بابكر فيصل بابكر* في تعليقه على خطاب وزير المالية الذي ألقاه أمام البرلمان الإسبوع الماضي, قال نائب الرئيس الدكتور الحاج آدم يوسف إنَّ الوضع في السودان خارج إطار الأرقام التي طرحها وزير المالية, وأضاف ( أرزاق الله لا يُحيطها وزير المالية بأرقامه لأننا نعتمد على نعمة الله وبركاته.

صحيح أننا نتعامل بالأرقام لكن الواقع في السودان تجاوز لغة الأرقام ومعتمدٌ على الله ). إنتهى

حديث السيَّد نائب الرئيس أعلاهُ يُجسِّد بصورة نموذجية الطريقة التي يتمَّ بها إستغلال العاطفة الدينية للتمويه على الواقع, ولتبرير الأخطاء, و تعليق القصور في الأداء على مشجب الغيب, وللتدليل على أنّ الحكومة تسير وفق توجيهات “السماء” ولذلك فهى لا تأبه كثيراً بمسؤوليتها على “الأرض”.

من الواضح أنَّ السيد نائب الرئيس إستوحى في حديثه أعلاه الآية الكريمة ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ), وأراد ان يقول أنَّ بركات السماء قد فتحت على أهل الحُكم لأنهم “آمنوا وإتقوا” وبالتالي لا مجال لأى حديث عن أرقام وتجاوزات ومخالفات, فالسماء قد حسمت الأمر وانحازت للحكومة وهى التي تتكفل بحل كافة مشاكلها.

قد يتفهم – وليس بالضرورة يتفق – المرء مع هذا النوع من الحديث إن هو صدرعن أهل المؤتمر الوطني الحقيقيين الذين ظلوا متمسكين بقناعاتهم الأصلية في أنهم إستولوا على الحكم بقوة السلاح كي يقودوا أهل السودان في مسيرة قاصدة ولم يتزحزحوا عن مواقفهم “من قولة تيت” وحتى الآن كما يقول أهل الرياضة.

ولكن أن يجىء هذا الكلام من الدكتور الحاج آدم, فهو الأمر الذي يحتاج لوقفة طويلة, ذلك أنَّ الرَّجل خرج على الحكومة وحزبها أبَّان المفاصلة الشهيرة, وقد بلغ صراعه مع المؤتمر الوطني حداً جعل الأخير يتهمه  بتدبير محاولة انقلابية خرج بعدها الي أريتريا والصُحف المحلية تنشر صورته كمتهم هارب من العدالة.

وقد عاد الرُّجل لأحضان الحكومة وحزبها وأصبح نائباً لرئيس الجمهورية, وليس في ذلك غرابة في دنيا السياسة التي تحكم علاقاتها وفقاً للحكمة الشائعة : لا صداقة دائمة, ولا عداوة دائمة, ولكن مصالح دائمة.

وإذا إستطعنا أن نتفهم موقفه في “الأوبة” – بحسب التعبير المُحبَّب للدكتور الترابي – للحزب الحاكم, ودون أن نخوض في أسبابها لأنهُ شأنٌ يخصه وحدهُ, إلا أنهُ من حقنا أن نتساءل عن التناقضات في الأقوال و المواقف التي بدرت منهُ في القضايا العامة, وهى أمرٌ يخص كل الشعب السوداني.

ترشَّح الدكتور الحاج آدم في الإنتخابات العامة الأخيرة التي جرت في العام 2010 في منصب والي ولاية جنوب دارفور عن حزب المؤتمر الشعبي, وبعد ظهور نتائج الإنتخابات لم يعترف بها, وقال إنَّ الأرقام التي حصل عليها المؤتمر الوطني هى “كذبة أبريل”.

وفي حوار أجرتهُ معهُ صحيفة “أجراس الحُريَّة” سئل عن رأيه في الإنتخابات, وما هى الرسالة التي يوجهها للناخبين في ولاية جنوب دارفور فأجاب بالقول :

“أعزيهم في الخواتيم التي ختم بها المؤتمر الوطني نتائج تصويتهم وتزوير إرادتهم ولكن بالرغم من ذلك أقول بان التزوير ليس حكراً على جنوب دارفور فالتزوير هذا من كبارهم الذين تولوا عظم الإثم، والكبار هنا في الخرطوم هم الذين خططوا ودبروا لهذا وما جنوب دارفور إلا جزء يسير من هذا السودان الذي عمته المصيبة، لذلك لا أحمِّل وزر ذلك للذين فازوا زوراً وبهتاناً هنا في الولاية، لأنهم أدوات تم استخدامها فقط في هذا الأمر “. إنتهى

 إجابة الدكتور الحاج آدم أعلاه تنفي جُملة وتفصيلاً حديثه عن بركات السماء التي تتنزل على الحكومة, فهو هنا يتهم “الكبار” في قيادة المؤتمر الوطني إتهاماً صريحاً بتزوير الإنتخابات, وبالتالي فإنَّ الحكومة الحاليَّة لا يُمكن أن تكون قد أتت بالذين “آمنوا واتقوا”, لأنّه وفقاً للقاعدة الفقهيَّة فإنَّ ما بُني على مقدمات فاسدة تنتج عنه نتائج فاسدة، وما بُنِي على مقدمات صحيحة أنتج النتيجة الصحيحة، فالتابع يأخذ حكم ما هو تابع له.

لم يكتف الدكتور الحاج آدم بإتهام قادة المؤتمر الوطني بالتزوير, بل أسهب في سرد أساليبهم التي إتبعوها في سبيل إكتساح الإنتخابات, وأخطرها تسخير مؤسسات الدولة والحكم لمصلحة حزب المؤتمر الوطني, فقال :

“استخدم المؤتمر الوطني كل الأجهزة والمعتمدين إلا من رحم الله لكن الوزراء والمعتمدين وجهاز الأمن.. وغيرها استخدمت ضدنا ولصالح المؤتمر الوطني، كما تم استخدام الإدارة الأهلية والمليارات من الجنيهات وعشرات الآلاف من جوالات السكر”. إنتهى

فهل يظن الدكتور الحاج آدم أنَّ مجرَّد إنتقاله لصفوف الحزب الحاكم  قد حوَّل قيادات الحكومة لملائكة ؟

تصدى السيِّد نائب الرئيس لدعوة المُعارضة لتشكيل حكومة إنتقالية تقوم بإنجاز الدستور وتشرف على قيام إنتخابات حُرَّة, واتهم أحزاب المعارضة بأنها “طابور خامس” وأن “قادتها منافقون وسيكون مصيرهم في الدرك الأسفل يوم الحساب”. وتحدى قوى تجمع قوى الإجماع التي رفضت دعوة المؤتمر الوطني للمشاركة في إعداد الدستور الدائم للبلاد قائلاً : “خلاص نخليها رجالة بعد كده”. إنتهى

لم يكن للسيد نائب الرئيس أن يستنكر دعوة أحزاب المعارضة لقيام حكومة إنتقالية, ذلك لأنَّ حكومة المؤتمر الوطني كما قال هو نفسه جاءت للسلطة عن طريق التزوير, وهى لا تعمل على الوصول لحلول شاملة وجذرية لمشاكل السودان, بل تهدف لإلحاق الآخرين كديكور, وهو ما قاله الدكتور الحاج آدم في حوار أجرتهُ معه صحيفة “الأهرام اليوم”  قبل إلتحاقه بالسلطة :

“الآن هم يتحدثون عن إشراك القوى السياسية، فلا يُمكن للمؤتمر الوطني أن يعمل متعمِّداً لإبعاد القوى السياسية باستخدام الأساليب الفاسدة ويفرض على الناس جميعاً أنه هو الذي فاز ثم يغازل القوى السياسية ويدعوها للمشاركة ويمتنَّ عليها بذلك، وهو يريد أن يقول كلكم صفر على الشمال ويمكن أن آتي بكم (ديكورات) وبالتالي لا يمكن للمؤتمر الوطني أن يجمِّل هذه الحكومة”. إنتهى

غير أنَّ السيِّد نائب الرئيس لم يكتف بالتناقضات التي إكتنفت أحاديثه قبل وبعد إنضمامه لحزب المؤتمر الوطني, بل ذهب أبعد من ذلك نافياً كل الأسباب الموضوعية التي أدت لتفاقم أزمات السودان, وقال خلال مخاطبته لجماهير كسلا الأسبوع الماضي أنَّ : “المشاكل السياسية على المستويين الاتحادي والولائي ناتجة عن مصالح شخصية” في إشارة إلى أنَّ الحكومة وحزبها لم يتسببا في تلك المشاكل.

حديث الدكتور الحاج أعلاهُ ينفيه حديث سابق له عن الجهة التي تسببت في خلق واحدة من أكبر المشاكل السياسية في السودان اليوم  وهى مشكلة دارفور وما تبعها من نزاعات قبلية وتفكك في النسيج الإجتماعي.

سُئل الدكتور الحاج في حواره مع “أجراس الحرية” عن الجهة المسؤولة من النزاعات القبلية في دارفور فأجاب قائلاً :

” نحمل المؤتمر الوطني لأنه قام بتسليح الناس وقسمهم إلى قبائل ومازال يفعل ذلك إلى يومنا هذا لذلك لا ألوم قبيلة من القبائل بل ألوم المؤتمر الوطني والفرز الذي حدث للناس بأنهم حرروا الأراضي فهي لهم، والآن يطلب منهم  أن يتحركوا فيرفضوا بحجة أن الحكومة قالت لهم إذا حررتم الأرض فهي لكم ويقولون إذا الحكومة نفسها جاءت إلينا فلن نترك لها الأرض، والخطأ هو خطأ الحكومة ونقول لأهل دارفور لا تصوبوا العداء لبعضكم البعض لأنَّ عدوكم هو المؤتمر الوطني فلا تقتلوا أنفسكم ببعضكم البعض جهلاً “. إنتهى

وعندما سئل الدكتور الحاج  في حواره مع “الأهرام اليوم” السؤال التالي : الأستاذ علي عثمان وجّه اتِّهاماً مباشراً للمؤتمر الشعبي وقال إنه هو المسؤول الأول عن الدماء التى سُفكت في دارفور، إلى أي مدى هذا الاتِّهام صحيح ؟

أجاب قائلاً “كما قلت يظل المتهم بريئاً حتى تثبت إدانته، ونحن نقول إنَّ المؤتمر الوطني مسؤول عن كل ما حدث في دارفور بتبعاته “. إنتهى

السيِّد نائب الرئيس الذي يقول إنَّ بركات السماء تتنزل على الحكومة, هو نفسه من كان بالأمس القريب يتهم النظام الحاكم بالتسلط والتزوير والبطش, ويسأل الله أن يُعجّل بذهابه, فها هو يقول عن سلوك أهل الحكم :

“ممارسة الدكتاتورية أمر بديهي ومارسوها حتى في الانتخابات وبصورة بشعة وقبيحة جداً. ولا استغرب أن يقبضوا على الناس، ويبطشوا بهم ويعتقلوهم ويسجنوهم ويمكن أن يُصدروا من التشريعات ما يمكنهم أكثر على ذلك ويفعلوا ما يشاءون لكن أقول : إنَّ الله غالب على أمره، والله سيغلب. ويقيني أن الله سوف لن يمهلهم وسيعجل لهم بقدر خططهم ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. ونحن لن نتبدل مهما اظهروا الجبروت. ولن نضعف بل سنستمر مهما كانت المعاناة لأنهم يريدون جر الناس إلى العنف حتى يتم تدمير البلد “. إنتهى

عندما كان الدكتور الحاج آدم عضواً بحزب المؤتمر الشعبي كان يقول أنه متيقنٌ من أنَّ الله لن يُمهل الحكومة الماكرة والمتجبرة وسيُفشل خططها ويعجِّل بذهابها, وعندما أصبح عضواً بحزب الحكومة صار يقول إنَّ أهل المعارضة منافقون وسيكون مصيرهم في الدرك الأسفل عند الحساب. ويعلم كل الناس أنَّ الحكومة لم تغير سلوكها ولا المعارضة فعلت, فما الذي تغيَّر إذاً ؟

يقول الإمام مالك : إذا رأيت الرجل يدافع عن الحق فيشتم ويسب ويغضب فاعلم أنه معلول النية لأن الحق لا يحتاج إلى هذا.

                                            

boulkea@gmail.com*