كتب : صالح عمار ظلت روايته عمارة يعقوبيان الرواية الأعلى مبيعا في العالم العربي لمدة خمس سنوات،  وتراجعت الى المرتبة الثانية لتترك المرتبة الأولى في التوزيع لروايته شيكاجو التى حققت 22 طبعة في عامين وصدرت منها الترجمة الفرنسية التي تلقتها الأوساط الأدبية والصحفية الفرنسية بحفاوة كبيرة  ودخلت قائمة "الأعلى مبيعا" في فرنسا،

و صدرت مؤخرا الترجمات الإنجليزية والألمانية والإيطالية  والنرويجية والدانمركية للرواية، وتمت ترجمة اعماله الاخري لعدد من اللغات ولقيت اقبالا غير مسبوق.

وحصل علي عدد كبير من الجوائز بينها جائزة باشرحيل للرواية العربية، وجائزة كفافي للنبوغ الادبي من الحكومة اليونانية، الجائزة الكبرى للرواية من مهرجان تولون بفرنسا، جائزة الثقافة من مؤسسة البحر المتوسط في نابولي، جائزة جرينزاني كافور للرواية بتورينو ايطاليا، جائزة برونو كرايسكي في النمسا (تسلمها من رئيس وزراء النمسا)، وجائزة “فريدريش روكيرت” ألمانيا، ووضعته مجلة “فورين بوليسي” في المركز الأول على قائمة أفضل 100 مفكر في العالم.

ليس هذا إلا جزاءً من صفحات كتاب طويل يحوي سجل وانجازات د.علاء الاسواني المرتكزة علي الشعبية الجارفة التي بات الجمهور العربي والعالمي يقابل بها اعماله وكتاباته، ومع استمرار هذا الاقبال عبر النجاح الذي تحققه آخر رواياته الصادرة هذا العام (نادي السيارات) يبدو الاسواني في طريقه للتربع علي عرش الرواية العربية وقد يكون مرشحا محتملا في المستقبل للجائزة الكبري التي فاز بها من قبل نجيب محفوظ، خصوصا مع ترجمة اعماله لمعظم اللغات الرئيسية في العالم.

ولكن شعبية الاسواني الآن في مصر وخطفه للاضواء تجئ عبر بوابة اخري كان الادب اساسها وارضيتها، وهو احد قيادات الجيل الجديد مابعد 25 يناير والتغيير والحراك غير المسبوق الذي تبعها، ومرحلة مابعد 30 يونيو وازاحة د.محمد مرسي من كرسي الرئاسة.

وسط كل هذا الحراك وفي قيادته يبرز الاسواني كاحد ملهميه، يمارس دور المفكر الذي يتجاوز ببعد نظره الحاضر للمستقبل والمصير الذي ينتظر مصر ام المائة مليون نسمة وصاحبة التاريخ الضارب للجذور، التي تتعافي الآن من شبح سيناريو الانهيار وغياب سلطة الدولة الذي كانت علي وشك السقوط فيه.

وبحماس لاينقطع يواظب الاسواني كل خميس علي اقامة ندوته الفكرية، متنقلاً بها من مكان لآخر في مناطق القاهرة المختلفة وخارجاً بها في بعض الاحيان لمدنٍ أخري، يطرح افكاره بعمق لاتكادُّ تحسه من سلاسة اللغة وبساطة العرض، والاهم من ذلك بنفس هادئٍ ورغبة حقيقية في النقاش حتي مع متحدثين صغار السن تبدو طريقتهم في النقاش وكأنهم اصحاب حقيقة مطلقة يسيرون علي المحجة البيضاء وبعضهم من مناصري واتباع جماعة الاخوان المسلمين التي تقف علي النقيض تماما من موقف الاسواني، ورغم حدة هولاء وخروجهم بالندوات عن اهدافها الفكرية التي تتناول القضايا بعمق للخوض المباشر في وقائع السياسة اليومية المحتقنة إلا ان الاسواني يستمع لمخالفيه الذين يصغرونه عمرا وعقلا بسعة صدر تكادُّ تكون قد اختفت امام مسلسل العنف وحالة الاحتقان التي تعيشها مصر في هذه المرحلة.

يوم الخميس 6 نوفمبر كنت حضورا في ندوة الاسواني الاسبوعية بمركز شبابيك بالمقطم، وكان عنوان الندوة (السخرية السياسية في المجتمع الديمقراطي)، والغرض من الندوة كما فهمت وكما اعلن الاسواني فيما بعد التضامن مع الاعلامي الشهير مقدم برنامج (البرنامج) باسم يوسف، الذي تم ايقاف برنامجه الاسبوعي للمرة الثانية الجمعة قبل الماضية بواسطة ادارة قناة  CBC التي يقدم البرنامج من خلالها.

قدم الاسواني خلال الجزء الاول من الندوة الذي سنعود اليه لاحقا مادةً جديدة علي الاذن العربية التي تتلمس خطواتها الاولي في مشوار الديمقراطية بعد عقود – وربما قرون – من حكم الافراد والاسر والطوائف، كان خلالها الحديث عن موضوع مثل السخرية من الحكام طريقٌ للهلاك ناهيك عن القيام فعلياً بجرم السخرية.

فيما حوي الجزء الثاني من الندوة تعليقات الاسواني علي مداخلات الحضور وتعليقاتهم حول الوضع الراهن والمشهد السياسي في مصر مابعد الاطاحة بمبارك ومرسي (او مابات الاعلام المصري يفرق بينهما بالرئيس المخلوع والرئيس المعزول).

وفي رده علي مداخلات المناقشين حول استمرار الكثير من مؤسسات واجهزة نظام مبارك، يري الاسواني ان النظام القديم بالفعل مازال موجودا وان المعركة الحقيقية القادمة للثورة هي المعركة بين التغيير والنظام القديم، بين من يريد اقامة دولة ديمقراطية الهيبة فيها للقانون وليس لرئيس الجمهورية ولا وزير الدفاع او الداخلية وبين من يريد ارجاع مصر للوراء بمنطق (ربنا خلصنا من مبارك واهو خلصنا من الاخوان المسلمين .. الحمدلله، انتو عاوزين تاني ايه؟ اهو الحفلة خلصت).

وحول اداء حكومة د.حازم الببلاوي وتطهير الدولة من انصار مبارك، يتفق الاسواني مع انتقادات المناقشين لاداءها ويقول انها ليست في مستوي التوقعات الكاملة وهي ليست ثورية بالكامل، غير انه يري ان فكرة التطهير والمحاسبة في هذه المرحلة فكرة مستحيلة من الناحية العملية والسياسية لان هناك حالة حرب مع جماعات تريد اسقاط الدولة المصرية، وفي حالة اسقاط الدولة لم نكن لنجد اي شئ نختلف حوله ويضيف الاسواني : “كنا في لحظات اقرب للنموذج السوري وربنا حفظ هذا البلد”، ولكن الجرائم لاتسقط بالتقادم والامل معقود علي الحكومة المنتخبة القادمة.

ويدعو الاسواني لما يمكن وصفه بـ “حراسة الثورة”، ويقول ان الديمقراطية ليست delivery ولن تاتي اذا غضبنا وجلسنا في بيوتنا، وانه لا احد في السلطة علي مرَّ التاريخ – مع استثناءات قليلة – قلص صلاحياته دون ضغط، ولهذا لابد من الضغط المتواصل واستصحاب احداث السنين الماضية، ومن امثلة ذلك ان رئيس الوزراء السابق احمد شفيق ونائب الرئيس عمر سليمان سخرا علي الملآ في التلفزيون المصري يوم 25 يناير من فكرة ان مبارك سيذهب وتحت ضغط الثورة ذهب مبارك، ولم يتم تقديمه للمحاكمة إلا بعد ثلاثة اشهر من رحيله تحت الضغط، وايضا محمد مرسي لم يكن ليترك السلطة بدون ضغط.

ولم يكن من الممكن الا يتطرق الاسواني في رده علي مايثيره المناقشين : للرجل القوي في السلطة وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، حيث هو صاحب شعبية كبيرة يمكن قياسها بكل سهولة عند رجل الشارع العادي، ويقول الاسواني ان من يفكر في سبب فقدان د. محمد البرادعي لشعبيته سيكتشف انه بالضبط سبب اكتساب السيسي لشعبيته، حيث ان للمصريين مايسمونه (وقت الزنقة) وهي شئ عظيم في تراثهم حيث يقول المصري : “دا فلان وقف معاي وفي واحد وقت الزنقة مالقيتوش”، وهذا المعيار لتقييم الناس مستمر في التراث المصري، فالذين اعتبروا ان البرادعي فضل سلامته ورحل منهم في الظرف الصعب هم نفسهم الذين تعلقوا بالسيسي لانه وقف معهم.

وحوله موقفه الشخصي من الفريق السيسي يقول الاسواني انه يعتبره “بطلا قوميا”، ولكن كونه بطلا قوميا هذا لايعني انه لاياتيه الباطل بين يديه او من خلفه، ومن الممكن ان يتعرض السيسي للانتقادات وهذه الانتقادات سببها ان السيسي صار يلعب دورا سياسيا وبالتالي فمن حق الجميع انتقاده، وهذا الانتقاد سيكون موجها له كسياسي وليس للمؤسسة العسكرية.