محمّد جلال أحمد هاشم مقدّمة الفقه الذي ندعو لتأسيسه هو ما نسمّيه بالإسلام الثّقافي، أي الذي يستند في عمدة فكره وتطوّره على الثّقافة المتعيّنة التي تنزّل عليها، وهو على هذا يتّسم بالنّسبيّة شأنه في هذا شأن أيّ فعل تثاقفي.

على حداثويّة ما ندعو له، ينطوي هذا الفقه (حسب الموجّهات التي نرى ضرورة أن يقوم عليها ونحاول بسطها هنا) على درجة كبيرة من الأصالة، كونه ينهض على نمطٍ للتّديّن قديمٍ وراسخ في وجدان الشّعب السّوداني. هذا النّمط هو الإسلام الشّعبي، وذلك مقابل الإسلام الأورثودوكسي (تفضيلاً منّا لهذه الصّيغة بدلاً عن ’الأورثوذكسي‘)، الذي نقوم بمراجعته وفق ما نسمّيه بالإسكولاستيّة scholastic، أو المدرسيّة، كيما تقوم بلعب دورها بجدليّة وحيويّة في تطوير الإسلام الشّعبي.

الإسلام ما بين النّمط الشّعبي والنّمط الأورثودكسي

تبلور الإسلام الشّعبي في السّودان في أعقاب تضعضع الممالك النّوبيّة المسيحيّة عندما بدأت الكنيسةُ تضعف، الأمر الذي أدّى في النّهاية إلى غروب شمس النّصرانيّة النّوبيّة بالسّودان. وهكذا مرّت فترة من الزّمن أصبح فيها النّاس بين بين، فلا هم بمسلمين، ولا هم بمسيحيّين. ولكن نسبةً لأوجه التّشابه الكبيرة بين الدّينين، ونسبةً لصعود نجم الإسلام في العالم آنذاك،  أقبل أهلُ السّودان ممّن كانوا على النّصرانيّة أو غيرها من كريم المعتقدات بحماسة على الدّين الإسلامي، فشرعت العديد من الأسر في أخذ الطّريق على يد شيوخ الصّوفيّة الذين كان أغلبُهم من النّوبيّين المستعربين، أي الذين نزلوا من سرج النّصرانيّة ليستووا على سرج الإسلام بسلاسة ويسر لما بين الدّينين من أوجه شبه كبيرة. وقد جاء سقوط مملكة دنقلا في منتصف القرن الرّابع عشر الميلادي ومن بعدها سقوط مملكة علوة وعاصمتُها سوبا في عام 1505م بمثابة إيذان لجميع أهل السّودان من نوبيّين وغيرهم للدّخول في الدّين الجديد. وهكذا شرع المسلمون من العرب، ومعهم المسلمون من أهل البلاد الأصليّين، في بناء الخلاوي التي كانت معروفة قبل ذلك، ولكن في إطار النّصرانيّة. فقد كانت المراكز الدّينيّة، من كنائس إلى أسقفيّات إلى أديرة، وإلى وقت قريب قبل ذلك على اتّصال بالفقراء النّصارى (أي رجال الدّين ممّن أُثرت عنهم الولاية وأتوا بالكرامات) الذين كانت تعجّ بهم بلاد النّوبة. هؤلاء كانوا في الواقع طلائع التّبشير بالدّين الإسلامي في باقي السّودان مع تدشين السّلطنة الزّرقا (أي السّوداء) أي دولة الفونج (1505م ـ 1821م)، يحدوهم في ذلك كبيرهم إدريس ود الأرباب. إذن تعود هذه الظّاهرة في أصولها إلى الفقراء والنّسّاك في العهد المسيحي (بمزيد من التّفاصيل، يرجى مراجعة الفصل الأوّل).

كان جميع هؤلاء الشّيوخ ممّن يتبعون الطّرق الصّوفيّة، التي مازجت بين الإسلام والمعتقدات المحليّة بطريقة جعلتها جذّابة لعامة النّاس، فدخلوا في دين الله أفواجا. ويُعرف هذا النّمط من التّدين في الدّراسات الأنثربولوجيّة بالإسلام الشّعبي، مقابل النّمط الآخر الذي يُعرف بالإسلام الأورثودوكسي (لمزيد من التّفاصيل يُرجى مراجعة تريمينقهام، 1949م)، أي الأصولي السّلفي ويقوده الفقهاء الذين كانوا يتخرّجون في الأزهر وما شابه، الذي عادةً ما يدخل في قطيعة مع العادات المحليّة محارباً لها وساعياً للقضاء عليه (لمزيد من التّفصيل، يرجى مراجعة يحي محمّد إبراهيم، 1987). يتمّ اكتساب النّمط الأوّل بصورة طبيعيّة غير مباشرة عبر التّنشئة الاجتماعيّة والمثاقفة، بينما يتمّ اكتساب النّمط الثّاني بطريقة مباشرة وفي سياق غير طبيعي، كأن يذهب إنسان بكامل وعيه لتعلّم هذا النّمط، في فصل دراسي أو ما شابه. اتّسم عهد الفونج بالنّمط الأوّل، وبالتّالي سطع نجم الشّيوخ وبرزت سلطاتهم، بالرّغم من وجود عدد كبير من الفقهاء من خريجي الأزهر وخلافه داخل السّلطنة ممّن دعاهم سلاطين الفونج لنشر الإسلام. وقد دخلت المجموعتان في صراع طويل من أجل الاستحواز على السّلطة. في البدء كانت الغلبة للشيوخ إلى درجة عمد معها بعض الفقهاء إلى خلع ونزع عباءاتهم التي ترمز إلى تخرّجهم من المراكز الدّينيّة الشّهيرة كالأزهر وخلافه، واستبدالها بإبريق وعصا الشّيوخ أو المسبحة وما شابه. إلاّ أنّ مجيئ الحكم التّركي المصري قلب الآية، ذلك لأنّه أدخل نظام الاعتماد على الشّيوخ من خريجي الأزهر كفقهاء رسميين للدولة، إضافةً لافتتاح المدارس النّظاميّة التي أصبحت تدرّس الدّين وفق نمط الإسلام الأورثودوكسي (لمزيد من التّفاصيل راجع: يحي محمّد إبراهيم، 1987؛ عبد السّلام سيد أحمد، 1991م). وقد أدّى هذا إلى أن تكون الغلبة في النهاية للنمط الأورثودوكسي على حساب النّمط الشّعبي. وفي هذا ذهبنا (في الفصل الأوّل) إلى أنّ الثّورة المهديّة تمثّل النّقطة الفاصلة بين انتصار الأوّل وانهزام الأخير الذي شرع في تغيير مجمل سلوكيّاتته الاجتماعيّة والفكريّة تشبّهاً بالأوّل ولحوقاً به. وهكذا ما إن توسّطنا القرن العشرين حتّى أصبح من الصّعب التّفريق بينهما. في هذا تتحمّل الطّرق الصّوفيّة والجماعات الاستغلاقيّة معاً مسئوليّة الهوس الدّيني الذي اجتاح السّودان منذ منتصف القرن العشرين إلى مدخل القرن الحادي والعشرين (لمزيد من التّفصيل، يرجى مراجعة الفصل الأوّل).

نظر العديد من الدّارسين إلى الإسلام الشّعبي على أنّه مشوب بالشّركيّات، كونه تفاعل مع الثّقافات التي سبقت (انظر تفصيل ذلك في: عبدالله علي إبراهيم، 1989). ولكنّا نختلف معهم في هذا الحكم أيّما اختلاف. فبهذا الفهم يمكن أن نصم الإسلام نفسه بهذه التّهمة، كونه لم يتفاعل مع ما سبقه من ثقافات فحسب، بل أخذ عنها الكثير وتبنّاه (لمزيد من التّفصيل، انظر: علي الدّشتي، 2004: 98-99). في هذا ننظر إلى الإسلام على أنّه فعل ما يفعله أيّ دين بعموم، ألا وهو الأخذ بالقيم من النّقطة التي وجدها عليه، لينطلق بها إلى آفاق أرحب. ولهذا قال النّبيّ محمّد: «إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق»، لا البدء فيها. وعلى هذا ينبغي للإسلام المحض، في حال انتقاله من واقع ثقافي بعينه إلى واقع ثقافي آخر، أن يتمّ تحريره من ربْقة الثّقافة الأولى، ذلك كيما تُتاح له فرصة أكبر للتّشكّل بالثّقافة الجديدة. وكان هذا ما حدث للإسلام عندما دخل بلاد السّودان وهي آنذاك ليست على النّصرانيّة مرسلةً غير مقيّدة ثقافيّاً، بل محكومة ومشكّلة بما سبقتها من ثقافات بأرض وادي النّيل منذ أقدم الأزمنة إلى وقت مجيئها. وعلى هذا نخلص إلى أنّ الإسلام الشّعبي ليس سوى التّشكّل السّوداني للدّين في فترة زمنيّة بعينها. وعلى ذلك يصبح هذا التّشكّل صحيحاً بحكم معايير زمنه، وليس، كما ذهب إلى ذلك تريمينقهام ومن تبعه من الدّارسين، شكلاً منحطّاً من الدّين جرّاء مخالطته للطّقوس الرّمزيّة في الثّقافات التي سبقته إلى السّودان أو ظهرت فيه.

ولكنّا لا نأخذ ما جاءنا من إسلام شعبي على علاّته وإلاّ كنّا نقترف نفس الخطأ في ترفيع تشكّل مؤسّسي ما إلى مصاف الدّين القياسي الذي ينبغي لأيّ نمط تديّني أن يمشي وفقه. ولهذا وسمناه بمسمّى الإسلام الثّقافي، تحريراً لنا وللمفهوم حتّى لا نتقيّد بمحدوديّاته وملابسات المفهوم الظّرفيّة، ثم تطويراً له وفق رؤية متبنّاة لمعالجة قضايا هذا العصر. هذا في مقابل تحرّرنا من رِبْقة المصطلح الموازي، أي الإسلام الأورثودوكي، إذ نُطلق عليه مسمّى ’ المدرسي‘ أو تحقيقاً ’الإسكولاستي‘. وبين هذا وهذا، لا تكون هناك مشتركات غير خفيّة فحسب، بل توجد علاقة جدليّة كون الإسلام الثّقافي ينبغي أن يكون وظيفة الإسلام الإسكولاستي الحديث؛ فنحن، مثلاً، ننطلق من الإسلام الشّعبي في ارتفاقه بالموروث المحلّي كحدّ premise أساسي (تمثّل في التّسامح الدّيني)، ومن ثمّ نقوم بابتناء تصوّر فقهي يحقّق حداثتنا، أي معاصرتنا للزّمن الرّاهن. وبهذا يحقّق لنا الفقه الحداثوي شرطي الحداثة، ألا وهي الأصالة (التّسامح وعدم التّحجّر النّصّي) والمعاصرة (الحرّيّة الفكريّة).

الإسكولاستيّة ما بين المسيحيّة والإسلام

ظهرت الحركة الإسكولاستيّة Scholasticism في منتصف القرن الثّاني عشر الميلادي بأوروبّا، انطلاقاً من مدارس صغيرة ملحقة بالمراكز الدّينيّة المسيحيّة (الأديرة) على يد الملك شارلمان، لتنطلق بعدها حركة فكريّة ذات قدر كبير من الاستنارة، قوامُها ما كتبه المعلّمون الأوائل، أو أيّ كتابة جديرة بالمناقشة والتّدبّر. وقد كان المنطق الأرسطي والمناقشة الجدليّة، من حيث نقاط الاتّفاق والاختلاف في وجهات النّظر، لُحمة وسَدَى هذه المدرسة التي تطوّرت حتّى أعطتنا الجامعات التي نعرفها الآن. قامت تلك الحركة في فضاء المعتقد المسيحي الكنسي مشفوعاً بتدبّر الفلسفة الإغريقيّة بغية تدعيم المعتقد الدّيني بالفلسفة والمنطق وطرائق الاحتجاج التي وقعوا عليها في الفلسفة الإغريقيّة كالمنطق الأرسطي، فضلاً عن فلسفة أفلوطين المحدثة وغيرها. وقد التمس روّاد هذه المدرسة هذا المدد الإغريقي من المسلمين وكتابتهم وترجماتهم العربيّة للفلسفة الإغريقيّة عبر رواق الأندلس. قامت الحركة الإسكولاستيّة على عناصر بعينها يمكن تلخيصها في الآتي: معلّم يدرّس ويكتب، ثمّ تلاميذ يتّبعونه، مع تدبّر ما كتبه، ومن ثمّ تفريع المناقشات وفق مناهج المنطق الإغريقيّة، خلوصاً إلى أنّ تلك الفلسفة ليس فقط لا تتعارض مع معتقدهم، بل تدعمه، وبالتّالي إنتاج المزيد من الكتب. وقد تطوّرت العديد من المدارس الفكريّة من هذه الحركة، انطلاقاً من كتابة هذا المعلّم (المفكّر أو الفيلسوف) أو ذاك. انبثقت من هذه الحركة مدرستان، الأولى ما تُعرف بالمدرسة الفرانسيسكيّة (نسبةً إلى فرانسيس الأسيسي Francis of Assisi الذي أسّسها في 1209م)، حيث ذهبت إلى أنّه في مقدور العقل أن يكتشف الحقيقة فقط إذا تنوّرت الفلسفة (الإغريقيّة الأفلاطونيّة والأفلوطينيّة المحدثة دون الأرسطوطاليّة) بالإيمان. أمّا الثّانيّة فهي ما تُعرف بالمدرسة الدّومينيكيّة (نسبةً إلى القدّيس دومينيك St. Dominic الذي أسّسها في 1215م). كانت هذه المدرسة مشرقانيّة التّوجّه، شديدة التّأثّر بالفلسفة الإسلاميّة الأندلُسيّة مشفوعةً بالأفلوطينيّة المحدثة، مغلّبةً العقل والنّظر على التّسليم. وقد كان توما الأكويني من أبرز فلاسفة هذه المدرسة، بل يُعتبر الفيلسوف الأوّل الذي أعطى الحركة الإسكولاستيّة أبعادها المدرسيّة حتّى سُمّي اتّجاهه بالفلسفة «التّوميّة» Thomism.

لم تكن الإسكولاستيّة مدرسة فكريّة ذات طرح بعينه، بقدر ما كانت حركة تفلسف للعديد من الاتّجاهات والتّيارات الفلسفيّة داخل المعتقد المسيحي في حال اشتباكه مع الفلسفة الإغريقيّة. وقد تطوّرت عن هذا الحراك الفلسفي العديد من المدارس الفكريّة التي أفضت إلى حالة استنارة يعود إليها الفضل في تحرير المسيحيّة من سجن الأديرة لتنطلق في فضاء المجتمعات والثّقافات المعاصرة حينها، لتعطينا، فيما أعطتنا، العديد من المراكز الحضريّة، ثمّ بعد ذلك الجامعات التي انتشرت في المدن انطلاقاً من إيطاليا (بتأثير مباشر من الأندلس لتقليد ظاهرة تطوّر المسجد بوصفه مكاناً للصّلاة والعبادة إلى الجامع الذي يجمع مع ذلك التّدريس والتّعليم ــ قارن كلمة ‏«جامع» ‏مع كلمة ‏«universtat» ‏)، ثمّ عصر النّهضة، وباختصار أوروبّا ذات الثّقافة اليهوديّة المسيحيّة Judaeo-Christian Europe. وقد استمرّت الحركة الإسكولاستيّة إلى ما بعد القرن التّاسع عشر الميلادي قبل أن تنطفئ شمسها وتغرب عندما تجاوزتها الفلسفات التي صعد نجمها مع الثّورة الصّناعيّة مستشرفةً الانفجار التّكنولوجي في القرن العشرين.

انطوت الإسكولاستيّة في أوروبّا على جملة تناقضات جدليّة أدّت إلى تطورّها، كما انطوت على جملة تناقضات غير جدليّة أدّت بدورها إلى استغلاقها وتحوصلها، الأمر الذي دفع بحركة الفكر إلى تجاوزها. من العوامل الجدليّة استصحابها للفلسفة الإغريقيّة في بناءاتها النّظريّة اللاهوتيّة، وهو ما مهّد الطّريق إلى تحقيق الاستنارة والنّهضة لاحقاً. أمّا العوامل غير الجدليّة فكان الارتباط العضويّ الذي جمع المسيحيّة مع اليهوديّة إلى درجة النّظر إلى المسيحيّة باعتبارها تطوّراً لليهوديّة في مجمل معتقداتها. وهو أمر أوقع العقيدة المسيحيّة في تناقض ما كان لها أن تتخارج منه إلاّ بالتّحايل الأيديولوجي. فما بين رفض المسيحي لليهوديّة كدين مستغلق، ولليهود باعتبارهم قتلة المسيح، وما بين استمرار اعتقاده في التّوراة، عمدة الدّين اليهودي، باعتبارها الجزء الأوّل من الإنجيل، تنازعت نفسيّة المسيحي تيّارات الحبّ والكراهيّة. وقد كان المخرج من هذا حيلة أيديولوجيّة تمثّلت في عداء السّاميّة، أي تركيز الكراهيّة لليهود تدليلاً لافتراق الطّريق، ولو كان من باب العاطفة أوّلاً ثمّ الأيديولوجيا لاحقاً في حال تبلورها. فعداء السّاميّة شرّ أوربّي مسيحي بحت، لا تجده في أيّ أرضيّة ثقافيّة أخرى. في المقابل، نجد الإسلام قد أنجى المسلمين من هذا الشَّرَك التّناقضي بالنّظر إلى الدّيانتين السّابقتين له، اليهوديّة والمسيحيّة، باعتبارهما إسلاميّتين في الأصل ثمّ انحرفتا عن سواء السّبيل، أي أنّ الدّين اللاحق هو أصل الدّيانتين السّابقتين. فجميع أنبياء بني إسرائيل، بما فيهم المسيح، ليسوا سوى مسلمين في نظر الإسلام، بينما أتباعهم قد فارقوا ملّتهم، فجاء الإسلام لمواصلة المسير وفق هدى هؤلاء اللأنبياء والرُّسل المسلمين.

وبعد؛ نرفع السّؤال: أوليست هناك في التّاريخ الإسلامي حركة شبيهة بالحركة الإسكولاستيّة؟ في رأينا أنّه كانت هناك حركة إسكولاستيّة هي ما عُرفت بالمدارس الفقهيّة التي تعاطت علوم التّفسير والحديث وعلم الكلام، ثمّ الحركة الفلسفيّة الإسلاميّة في حال اشتباكها بالدّين بعموم. بهذا تكون الحركة الإسكولاستيّة في الإسلام أقدم من رصيفتها الغربيّة، بل لها تأثيرها غير المنكور على الإسكولاستيّة الغربيّة. فقد كانت جميعها تتفاعل في فضاء اعتقادي ديني، في سعيها لتدعيم معتقدها برفد الفلسفة الإغريقيّة، ثمّ اعتمالاً فكريّاً منها لإدارة ومعالجة القضايا التي يواجهها المجتمع آنذاك. وقد اتّبعت في سبيل ذلك طرائق جدليّة عميقة من حيث رفع السّؤال ثمّ السّعي لاستجلاء جوانبه، وبالتّالي تفريع المسائل، خلوصاً إلى نتائج بها يثبت الإيمان بوصفه أحد أهمّ حقائق العلم، بالضّبط كما كان يفعل الفلاسفة الإسكولاستيّون الغربيّون بعدهم وفي تزامنٍ معهم، بل وبتأثير كبير من الفقهاء والفلاسفة المسلمين الذين من خلالهم عبرت الفلسفة الإغريقيّة إلى الغرب. كما كان هناك معلِّمون يختطّون الطّريق لسلسلة طويلة من التّلاميذ الذين يسيرون في درب البحث والكتابة، الأمر الذي أعطانا تراثاً من أضخم ما أنتجته البشريّة في مجال التّأليف باعتبار ذلك الزّمان. وفي الحقّ، ما كان للمجتمعات المسلمة في الشّرق وفي الغرب أن تسود العالم آنئذٍ لولا هذا النّشاط الفكري المحموم الذي لم يدفع بعمليّة الحياة فحسب، بل لعب دوراً حاسماً في صنعها وتطويرها، بالضّبط كما فعلت الحركة الإسكولاستيّة في الغرب.

كرصيفتها الغربيّة، انطوت الحركة الإسكولاستيّة الإسلاميّة على جملة تناقضات جدليّة هي التي أهّلتها للعب دورها، أوّلها ارتفاق المعتقد الإسلامي بالفلسفة الإغريقيّة ممّا كان له الدّور المباشر في تحقيق الاستنارة والنّهضة. كذلك انطوت تلك الحركة، بالضّبط كرصيفتها الغربيّة، على جملة تناقضات غير جدليّة هي التي أودت بالمجتمعات المسلمة إلى المحاق دون أن تبلغ الشّأو الذي وصلته الإسكولاستيّة الغربيّة بمجتمعاتها. هذا العامل غير الجدليّ هو اعتقال الإسلام في الأيديولوجيا العروبيّة، ترفيعاً للعرب عرقيّاً على جميع ما عداهم من الأمم التي دخلت في دين الله أفواجا. وقد تمّ للعرب هذا عبر عدّة تكتيكات أيديولوجيّة بها اصطبغ الدّين. أوّل هذه التّكتيكات حصر الحكم في العرب من قريش دون ما عداهم من عربٍ أو أممٍ أخرى. ثانيها ترفيع الحديث إلى مرحلة موازية للقرآن، وفي بعضها يفوقه إذ يُنسخ القرآن بالحديث. أمّا التّكتيك الثّالث فكان الاشتطاط في التّحريم حتّى غدت دائرة المسموحات تضيق إلى أن كادت أن تنطبق على نفسها. فنظرة عابرة على فقه أبي حنيفة (أوّل الفقهاء الأربعة) المتسامح في غالبه، مقارناً مع فقه أحمد ابن حنبل (آخر الفقهاء الأربعة) المتشدّد في غالبه، كافية لشرح المسألة. وهكذا حفل التّاريخ الإسلامي بمواقف حاسمة من حيث الاشتطاط الدّيني الذي كانت محرّكاته الأيديولوجيّة الخفيّة إمّا تكريس الهيمنة العروبيّة على الإسلام، أو فصم عرى هذه الهيمنة، عبر العنف الدّيني المستند إمّا على مؤسّسة الدّولة في حالة الأولى، أو المناهض لها في حالة الثّانية، أو في كليهما.

لهذا نرى أنّه ليس للمسلمين اليوم من نُدحةٍ لاجتراح الحداثة اعتمالاً للأصالة والمعاصرة، بغير أن يقوموا بتنشيط تراث الحركة الإسكولاستيّة الإسلاميّة عبر إعادة قراءة الدّين الإسلامي، قرآناً وسنّةً وفقهاً، ثمّ فلسفةً، بتثقيف دينهم عصريّاً وتديين ثقافتهم حداثويّاً؟ وهل يمكن أن يتمّ هذا التّجاوز عبر الإسلام الثّقافي المتجاوز للإسلام الشّعبي، والمتطوّر بتفعيل الحركة الإسكولاستيّة الجديدة بما يُتيح إعادة قراءة تراثه الماضي ليتفاعل الإسلام مع العصر بما من شأنه أن يجعل المسلمين قادرين على إنتاج الحياة، محقّقين بذلك استخلاف الله لهم على الأرض كباقي عباده؟ هذا هو السّؤال الذي يسعى هذا الفصل إلى استجلاء آفاق الإجابة عليه. وغنيٌّ عن القول إنّ ما نعنيه بالتّجاوز لا علاقة بينه وبين التّجاهل، بل يقوم على هضم وفهم الشّيء، ومن ثمّ التّطوّر بهذا الشّيء إلى مرحلة أخرى بفضل هذا الهضم وهذا الفهم.

 

شبهات حول مصطلح الإسكولاستيّة

قد تثور شبهة تبعيّة في تفضيلنا لاستخدام مصطلح «الإسكولاستيّة» في سياق الفكر الإسلامي. فهذا المصطلح قد وُلد وتبلور في سياق الفكر المسيحي الفلسفي، وقد تجاوزه الزّمن. فلماذا هذا النّكوص إلى مصطلح لم يعد قيد الاستخدام في سياقه الطّبيعي الذي أدّى إلى ظهوره، وإعادة زرعه في سياق مغاير تماماً، أو إلى حدّ كبير، وهو سياق الفكر الإسلامي، مع ما بين الدّينين من توتّر؟ هذه وجهة نظر منطقيّة وقويّة. بيد أنّها تبدو كذلك ما لم نضع في الاعتبار بعض العوامل الأخرى التي تشي بعمق العلاقة بين السّياقين من ناحية، وبين استخدامنا للمصطلح، مع سابق استخدامه، من حيث وظائفه. فالإسكولاستيّة، أكانت في الغرب أم تلك التي سبقتها بالشّرق، تشتركان في الشّكل والوظائف، وتختلفان في النّتائج. فالإسكولاستيّة الغربيّة، كما ذكرنا، نفسها تطوّرت بتأثير كبير من رصيفتها الإسلاميّة التي سبقتها. وقد جاء الاختلاف في النّتائج كون الإسكولاستيّة الغربيّة قد آتت أُكُلَها واستنفدت طاقتها، حيث لعبت دورها كاملاً في دفع مسيرة الحضارة إلى الحدّ الذي شهدناه في القرنين التّاسع عشر والعشرين. ولهذا وجب تجاوزها، وهو ما حدث لها، إذ نلاحظ تسارع وتائر تجاوز كلّ مرحلة بأخرى في التّاريخ الأوربّي منذ عصر النّهضة. أمّا الإسكولاستيّة الشّرقيّة، أو الإسلاميّة، فقد تمّ اعتقالها، وبالتّالي قصّرت عن أن تدفع بمجتمعاتها إلى بلوغ مرافئ الحضارة والتّقدّم الذي بلغه الغرب، مع أنّها كانت قمينة بفعل ذلك لو أُطلق لها السّراح دون اعتقالها. ويعتبر خسران المسلمين للأندلس (وبخاصّةٍ كونها جسر انتقال الإسكولاستيّة إلى الغرب) أكبر دليل على هذا التّراجع. فالتّقدّم العلمي والتّكنولوجي يجعل الإنسان أقدر من ذي قبل في ارتياد الآفاق، وفي أوّلها الآفاق الجغرافيّة. فما من حضارة سبقت إلاّ وخرجت ترتاد أفاقاً جغرافيّة أرحب. بالطّبع هذا لا ينفي المطامع والنّزعة إلى تصفية الحسابات مع الخصوم التّاريخيّين، إلاّ أنّ جميع هذا ما كان ليتوفّر له سبب لولا ما تمّ تحقيقه من تقدّم فكري وثقافي ومادّي، بها جميعاً يصبح في مقدور الإنسان أن يقتحم المجاهل، نفسيّة، وفكريّة، وثقافيّة، ثمّ جغرافيّة، وأخيراً وليس آخراً فضائيّة.

قد يذهب البعض، في الرّدّ على هذه النّقطة بالذّات، إلى أنّ أكبر توسّع للإسلام قد تمّ مع الإمبراطوريّة العثمانيّة وهو أمر قد تزامن مع خسران المسلمين للأندلس. وهذا صحيح من حيث التّزامن، لكن ليس من حيث الجوهر. فاندياح الدّولة الإسلاميّة إلى الآفاق الجغرافيّة التي وصلتها في زمن الإمبراطوريّة العثمانيّة جاء بأثر الدّفع الذّاتي momentum لتلك الحضارة، أي بأثر الإسكولاستيّة الإسلاميّة التي تجاوزت زمنها ورقعتها الجغرافيّة. وبالتّالي كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة بمثابة التسونامي، لكن لم تكن الهزّة التي أدّت إلى ذلك التّسونامي. وقد جاء ذلك التّوسّع والاندياح وهو يحمل جرثومة مرضه الإسكولاستيّة المتمثّلة في اعتقاله ووقف نموّه. فالإمبراطوريّة العثمانيّة لم تعطنا فكراً حداثويّاً أو أيّ درجة ملحوظة من الاستنارة، كونها كانت تجترّ الفكر الذي فقد رونقه عبر الفقه السّلفي الذي به تمّ اعتقال حرّيّة النّاس، مع فرصة تحلّل القائمين بأمر الدّولة من محكوميّته. هذا بينما يمثّل خسران الأندلس خسراناً فكريّاً وتنويريّاً كبيراً، أي حضاريّاً، لا لكونها كانت جسر العبور للإسكولاستيّة إلى الغرب، بل لما يحمله سقوطها وتفكّك الدّولة إلى دويلات صغيرة وتشرذمها، من دلالات مباشرة في العجز عن صنع الحياة وإنتاجها بالرّغم من القدرات الفكريّة والاستناريّة الهائلة بالأندلس ممّا كان الغرب قد شرع في الاستفادة منها. فالإمبراطوريّة العثمانيّة تمثّل شيخوخة الحضارة الإسلاميّة، من جميع نواحيها بما في ذلك شيخوختها الفكريّة والفقهيّة. فمعها كان الفقه قد تمّ اعتقاله في قُمقم المسلّمات، وبالتّالي الوقوع في شرك التّلهّي بالعواطف استعواضاً عن اجتراح النّهضة. فالإمبراطوريّة التي لم يكن لها أيّ وشيجة بالدّين، رفّعت نفسها اسميّاً لتكون بمثابة الخلافة الإسلاميّة للمسلمين؛ وفي تفاعلهم الرّومانسي العاطفي، صدّقها المسلمون في هذا، وركنوا بالتّالي إلى فكرة أنّهم لا يزالون يتفيّأون ظلال الخلافة الإسلاميّة. حتّى ثورة أتاتورك على تلك الإمبراطوريّة، لم تكن علمانيّة في جوهرها كونها قامت على تجاهل الدّين، وهو ما دفع إلى ردّة فعل عاطفيّة قويّة، أي إلى تسونامي عاطفي هو ما نشهده اليوم من حركات دينيّة سلفيّة. فحسن البنّا، زعيم ومؤسّس حركة الإخوان المسلمين، مثلاً، كان متأثّراً بدرجة كبيرة بأفكار محمّد عبده الحداثويّة، لكن ما إن تمّ إلغاء الخلافة المزعومة في تركيا من قبل أتاتورك، حتّى غلبت عليه حُميّا العاطفة، فتناسى أفكار محمّد عبده، ليقبل على القدرات الكبيرة في تفعيل المسلمين عبر استثارة عواطفهم (عبدالله الطّيّب، 2009)، فكانت الحركة التي فرّخت لنا غالبيّة الجماعات الإسلاميّة التي تنفعل بالدّين انفعالاً رومانسيّاً اليوم وهي لا تملك أيّ فكر واقعي يمكن تطبيقه. فهي تدفع بالمجتمعات إلى التّحوّل الشّكلي إلى الإسلام، مثل تحجيب المرأة، التّحوّل إلى الاقتصاد الإسلامي ولو كانت معدّلات الرّبا فيه لا حدّ لها ما دام له اسم مختلف، وتطبيق الحدود من قطع وجلد … إلخ، ذلك أنّ قصارى جهدها أن تقوم بتوريط المجتمعات المسلمة في حالة نكوصيّة لا تمتّ إلى الواقع بصلة، على أمل أن يُفضي جميع هذا فيما بعد، وعلى أيدي أناس آخرين لا يعلمون عنهم شيئاً، إلى انفراج حداثوي يكون موسوماً بميسم الإسلام. وهذه بالطّبع مغامرة غير محسوبة العواقب في زمن أصبح كلّ شيء فيه خاضعاً للحسابات الدّقيقة؛ فالعالم لن يقف متفرّجاً علينا ونحن نقوم بتجربة الخطأ والصّواب بشأن الحضارة، كما لو كان أمرُ الحضارة بالحديث المرجّم.

لكلّ هذا يجيء استخدامنا للمصطلح ليخدم وظيفتين: الأوّل، أن يقوم بتفعيل الفكر الإسلامي من حيث وقَف، استشرافاً للنّهضة بحيث يعمد إلى مجمل مشاكلنا فيسعى إلى إيجاد الحلول لها بطريقة عمليّة، وليس اسميّة. ونعني بالطّريقة الاسميّة مجموعة المعالجات القائمة على التّلاعب اللفظي، من قبيل استخدام حسن التّرابي (2003) لمصطلح «الأحكام السّلطانيّة» بديلاً عن الفقه الدّستوري، بينما يقوم باستنساخ مفاهيم الأخير بأسلوب وقع الحافر على الحافر، لكن بحوشيّ اللغة وتقعّر لفظي غير مقبول. فأنت إذا طُلب منك أن تقوم بإيصال شيء بعينه من النّقطة (أ) إلى النّقطة (ب)، فلم تستطع، وتركته في منتصف الطّريق، يتحتّم عليك أن تلتقطه من حيث تركته إذا أردت أن تعاود الكرّة مرّة أخرى. ثانياً، لكونه المصطلح الذي تبلور في سياق التّفاعل واصطراع الأفكار والثّقافات، ولذا، علينا بقبوله والتّعامل معه، بدلاً من التّحايل عليه لفظيّاً. فنحن لا نحتاج إلى استيلاد مصطلحات جديدة لأيّ مفاهيم جديدة نحتتها البشريّة في أثناء عمليّة اجتراحها للحضارة. نعم، هناك ما يُترجم، وهناك ما ينبغي أن يُبقى عليه، بخاصّةٍ إذا كان يخدم كمنبّه فكري ينطوي على إشارات وعلامات الطّريق. وهذا ما نراه في مصطلح الإسكولاستيّة.

مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان