين الذي ينبغي التّمسّك به، ومن ثمّ العمل على إحيائه وإحلاله مكان الفهم الخاطيء القائم. بهذا لا ينكفئ فهمنا للأصوليّة على الحركات السّلفيّة المعروفة فحسب، بل يشمل غالب الحركات المضادّة لها التي انطلقت لتصحيحها معتقدةً في نفسها الحداثة وما هي بحداثويّة. فقد قامت محاولات كثيرة وجادّة خلال القرنين التّاسع عشر والعشرين، ولا تزال مستمرّة خلال هذا القرن الحادي والعشرين، لتحرير الفقه من تحجّره. ولكن عانت هذه الدّعوات من خلل منهجي أساسي يعود إلى انطلاقها من مسلّمة تقول بأنّ ما عليه واقع الحال، أي عين الجمود والتّحجّر الفقهي الذي يسعون إلى تغييره، ليس شيئاً أصيلاً في الدّين، بل هو ناتج عن فهم خاطيء لأصل الدّين. هؤلاء، في رأينا، قد وقعوا في نفس شرك ما يُطلقون عليه «الأصوليّة»، أي الاعتقاد بأنّ هناك أصلاً واضحاً حاد عنه النّاس وعجزوا عن استكناه ما فيه من جمال، فانتهوا إلى فهم يظنّونه الإسلام الحقّ وما هو بالحقّ. فجميع الدّعوات التي ظهرت خلال المدّة المشار إليها أعلاه، وقعت في هذا. فمحمّد عبده يقول: «مقصد الجميع ينحصر في استعمال ثقة المسلم بدينه في تقييم شئونه، ويمكن أن يُقال إنّ الغرض الذي يرمي إليه جميعهم إنّما هو تصحيح الاعتقاد، وإزالة ما طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدّين، حتّى إذا سلمت العقائد من البدع، تبعتها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامت أحوال الأفراد، واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقيّة، دينيّة ودنيويّة، وتهذّبت اخلاقهم بالملكات السّليمة، وسرى الصّلاح منهم إلى الأمّة» (محمد عبده، 1983: 103). فهذا قول يمكن أن ينطلق منه السّلفي المتشدّد، بمثل ما ينطلق منه الحداثويّ الأصولي، كونهما يتّفقان بالتّالي على مقدّمة تنهض على منطق واحد مؤدّاه أنّ هناك صيغة صحيحة للدّين ينبغي أن يعمل النّاس على استحضارها في حياتهم. فمثلاً، إذا أخذنا مسألة الحجاب التي تشكّل جانباً محوريّاً في قضيّة خطيرة مثل تحرير المرأة، نجد الذين يخوضون غمار معركتها ينطلقون من أنّ الحجاب العميم ليس من الإسلام في شيءٍ، ولذا وجب تركه. هذا الموقف ينطبق عليهم جميعاً من قاسم أمين إلى محمّد سعيد العشماوي وما بينهما. فمثلاً، يقول قاسم أمين عن تأسيساته النّظريّة بخصوص الحجاب (قاسم أمين، 1899: 72): «لو أنّ في الشرّيعة الإسلاميّة نصوصاً تقضي بالحجاب، على ما هو معروف الآن عند بعض المسلمين، لوجب عليّ اجتناب البحث فيه، ولما كتبت حرفاً يخالف تلك النّصوص مهما كانت مضرّة في ظاهر الأمر، لأنّ الأوامر الإلهيّة يجب الإذعان لها بدون بحث ولا مناقشة. لكننّا لا نجد نصّاً في الشّريعة يوجب الحجاب على هذه الطّريقة المعهودة، وإنّما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدّين كسائر العادات الضّارة التي تمكّنت في النّاس باسم الدّين والدّين براء منها». فهو هنا يقيم مناقشاته أساساً على بطلان الحجاب من ناحية سلفيّة بحتة، أي باتّباع سلف الأمّة من قبيل جيل الخلفاء الرّاشدين. وهذا نفسه ما يذهب إليه الآخرون (انظر محمّد سعيد العشماوي، 2002). وليس هذا بتجديدٍ للفقه، بل هو مجرّد فقه مضاد للفقه الآخر عبر منهج السّلفيّة والأصوليّة نفسه، أي بإثبات أنّ الموقف الجديد هو الأرسخ في سلفيّته وأصوليّته مقابل مفارقة الأوّل المتشدّد لهذه السّلفيّة. ويكمن الفرق في أنّ الاتّجاه الجديد يقيم مناقشته على أساس أنّ السّلفيّة والأصوليّة التي يقول بها سمحاء، مقابل الإفراط والاشتطاط في تشدّد التّيّار الآخر السّائد. ويكمن انهزام هذه الحداثة في أنّها تكرّس من الفقه السّلفي، الأصولي، المتشدّد في الوقت الذي تعتقد أنّها تناهضه.

في المقابل، نلاحظ أنّ الطّاهر الحدّاد يقف في هذا كحالة فريدة وشاذّة. فالطّاهر الحدّاد (2012 ــــ صدرت طبعته الأولى عام 1930) يقطع المسافة حثيثاً وبلا تردّد أو وجل ما بين محكوميّة النّصّ ومفارقة الواقع له ليصل إلى جملة من الآراء الحداثويّة التي لا تفارق روح الإسلام ولو فارقت أحكامه المتّفق عليها في الفقه التّقليدي. من ذلك نظرته أنّ في الإسلام أحكاماً جوهريّة لا تقبل التّغيير وأخرى عرضيّة قابلة للتّغير مع جواز الاختلاف معها ولو كان هناك نصّ. وهكذا نرى أنّه بجانب براح التّأويل، لا يتهيّب النّصّ إذ يعرض له بحكمٍ يبدو كما لو لا خلاف فيه. وهكذا يخرج لنا الطّاهر الحدّاد بجملة من الفتاوى التي يمكن النّظر إليها بوصفها فقهاً إسلاميّاً حداثويّاً. ففي فقهه الحداثوي، نرى، على سبيل المثال، أنّ المرأة تنال كامل حقوقها المتساوية مع الرّجل في الزّواج والميراث والحكم إلخ (لمزيد من التفاصيل حول حداثويّة فتاوى الطّاهر الحدّاد، يرجى مراجعة الفصل التّالي المعنون الشّريعة في ظلّ الفقه الحداثوي من كتابنا هذا).

لكلّ هذا ترانا لا نستخدم في مقاربتنا للفقه الحداثوي مصطلح «أصول الفقه»، ذلك لأنّ هذا الفقه ليست له أصول، بل أسس وضعها من يؤمنون بأنّه يحلّ لهم مشاكلهم.

 

الفقه والمصلحة العامّة

في هذا الصّدد نقول إنّ الغرض من الفقه، مطلق فقه، هو تحقيق مصلحة الجماعة من خلال الإطار الأخلاقي الجمالي عندها، وهو إطار يتحدّد في غالب المجتمعات بالدّين. ولكن هذه العمليّة هي في حدّ ذاتها ثقافيّة، بمعنى أنّ تبلور أيّ فقه وفق أيّ موجّهات دينيّة، أخلاقيّة، عامّة كانت أم محدّدة، تأخذ شكلها الثّقافي المتعيّن حال تبلورها. وإنّما بهذا تكتسب قالبها السّلوكي الذي عبره يمكنها أن تسافر في الزّمان والمكان، فتنتقل من مكان إلى آخر، فتدخل في عمليّة السّيرورة، وربّما تجاوزت عمرها الافتراضي. وفي فعلها هذا تشتبك مع النّصوص الدّينيّة عبر استقرائها الزّمكاني إيّاه بحيث تبدو كما لو كانت النّصوص قد أُنزلت خصّيصاً لبلورة ذلك القالب السّلوكي في ذاته. وهذا هو أسّ التّحجّر والتّكلّس الفقهي وجموده. فعندما يقوم السّلفيّون بفهم الآيات: ﴿وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهنّ ويحفظن فروجَهنّ ولا يُبدين زينتَهنّ إلاّ ما ظهر منها وليضربن بخُمُرِهُنّ على جيوبِهُنّ ولا يُبدين زينتَهُنّ إلاّ لبعولتِهنّ أو آبائهنّ أو آباء بعولتهنّ أو أبنائهنّ أو أبناء بعولتهنّ أو إخوانِهنّ أو بني إخوانِهنّ أو بني أخَواتِهنّ أو نسائهنّ أو ما ملكت أيمانُهنّ أو التّابعين من غير أولي الإربةِ من الرّجال أو الطّفل الذين لم يظهروا على عورات النّساءِ ولا يضربن بأرجلهنّ ليُعلمَ ما يُخفين من زينتِهِنّ وتوبوا إلى الله جميعاً أيّها المؤمنون لعلّكم تُفلحون﴾ [النّور: 31]، على أنّها تعني ما قاله ابن كثير في تفسيره (1997، مج 3: 287-290 ــ وهو التّفسير الموجب تقليديّاً للحجاب)، وهو ما يتعارض مع جميع ما ذهب إليه أمثال قاسم أمين ومحمّد سعيد العشماوي، متّفقاً مع رأي السّلفيّين، الأصوليّين المتشدّدين، فهذا يعني شيئاً جدّ خطير في حال جاء هذا التّفسير في سياق فهم فقهي متكامل. ففي هذه الحالة لن ينفع أيّ تفسير جديد مغاير طالما لم يأتِ التّفسير الجديد في إطار خطاب فقهي جديد متكامل. إنّما لهذا نجحت الصّوفيّة في إنفاذ خطابها، بخاصّةٍ ما يتعارض منه مع الخطاب السّنّي السّلفي، ذلك أنّه يتمّ تقديمه من خلال تصوّر متكامل. وهذا بالضّبط ما نجحت فيه حركات دينيّة كثيرة بدأت في أوّل أمرها كتيّار جديد في الفكر الإسلامي، ثمّ لم تلبث أن تطوّرت إلى مذهب متكامل، ومنها ما لم يقف عند هذا، بل ظلّ يؤسّس لاختلافه حتّى برز في نهاية مطافه كدين جديد تطوّر عن الإسلام (مثل البابيّة وبعدها البهائيّة). وقد نجحت هذه الحركات الجديدة، وكذلك هذه الأديان الجديدة، في جذب الجماهير المقدّرة لها.

لهذا ينبغي أن يقوم الفقه الحداثوي كخطاب متكامل في فضاء نسبي، وليس مجرّد ترقيعات للفقه السّلفي، الأصولي الإطلاقي الذي لا يعرف النّسبيّة في أحكامه. وأوّل علائم هذا الخطاب هو أسس استقراء واحتكام جديدة للنّصوص بغية إرساء فهم جديد مغاير لذلك القديم في بنيته التّحتيّة. أيّ أن يتبلور تأويل جديد للقرآن، ومعايير جديدة لصحائح السّنّة ومحكوميّتها، ومن ثمّ أسس (وليس ’أصول‘) جديدة للفقه والعقائد والعبادات. كلّ هذا بحيث يتبلور خطاب فقهي جديد موجّه إلى مجموعة متعيّنة زماناً ومكاناً في فضاء نسبي، به ينماز المنتمي إليه من ذلك الذي لا ينتمي إليه، فإذا قرأ الثّاني آيةً بعينها، محمّلاً إيّاها دلالة بعينها، اتّفق معه الأوّل في نصّها دون معناها، محمّلاً إيّاها دلالةً مباينة، ليس من قبيل الاختلاف في التّفسير، بل من باب الاختلاف الفقهي بما يُفضي إلى اختلاف عقدي. فبدلاً من أن نبذل الجهد الجهيد في مغالطة السّلفيّين، الأصوليّين، في فهمهم لمدلولات الآيات والأحاديث، تركناهم في تفاسيرهم يفرحون بما لديهم ويسعدون، ثمّ تجاوزنا ذلك كلّه إلى فهمنا الذي استقرّ رأينا عليه، من باب أنّ لهم مذهبهم ولنا مذهبُنا وهما جدّ مختلفين.

 

الحاجة إلى فقه حداثوي

أصبحت الحاجّة إلى تحديث الفقه اليوم ماسّةً يلمسها كلّ مسلم حتّى إذا لم يكتسب المسلمون وعياً واضحاً بها. فحقيقة تخلّف المسلمين تقف شاهداً ودليلاً على حاجتهم الماسّة لتحديث الفقه بغية الانطلاق نحو تحقيق ذواتهم. فعلى كبر ضلالة السّلفيّين الأصوليّين، لم يصدقوا في شيءٍ بمثلما صدقوا في قناعتهم بأنّه ما من سبيل لنهضة المسلمين إلاّ باستصحاب ضميرهم، ولا ضمير للشّعوب بمعزلٍ عن الدّين. وتكمن ضلالتهم في أنّهم ذهبوا إلى أنّ هذه النّهضة لن تتحقّق إلاّ بالرّجوع إلى الوراء لتمثّل عصور أولى بعينها ذهب بهم الوهم إلى أنّها ما يجب وينبغي للبشريّة أن تواظب على إعادة إنتاجها بوصفها خير ما شهدته البشريّة، ولا حينة رُجعى. وبهذا لم يفعلوا شيئاً بخلاف التّحوصل في تصوّرات ذهنيّة لعصور سابقة لا تتطابق بالضّرورة مع ما تصوّروه، كما لم يعد في مقدور العصر أن ينحشر في قشرة بيضتها دون أن تتداعى وتتشظّى. أمّا مكمن الضّرورة في تحديث الفقه فيعود إلى أنّ الفقه التّقليدي، السّلفي الأصولي منه بخاصّةٍ، لم يعد صالحاً لهذا العصر فحسب، بل أصبح ذا مردود مضادّ في الشّعوب المسلمة كونه يدفع بها إلى مجانبة روح العصر من حيث القدرة على إنتاج الحياة، مع قدرة فذّة في الاستمتاع بمنتجات العصر تبلغ درجة تفارق ذات روح التّديّن الصّوري الذي يتلبّسونه. فضلاً عن هذا، أصبح واضحاً أنّ الفقه التّقليدي يعمل في صلب تأسيساته الأخلاقيّة والتّشريعيّة على تفتيت مؤسّسة الدّولة الحديثة، ولا غرو في هذا، إذ لا قبلَ له بمفهوم الدّولة ذات السّلطات الثّلاث المنفصلة، القائمة على قيم الدّيموقراطيّة، وحقوق المواطنة المتساوية وحقوق الإنسان. ويقف انفصال جنوب السّودان كحالة ماثلة لما نقول. كما تقف تجربة تنظيم القاعدة الذي لا يتجاوز مؤسّسة الدّولة فحسب، بل يعمل بكلّ ما يملك من أفكار سلفيّة، أصوليّة، على تفكيكها بالعمل من خارجها أوّلاً، ثمّ باستهدافها في عين استفرادها بحقّ القوّة المادّيّة القسريّة، شاهداً لما نقول. إزاء كلّ هذا الضّرر الذي يلحق بالمسلمين وبغير المسلمين، اشتدّ الطّلب لمراجعة المسألة بشجاعة وشفافيّة، ثمّ بأخلاقيّة فكريّة بنّاءة، غير هدّامة.

 

أسس الفقه الحداثوي

أدناه قد نستخدم مصطلح «أصول»، ذلك طالما كنا نقوم باستعراض ملامح ومعالم الفقه التّقليدي الموروث، مع وجوب الحذر في إسباغه على مراجعاتنا. فيما يتعلّق بأصول الفقه المرعيّة في تحكيم الشّريعة، يذهب الإمام الطّوفي إلى أنّها تسعة عشر أصلاً في مجموعها، وفق ما تواتر عنها في زمنه: «اعلم أنّ أدلّة الشّرع تسعة عشر باباً بالاستقراء لا يوجد غيرها، أوّلها: الكتاب؛ وثانيها: السّنّة؛ وثالثها: إجماع الأمّة؛ ورابعها: إجماع أهل المدينة؛ وخامسها: القياس؛ وسادسها: قول الصّحابي؛ وسابعها: المصلحة المرسلة؛ وثامنها: الاستصحاب؛ وتاسعها: البراءة الأصليّة؛ وعاشرها: العادات؛ الحادي عشر: الاستقراء؛ الثّاني عشر: سدّ الذّرائع؛ الثّالث عشر: الاستدلال؛ الرّابع عشر: الاستحسان؛ الخامس عشر: الأخذ بالأخفّ؛ السّادس عشر: العصمة؛ السّابع عشر: إجماع أهل الكوفة؛ الثّامن عشر: إجماع العِترة عند الشّيعة؛ التّاسع عشر: إجماع الخلفاء الأربعة. وبعضها متّفق عليه، وبعضها مختلف فيه. ومعرفة حدودها ورسومها، والكشف عن حقائقها، وتفاصيل أحكامها مذكور في أصول الفقه» (الطوفي، 1993: 13-18). ثمّ يخلص إلى أنّ أقواها النّصّ (قرآنأ وسنّةً) ثمّ الإجماع. ولكنّه، مع كلّ هذا، يذهب إلى تغليب المصلحة على النّصّ، قرآناً وسنّةً وإجماعاً، إذا اقتضى الحال (المرجع السّابق: 23-24). من الواضح أنّ هناك أصولاً لا يمكن الاعتماد عليها الآن، كونها محكومة بزمنها فحسب، مثل إجماع أهل المدينة، وأهل الكوفة، ثمّ إجماع الأمّة. هذا إلاّ باعتبار أنّ ما وصلوا إليه في زمنهم ملزم لنا قطعاً لا نتجاوزه ديناً. وهذا ممّا لا يقول به أحد. أو أن يتمّ تأويل الإجماع ليعني مفهوم تركيز الإرادة العامّة عبر التّمثيل البرلماني الحديث. أمّا إجماع الخلفاء الرّاشدين، فمختلفٌ فيه بحكم عدم الاتّفاق في الرّواية من جانب، وبعدم حجّيّة إلزام عصر لعصر مختلف من جانب آخر.

بهذا الفهم لا يختلف التّشريع، مطلق تشريع، في أيّ عصرٍ من العصور، وبخاصّةٍ في عصرنا الرّاهن عن هذه الأصول، باستثناء الأصول الموقوفة على الاعتقاد، مثل الكتاب والسّنّة والعصمة، وإجماع الخلفاء الرّاشدين. وعليه، بموجب مذهب الطّوفي، لا يبقى من حرج في تجاوز أيٍّ منها. بهذا لا يختلف التّشريع الإسلامي وأصول فقهه عن أيّ تشريع آخر على وجه الأرض وعبر التّاريخ. فجميعُها كان يتحرّى المصلحة، معتمداً في ذلك على الحسّ العام السّليم. وبهذا يمكن أن يتمّ تحرير الشّريعة الإسلاميّة، دون اطّراحها، كونها مخزوناً فقهيّاً، ثراًّ وغنيّاً بالتّجارب الماضية المرصودة جيّداً، نظريّاً وعمليّاً، فضلاً عن تبلورها في فضاء ديني اعتقادي، وهو ما يجعل منها ذات ارتباط روحي ونفسي. فالتّشريع علماني في جوهره كونه يتعلّق بإنفاذ الدّولة له.