فائز السليك قبل أيام أذاعت قناة " الجزيرة" حوارها مع علي عثمان محمد طه، وهو الرجل الذي يصفه الناس بأنه مفكر خطير، وسياسي محنك، ورجل دولة من الطراز الرفيع، ولذلك حصرت على متابعة الحوار عبر " اليوتيوب" برغم رأيي المسبق في الرجل، وقد كتبته عدة مرات؛  وأهمهما في كتابي " الزلزال . .العقل السوداني، ذاكرة مثقوبة و تفكير مضطرب ".

ولم يخيب الرجل ظني، فجاء مرتبكاً، في اجاباته، مرهقاً في مظهره، ملتبساً في رؤاه، لدرجة أنه بدا متناقضاً؛ فمرة ينكر مليشياته استهدفت المتظاهرين، ويعتبر أن المقصودين كانوا المخربين أو اللصوص، ومرة أخرى يعترف أن المتظاهرين لم يكونوا لصوصاً، ثم يكذب في أمر معروف للجميع؛ مثل انكاره لنص مهم في بروتكول أبيي، وهو ضمن اتفاقية السلام الشامل، والتي وقعها هو شخصياً، في عام 2005، مع الزعيم الراحل الدكتور جون قرنق، فقد ذكر طه ” أن اسم المسيرية ورد في نص الاتفاق، فيما يتعلق بمن يحق لهم التصويت في استفتاء أبيي، مع العلم أن ما ورد هو ” مشيخات دينكا نقوك التسعة، والسودانيين الآخرين”، دون تحديد لاسم المسيرية.

أعتقد أن كل من شاهد الحوار، خرج بذات القناعة، وربما لأن طه بطبعه تعود على حوارات العلاقات العامة الرسمية من تلفزيون المؤتمر الوطني، وتلك الأسئلة التي يقصدون بها التلميع، وهي أسئلة تمنح الرجل فرصة التعميم والغوص في كلام انشاء يخلو من الأخبار، لكن حوار الجزيرة جاء سريعاً، وأسئلة قصيرة، وكثيرة، أشبه بأسئلة الحصار، فمن أوقع الرجل في الفخ؟؟ هل هم غرمائه في القصر؟، أم هي حركة الإسلام  السياسي الدولية؟.

عموماً أكد اللقاء أن البعض لا يزال مصاب بأحد آفة التفكير عندنا،  ومن آفة تفكيرنا؛ إطلاق القول على عواهنه، مثل من يرى في  علي عثمان طه مفكراً خطيراً، أو سياسياً محنكاً، فهذا الرجل، ليس سوى “براقماتي ” مصاب بشهوة السلطة حد الجنون، ويكفي أنه طوال عمره ظل يتقلد الوظيفة العامة تلو الوظيفة، من رقيب مجلس شعب نميري، إلى زعيم معارضة البرلمان في الحكومة التي انقلبت على النميري في ثمانينيات القرن الماضي، ثم كان أول المنقلبين على السلطة الديمقراطية، فظل تنفيذياً مع نظام “الإنقاذ” حوالى عشرين عاماً، وقبلها كان هو من يدير الأمور، وراء حجاب، في غياب شيخه الترابي الذي ذهب إلى السجن حبيساً، في السنة الأولى من عمر الإنقاذ، ولم نسمع للرجل مؤلفاً في السياسة أو الفقه، أو حتى في القانون، بل إن القانون كان أول ضحايا الرجل، وهو دارس القانون في جامعة الخرطوم، فدعنا عن مشاركاته في حكم نميري، أو مشاركته في تدبير الانقلاب على نظام حكم ديمقراطي، بل أن للرجل تصريحات شهيرة مثل ” shoot to kill  ” أي أطلق النار لتقتل”   ، وهو يرفع لبرلمانه الصوري قانون بإعلان الجنوب دولةً عدوةً، وهو ذاته من وقع السلام مع الجنوب، لكنه في حمى المزايدات السياسية، والعمل على نيل رضاء العسكري البشير، لا يتورع رجل القانون عن التهديد بسيفه، مثلما قالها خلال المفاصلة بين شيخه الترابي، ورئيسه البشير، في اجتماع شهير قال فيه ” سيوفنا مع البشير”، وظل يرفع سيفه كلما شعر بخطر يدنو من كرسيه، وظل يمارس النفاق، والتلفيق في أسوأ صور لسياسي، أو رجل متعلم، ودارس قانون، ومع ذلك هناك من يرى أن شيخ علي رجلٌ مفكر!، أو ” وطني”، مع أننا يمكن أن نطلق عليه ” سياسي تقليدي” بمفاهيم ميكيافيلي. شارك في إدارة البلاد في أسوأ عصور انحطاطها. واضطراب مناهج التفكير أيضا يقود إلى التعميم مثل قولنا ” فلان كوز كبير، أو عضو مجلس أربعيني” وهذا ” شيوعي خطير”، حتى ولو لم يكن عضواً في الحزب، أو حتى صديقاً، يؤمن ببرامج الثورة الديمقراطية،  وهو أحد مؤشرات التخبط  في التفكير، والعشوائية في المناهج، والجهل فوق جهل الجاهلين، وكما قلنا هو حال من تأخذه العزة بالإثم، وهي العزة التي تجعل السادة الإنقاديين يكررون ان الخرطوم، ليست القاهرة، ولا طرابلس، أو تونس، وحقاً هي كذلك، لكنهم لا يتذكرون أن وزير خارجية مصر الأسبق أحمد أبو الغيط كان يصرخ أن القاهرة ليست تونس، فكان مصير مبارك أسوأ من مصير بن علي، ومصير القذافي أكثر سوءاً من مصير سابقيه، ولا تزال الثورة مستمرة، ومثلما قال القذافي; وكما تكرر قناة العربية; الدور جاييكم كلكم فتظهر صورة البشير مباشرةَ بعد هذه العبارة!. فلا ندري السر في ذلك؟.