"في عزة جبالك ترك الشموس" بقلم عبد الغني كرم الله (1) دجاجي يلقط الحب، ويجري وهو فرحانا كأن عيونه خرز، لها في الشمس ألوانا من الصف الثاني ابتدائي، أنسل صوت كورال جماعي، فصل شيد من طوب أحمر، قديم ومتين، أيام كان للإحسان نورا، في كل مهنة، وحرفة، فصل مستطيل، علته بعض أعشاب نجيلة، وسعدة، عند الأساس،

واتكأت عليه بعض نخلات عجوزة، كأن سعفها يصغى هو الأخر، لهذا النشيد الطفولي، البارع، فظل السعف يمسد الحائط برفق، حينا، من طرب  السماع، وحينا يلطم الشبابيك، في عتاب، بشعر أخضر، غزير،  وقد هزه اللحن الشجي، مثل شبال فتاة لفتى كريم، وظل النشيد يملأ حمى المدرسة، وسماء القرية،  أجمل ما يكون، فيتساقط البلح، من النخلة العجوز، حلوا  وكأن جذر النخلة كان في سعفها، وليس في رحم الأرض الطيبة، وقد شربت اللحن، فأرتوت بالسكر، والحليب والعسل، من أعلى ومن أسفل، وأما النشيد، فقد فاح في القرية، بركة، وأملا، وسحرا..

ولي ديك له صوت، جميل اللحن رنانا

وعند الفجر يوقظنا، وطول اليوم فرحانا..

ثلاثون فتى، في جلاليب دمور، يرتلون هذا النشيد، في فصل طيني بسيط في قرية صواردة، الجاثية على النيل، بركة وشكرا، فصل ذي شبابيك خضراء، متأكلة، وكل من يمر قرب المدرسة، من الفلاحين والرعاة، لاشك يميز صوت ابنه، أو حفيده، أو أبن أخته، فتقر عينه، فيغمز بعرقوبه بطن حماره رضا، وحثا لها، كي تسرع، للحقل، والغد الطيب، ونشيد الأطفال لم يزل يلاحقه، كنشيد صبية يثرب، لليتيم الاعظم،  “جئت شرفت المدينة، مرحبا يا خير داع”، ولكن بينهم صوت فريد من هذه الجوقة، صوت مميز بينهم، يشجي القرية، صوت يلمع، كالخرز في ضوء الشمس ما بين نبرات الصبيان، حنجرة كصوت ذلك الديك الجميل في القصيدة، أنه الفتى الصغير، اليتيم، بالصف الثاني ابتدائي التلميذ محمد ود عثمان وردي، فيهمس الفلاح وهو على ظهر حماره، رحم الله عمي أوثمان وردي، وجعل ابنه (مهمد)، قرة عين، فسمعت الملائكة، والنخيل، والنهر، والسماء دعوة فلاح محنن بالطين، ومعطر بالطمي، خشن اليد، لين الفؤاد، فلبت كلها (آآآمين).

فلاح، يعاني، كأهل بلادي، عنت تعدد لغوي، (فيصلي بلسان، ويغني بلسان)، ويغضب بلسان (أف، جر، تك، بس)، كما عانى محمد عبدالحي في عودته، لسنار، (إن عاد لها، ووجدها كما يتصور، وليس أضغاث أحلام، عن هويات كواذب، سراب بقيعة) فوجد الله عندها، فقرت عين يعقوب، وكفى (الهويات شر الصراع)، فالأب آدم، والأم حواء، وإن كان في أصلهم شئ يفاخرون به (فالطين والماء).. ما هويتك، سيدي العبيد ود ريا، حين قلت لمريديك (كن بالعبودية متحققا، وبالربوبية متعلقا)، كونوا ربانيين، أتلك هويتك؟ ما أعجبك يا بلادي، لك من الجبة ألوان حقيقة، ونحبك حتى حين تلامي (أدر ذكر من أهوى،ولو بملام)، بلى، ولو بملام، (فإن أحاديث الغرام مدامي)،  ففي تلكم البلاد القاصية، القريبة، شمال بلادي، سعى، وتربى، ونام، وبكى، يتيمك محمد وردي، وردي (الذي تغنى بمجدك فاغتنى).

إن اليتيم في بلادي، وفي قرى بلادي، له ألف أب، وأم، يغمره الناس بعطف أم، وكرم أب، فيحس اليتيم، بمحبة، وثقل، فكيف يكون بارا بآبائه، أجمعين، ويسدي حلو الصنيع، لهم أجمعين؟، فما اليتم في بلادي سوى أن تغرس ابيك في رحم الأرض، وتمضي للقرية، وتجده في كل بيوت القرية، أبوات صدق، وأمهات حق،  باشة، هاشة ، ساهرة عليك، فتتعجب (أدفنت أبيك)، أم نفخت روحه في رجال قريتك، ونساء بلدتك، أجمعين، وفي سر ذلك اليتم عاش وردي، فملاك الموت أحكم وأرأف، حين يقبض الارواح، ويثكل الأمهات، ويرملهن، بلى أحكم، من عقولنا القواصر (حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم)….

فشعر الفتى، بثقل حمله، وبفقد أبويه، وتكاثرهم في ذات الوقت، فما أعجب العيش في حمى بلادي, تنسج وقائع الحياة اليومية قصيدة حب فطرية، رغم لوم الفقر، ومر الفراق، ويظل صدى الحزن، وفرح العطف، يتردد في قلب الفتى، وفي لحنه، ووتره، بعد حين، وهو يحس بأنه ابن الجميع، أمه الأرض، وأبيه السماء، بل سعف النخيل، وموج النهر، أغدق رحمته على فتى صواردة اليتيم، سعف يظلله، وموج يرقص له، ويبوح له بسر المد والجزر، والحزن والفرح، وبسر الحياة، الكامن في صلب الماء.

ومن شب على شي شاب عليه، فظل ذاك الخرز، بل ذاك الماس يلمع ثمانين عاما بالتمام والكمال، وسيلمع مع كل فجر جديد، مثل تلكم الدجاجات السعيدة، وهي ترعى في الحقل، ويبرق من عيونها الجميلة طيف ألوان بديعة، سبت ذلك الشاعر، ومثل ديك تلك القصيدة الجميلة، ظل ذاك الفتى، وطوال حياته العامرة يوقظ الشعب بأسرة، كل فجر، كي يستحم بالنور، ويغني للحياة، ويقيم الصلاة، وبعد حين تغنى الشاب:

“وأحبك ملاذ، وناسك عزاز، وأحبك حقيقة، وأحبك مجاز”

“أحبك بتضحك، وأحبك عبوس، في عزة جبالك ترك الشموس”

ومن شمال السودان تدفق نهر، يجري للجنوب، رديف النيل، وخصمه، كل يمضي في شأنه، هذا يحن للشمال، كي يحكي له نبض قوم في الجنوب والوسط، وذاك يحن للجنوب، كي ينقر له الرباب، ويغسل الكلمات، وينفخ الروح بين الأضلع، كما نفخ أخيه النيل، الروح في جذور النبت، وسقى الحقل، وسحر الشعراء، ورعى الحياة والزهر، فطوبى من نهرين خاصرا بعضاً، ولم يعكر صفوهما اختلاف دربهما، نهر وردي يتدفق، ويحج من الشمال للجنوب، ونهر النيل يسعي بحكمة، ويتلوى من أثر سكره، نحو الشمال من أقاصي الجنوب، هذه بتلك، وهل كان وردي نهرا يتدفق من الشمال للجنوب فقط، أم كان نهرا يتسلق جبال الحبشة، وتلالها، عكس التيار، وسنحكي عن هدا النهر الثالث لاحقا، فالحديث عنه ذو شجون، ولا ينقضي وطره ..

“كأن هبوب الريح من نحو أرضكم *** يثير فتات المسك والعنبر الندا”

ونحن مثل قيس بن دريح، قتيل “لبنى”، نشم رائحة الفرح الأصيل  (مثل عنبره، ومسكه)، من قبل (صواردة)، كما شمها هو من قبل مضارب خيم لبنى، وكما شمها المعصوم، من قبل اليمن، حين قال عن أويس القرني (أني أشم رائحة الرحمن من قبل اليمن)، فطوبى للرياح الشمالية، التي تحلق بأجنحة من غير ريش في قبة سماء بلادي، تحمل أثير أغانيك، فتملأ الفضاء كضوء الشمس في النهار، وكظلام الليل في المساء (حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحضن العراق) كما أحب السياب ليل بلاده، لأنه يحضن العراق، فصوتك يحتضن البلاد، بدفء أسمى، وأرق من ليل العراق (وكل فتى، وفتاه، بأبيه، وأمه معجب)، فحتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن أغانيك وهي تحلق من دار لأخرى عبر الأثير، هل أذكر ليالي القرية وأنت؟ وصوتك، أم العجلة من الشيطان، وأترك ليالي القرية لنهاية المقال، أن كانت له نهاية، لو مد الله في العمر، أطويل ليلي، أم يطول.

عزة الأم والخالة، والضل الكبير..

“وما بين ظلالك أفتش أكوس، أفتش طفولتي، ملامح صباي”

“بناتك عيونن، صفاهن سماي، وهيبة رجالك، بتسند قفاي”

هذا شأن طفلك، حين كان يحبو على ترابك حافي القدمين، ويكوم ترابك بيده، ويبني بيوتا، وجبالا وتمني، ولكن من أين جاء، وإلى أين مضى، ألم يقل الأمام علي (من لا ماضي له لا مستقبل له)، وهو القائل (من لا يعرف من أين جاء لا يعرف إلى أين يمضئ)، فماذا جرى في ماضيك التليد؟، كي ننظر للوراء، بحكمة وتروي، كما ينظر السهم للوتر والقوس والرامي، فهما من حددا مصيره الماثل، وسرعته، وهدفه،  فهناك، بعيدا في غابر أيامك، في بلاد النوبة القديمة، أنطلق سهمك الحكيم، فما التاريخ؟ ألم يعرف شيخ المؤرخين الطبري، حين سأل لم أنت متيم بالتاريخ، وأيام العرب فقال (التاريخ إرادة الله).

ونحن نرتل معك:

“وما بين ظلالك أفتش أكوس، أفتش طفولتي، ملامح صباي”

كي نفتش معك، ملامح طفولتك، وطفولتنا، وملامح صبانا..

قبل ألف عام وعام، وعلى ضفة النيل الغربي،  الذي يشق بطنك الولود، حيث تنام الشمس من وعثاء الظهيرة، والعصر، والأصيل، وتصبغ الأفق بحناء الرحيل الحميراء، والتي تشتد سواداً مع توغل الليل البهيم، دفن مغني نوبي أسمر، كترابك، تغنى بمجدك فاغتنى، صدحت حنجرته حين انحنت سنابل القمح تواضعا للحصاد، وفي زغاريد العرس، وفي مواطن الحزن والألم في معابدك القديمة..

حفرت المعاول قبره، كما تحفر للبذور حفرتها، وكما تحفر المعاول ساس البيوت، حفروا قصر خلوده، هناك وهنا،  فاستحم بالصندل، وكفن بثياب زهد، وحمل على نعش مزخرف، بأيدي مهرة، ودفن بهيئة القرفصاء، مثل ما كان يرقد جنينا في بطن أمه، بطن أرضه، يضم يديه لصدره، ورجليه على بطنه، وبرفق انزل أهله في القبر خنجره، وصحن ملئ بالقمح، ونعاله للحياة الأخرى، حين يولد مرة أخرى من رحم الأرض، كما ولد من بطن أمه النوبية، وبرفق وتؤده انزلوا ربابه، كي يؤنسه في حياته الأخرى، حتى ريشة الحمام التي كان يعزف بها، ضفرت بين أوتار الرباب، فمات ليحيا.

شارك هذا المغني في أكتوبر، رغم ميلاده قبل ألف عام وعام، فما نجنيه اليوم، هو ثمار وحصاد زرع قديم، (كان أكتوبر في أمتنا مند الأزل)، بلى كان،  و(كان خلف الصمت، والأحزان يحيا)، منذ تلك العصور الغابرة، للظلم، والجور (صامتا، منتظرا، حتى إذا الصبح أطل)، وللحق الصبح لم يطل بعد، وإن أطل في عاصفة عاطفة، فجرت أكتوبر الأول، والكون بأسره، ينتظر عودة أكتوبر حالمة، مفكرة، حكمية (ترقص الحملان مع الذئاب)، في مسيح أسمر، طيب المحيا، نقي القلب، وديعا، قويا، (تهزه بسمه الطفل، وقوي يصارع الأجيالا)، ألم يكن أكتوبر منذ الأزل، صامتا، منتظرا؟..

فما أعجبك أيها النوبي الأسمر، وأنت تشبه جدك ذاك، الذي ذاق سر الموت قبلك بألف عام وعام، كيف حييت ذلك اليوم، كيف مت لتحيا، فمنذ أن قبرناك في مقابر فاروق، صباح الأحد 19 فبراير 2012م، شمال شرق المقابر، ودفنت قرب أسماء منسية، بسيطة، تغنيت بها، لها، كتبت على شواهد قبورهم اسماؤهم، الحاجة زكية عبدالفتاح، توفيت عام 1992، وذهبية محمد العش 1962م، ومحمود جادين 1979م، هؤلاء هم جيرانك في دار الخلود، فسلام عليهم، وعليك، وعلى آل فاروق، من ذاقوا سر الموت.

جالت عيني ذلك الصباح الحزين في مقابر فاروق، أناس لا تعارف بينهم سوى حبك، حتى الشوارع والطرق والأشجار ورجال المرور كانوا حزانى، بيت بكاء صارت المدينة، فقد كنت مع الكل، لا كما يكون الظل رفيقا، ولكن إمام فن، وشاركت في الأفراح والاتراح بقدح كريم، في كل أعراس بلادك، في الريف والحضر، قدحك معلى كأشعة الشمس، لا تنسى حفلاً فتذكر، ولا تهمل شجرة في غابة فتلام، فمن فنك الأصيل، شرب القوم كلهم، والطير والقرطاس والقلم،  ومسحت بكف أنهر دموع عن الأرامل، والحزانى، والمساكين، والمساجين، حتى صاحت امرأة بسيطة، حول قبرك المعمور (سمعكم صوتوا، سمعوهو صوتكم لا إله، إلا الله)، فكبر الجميع بحزن، وتدبر للموت، وتدبر لك، وليوم الحساب، ولحال البلاد، ولسر الرحيل، ولأغانيك، للحياة الدنيا، والأخرى معا، في ومض خاطف، تدبرنا بعمق كل شئ، كما يضئ البرق في عمره القصير السماء كلها، تدبرنا جلال الموت، والميلاد، كنا في المقابر نشيل الفاتحة لكل من يقابلنا، فالفقد واحد، والحزن واحد، فأنت أب، وخال وعم ووالد وشقيق الجميع، بلا فرز، …

(2)

رأيت عبدالعزيز المبارك يبكي بحرقة على قبر دارس، بعيدا عن الجماعة، وترباس مزين بالحزن، والحلنقي سارح مع لغز الموت، والباقر العفيف ساهم في سر الحياة والموت، وأحمد محمد الحسن يشعر بصدق لحنك، وبطولتك الفريدة، (لو لا المشقة ساد الناس كلهم، الجود يفقر والأقدام قتال)، وقد كنت مقداما (والموت ضرب من القتل)، كما سطر المتنبي العظيم، الحكيم..

حين خرجت من المقبرة، في بوابتها الشمالية، قبالة حديقة أوزون، سألني ارتري عابر، من هو المقبور، قلت له وردي، فهش لأنه يعرفه، وحزن لفراقه، وقال بلهجة مرحة، (واللاي لو حبش وارتريين يِعرفو كان ملو المقابر)، هش بمجرد ذكر اسمك، كما هش قيس، حين تذكر لبنى…

“فإن ذكرت لبنى هششت لذكرها، كما هش للثدي الدرور وليد”،

عند الباب وجدت فتاة اجتمع الناس حولها، حسبتها بنت وردي، (شلت لها الفاتحة)، مع سرب، كانت ترتدي نظارة سوداء، وبعد حين قال لي صحفي (عرفت دي؟)، قلت له بنت وردي (قال لا، دي ندى القلعة)، وأصريت (في خاطري)، انها بنت وردي، فكل مغني، على قدر ما قاسى، سقاه وردي يغني، أما الحبوبة، “حواء الطقطاقة”، كانت حزينة، أعمق ما يكون الحزن، حزين من يعرف قيمة نقرة الرق، ورنة الوتر، وبركة الحنجرة، ولسان حالها يقول (هل طاب لكم أن تدفنوا حياً)، فما أعجب الحزن (ما الحزن؟)، يبدو قصيدة من ضلع الألم، قلب الالم، ولكن ياحواء الطيبة، إنه المجاز، فالضوء لا يدفن بتراب، ولا بألف معول، ولسان موته ينشد،  حياته خير لكم، ومماته خير لكم، فأغانيه باقية، خالية، كأنها اقتادت من عشبة الخلد، قبل حية جلجامش، (والقيود أنسدلت جدلة عرس في الأيادي)، وياله عرس يلاقي كل مثل فيه مثلا….

كان موتك (ميلادك)، وقفة تأمل بوذي للجميع، كيف يمد ملاك الموت يده لواسطة العقد، ويختارك، كما يختار آكل التمر أطايبه، ولكنه أعطاك ثمانين عاما، وتحداك في ان تملأها بركة، وعطاءً، وتحديته، سيد نفسك، مين أسيادك، فعصرت قلبك، وصدحت حنجرتك بكل الانفعالات النبيلة، لوطن كالسودان، مساحة، وتنوعا..

(ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل)، ولقد سكبت الأمل في قلوب الجميع، فبكاك القوم، بكاء أم لطفل، وحبيبة لعاشق، ومريد لولي، وفنان للوحة..

نكست أعلام القلوب، في دول متناثرة من قارتك السمراء، في حواري أديس أبابا، وفي قهاوي أنجمينا، وبين شعاب أسمرا، لرحيلك، أيتها الحنجرة السمراء، الأفريقية..

حكى عنك أحد الرحالة، بأنه في مدينة ياوندي، كان غريب اليد والوجه واللسان، يتسكع في الطرقات الملونة كجب درويش، وبغته سمع صوت لا تخطئه الاذن، بل العين والقلب، أنه صوتك، من أتى به هنا، ولم، فشعر أن صوتك كرجل بلقيس، أتى بعرش بلاده كلها لحي بسيط في ياوندي، فما أوسع كفك، تلطف الغربة للغرباء، وتفتح كوة الأمل للمساجين، وحكى الرحالة بأن شرايط وردي، وبسمته المعهودة على لوحات الشريط، كانت مفروشة أمام الباعة الصغار، من الفتيات والفتيان، تباع مع الخضروات والملابس الرخيصة، كأنهم سيموتون جوعا، وعراة، أن لم يسمعوك، وفي المساء، كان السكارى، والحسان، يرقصن على وقع ايقاعك، وفي الأعراس كانت الاجساد الافريقية السمراء، ترقص وتترنح على ايقاع (يابلدي ياحبوب)، (رقصي خلق الله واتني)، فليس للغناء لغة، سوى الفطرة البشرية، أنى كانت، فيا لها من لغة، لا تترجم، أو تشرح، سوى بسلامة الطوية…