رصد : صالح عمار السخرية السياسية في المجتمع الديمقراطي، كانت عنوان ندوة الأديب والمفكر د.علاء الأسواني بمركز شبابيك الثقافي في منطقة المقطم (القاهرة) يوم 7 نوفمبر،

وهي الندوة التي اعلن الأسواني انها بغرض التضامن مع الاعلامي باسم يوسف الذي تم ايقاف برنامجه بواسطة ادارة قناة cbc التي يبث البرنامج من خلالها.

وينطلق الاسواني من فرضية ان الموضوع في حقيقته اكبر من مجرد منع برنامج، ويستدل بالتاريخ الطويل للسخرية السياسية ودراسته العميقة لسيسيولوجيا المجتمع المصري، ويضرب الامثلة علي ذلك.

فالشعب المصري من اقدم الشعوب وتاريخه ممتد لاكثر من 35 قرنا، ومصر طوال تاريخها كانت جزاءً من امبراطوريات متعددة، وبالتالي الشخصية المصرية هي شخصية متعددة الاوجه، بمعني انها ليست ذات طبقة واحدة وانما متعددة الطبقات الثقافية، وكانت مصر دائما قادرة علي تمصير الوافد لان القوة الثقافية المصرية عالية جدا.

والشعب المصري علي مرَّ تاريخه الطويل هذا عايش مستبدين، وبسبب وضع التعايش الطويل مع المعاناة والاستبداد تحولت السخرية لسلاح، بمعني ان المصريين يسخرون من الحكام الذين لم يكونوا يستطيعون ازاحتهم.

وظلت النكات والسخرية تتناول كل حكام مصر، جمال عبدالناصر النكات حوله كانت تدور عن انه قوي ومفتري، والنكات حول السادات الرئيس المؤمن وياهمت يابنتي، وتدور حول السادات باعتباره ممثلا.

النكات حول مبارك ان ادراكه قليل، ومنها انه تم سؤاله : ماهي اصعب سنة في حياتك؟ فيجيب انها السنة الاعدادية، وفي العشر سنين الاخيرة اتجهت النكات لابنيه جمال وعلاء (الفلوس دي جابا من وين؟ جابا من مصروفو!)، وفي آخر سنتين الفكرة صارت ان مبارك لن يغادر السلطة حتي لومات (الشعب عاوز يودعك يامبارك قبل ماتموت فيرد : هو الشعب رائح فين؟ يعني ممكن يموت لكن هو مش حيمشي ابدا).

وظلت السخرية وسيلة الراي العام في التعبير عن نفسه، وتقوم فكرة الكوميديا علي الفارق بين مايحدث ومايجب ان يحدث، ولان مايحدث لايجب ان يحدث ومايجب ان يحدث يجب الايحدث.

وهذه الكوميديا ليست عشوائية، وإنما تستند علي رأي عام مسبق، ولابد ان تبني علي هذا الراي العام المستقر والمجمع عليه لتكون سخرية ناجحة، مثلا لو قلت ان حسني مبارك ذكي فلن تضحك احدا.

وقد بلغ من تأثيرها وقوتها ان الرئيس جمال عبدالناصر اطلق مناشدة للمصريين في العام 1968م بعدم السخرية من الجيش المصري، لان هناك نكات كثيرة انتشرت بعد نكسة 67 وكانت نكات حزينة وسوداء وفيها نوع من جلد الذات (لانك لما تتريق علي الجيش المصري تتريق علي نفسك)، عكس النكات التي قيلت عن حسني مبارك التي كانت مضحكة. وعبدالناصر الذي يعتبر من اقوي الرؤساء علي مستوي العالم اعترف ان هذه السخرية تؤثر علي معنويات الجيش المصري، وهذا يوضح قوة سلاح السخرية.

ولكن هذه السخرية لم تكن تجد فرصتها في وسائل الاعلام ولاتبث من خلالها، وظلت السخرية سلاح شعبي سري لايتطرق الي وسائل الاعلام، وسائل الاعلام لها خطاب آخر : خطاب كاذب والناس تعرف انه خطاب مراوغ يقول ان كل شئ علي مايرام (ومافيش حاجة).

لدرجة ان المصريين صار عندهم شفرة للخطاب الرسمي، بمعني ان يقرا هذا الخطاب بمعيار حقيقي، وهذه من العجائب غير الموجودة في العالم الخارجي. مثلا في كل العالم لو ان وزير الصحة قال لاتوجد  امراض صيف هذا العام فالمواطن العادي في اي دولة سيستريح لانه لاتوجد امراض اما المصري عندما يسمع هذا الخطاب الرسمي فسيقول : علي فكرة في كوليرا !.

الشفرة ايضا تجدها عندما يقول الخطاب الرسمي : لامساس باسعار البوتجاز المصري سيقول : (حيغلوا البوتجاز علي فكرة خلي بالك)، وايضا دائما وزارات الداخلية تنفي ماتقوم به هي عادة، مثلا وزارة الداخلية تنفي تعذيب فلان!.

ومن اسباب الحوجة لهذه الشفرة ان القرارات تصدر في مصر مبنية للمجهول مثلا : تقرر مد كذا وكذا، من الذي قرر كذا وكذا؟ ، الذي قرر ذلك لديه سلطة قوية لدرجة انه لايحتاج لتوضيح قراراته (انت مين انت عشان يقولك مين اللي قال تتفتح المحلات ولاتتقفل؟) وهو يقول فقط تقرر.

ولكن لماذا تبتعد السخرية عن المنابر الرسمية؟، تبتعد عن هذه المنابر لانك اذا ذهبت اليها فانت تخاطب الرئيس ولايمكن حينها ان تقول للرئيس انك ستقول عليه نكتة.

 لماذا لاتستطيع ان تقول عليه نكتة؟، هنا نقترب من منطقة المناقشة الحقيقية.

لايمكن ان تسخر من الرئيس لسببين : سبب مادي وسبب معنوي، المادي ان الرئيس عادة لديه قدرات قمعية جبارة لو حصل ولو علي سبيل الخطا قلت انك ستقول عليه نكتة في التلفزيون فسيتم التنكيل بك وبمخرج البرنامج وكل المشاركين.

ولكن السبب المعنوي اخطر من المادي، وهو ان رؤيتنا للرئيس رؤية غير ديمقراطية تعودنا عليها، وهي ان الرئيس هو الاب. والذي يعتبر الرئيس اباه فلن يرضي ان تتم محاسبته (والسخرية اعلي درجات الحساب) مهما ارتكب من اخطاء، ومن الممكن ان يتصرف اي شخص علي اساس انه لايري اخطاء والده.

ولواننا طبقنا هذه العلاقة (اي علاقة الابن مع والده) مع رئيس الدولة فسنخسر كل شئ (ونروح في ستين داهية وعشان كدا نحن رحنا في ستين دهية).